طاقة الليزر
بقلم الدكتور على عبد النبى:
قد يتساءل البعض عن سبب وجود أمواج بالبحار، والتى هى فى حقيقتها عبارة عن تأثير حركة الرياح على سطح الماء مما يؤدى إلى اهتزازه صعوداً وهبوطاً، وهو ما يتعارف عليه بأمواج البحر. وحسب كمية الطاقة التى تكتسبها مياه البحار من طاقة الرياح، تنشأ أمواج تختلف فى ارتفاعها وطولها وفى زمن تواجدها، وتكرار حدوث الموجة فى الثانية الواحدة يطلق عليه التردد. وإذا تطابقت الأمواج فى البدايات والنهايات وفى صعودها وهبوطها أثناء سيرها تكون هذه الموجات متطابقة فى الطور in phase.
الضوء ينتج من الفوتونات المنبعثة من إثارة إلكترونات الذرة، وهو عبارة عن حزم من الفوتونات، وهذه الفوتونات يمكن اعتبارها جسيمات أو موجات، والضوء هو موجات كهرومغناطيسية، ويعتمد لون الضوء على طاقة الفوتون. ويترواح الطول الموجى للضوء ما بين 400 نانومتر إلى 700 نانومتر، أى فى المدى ما بين الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء.الضوء المرئى ينبعث ويمتص في هيئة حزم صغيرة من الفوتونات، والضوء العادى الأبيض يحتوى على كل ألوان الطيف، وكل لون له طول موجى مختلف وطور مختلف، وينتشر في جميع الاتجاهات ويتشتت أثناء سيره لمسافات بعيدة. ومع اختلاف أطوار موجات الضوء المرئى، فإنه من الممكن أن يتم تجميعه وتركيزه لزيادة شدة الإضاءة، كما يحدث فى كشاف السيارة الأمامى، أو بواسطة العدسات. إلا أن الطاقة المتولدة من تجميعه وتركيزه محدودة.
ومع تطور الأبحاث وجدوا أنه يمكن توليد طاقة كبيرة من تجميع موجات ضوئية لها نفس الطور. فإذا تطابقت فى التردد وفى الطور عند كل نقطة فى الزمن، فإن ذلك يؤدى إلى أن تلك الموجات تكون متماسكة coherent تماسكاً لا متناهياً. وعندما تتجمع هذه الموجات تتولد موجة مكبّرة. هناك بعض مواد مثل الياقوت الأحمر عالى النقاوة، عند إثارته (تحفيزه أو تنشيطه) يتولد ضوء أحادي اللون، فموجات هذا الضوء متماثلة فى طولها الموجى ولها نفس الطور. وهناك بعض ذرّات الغازات مثل الهليوم والنيون والكريبتون عند إثارتها يتولد عنها ضوء ذو طول موجى أحادى، ويكون فى صورة حزمة ضوئية متماسكة coherent light.هناك انبعاثات تلقائية للفوتونات من الذرّة spontaneous emission، وهى تحدث عندما ينتقل إلكترون من مستوى طاقة عالى فى الذرّة إلى مستوى طاقة منخفض دون تأثير خارجى. كما أن هناك انبعاثات مستحثة للفوتونات stimulated emission، وذلك عن طريق تأثير فوتون خارجى والذى يسمى الفوتون المؤثر، وهو الذى يتسبب فى انتقال إلكترون من مستوى طاقة عالى فى الذرة إلى مستوى منخفض، ويتولد عن ذلك فوتون جديد له نفس خصائص الفوتون المؤثر، ويظل الفوتون المؤثر محتفظاً بخصائصه. فإذا أمكن أن تتكرر نفس العملية فى تفاعل متسلسل من الفوتونات المتولدة، فينتج عن ذلك شلال من الفوتونات المتماثلة فى التردد ولها نفس الطور، وهو ما يمثل الليزر.
كلمة الليزر laserهى اختصار لـ light amplification by stimulated emission of radiation أى “تكبير الضوء بالانبعاث المستحث للإشعاع الكهرومغناطيسى”. ومصطلح “الضوء” لا يدل على الضوء المرئي visible light فقط، إنما يشمل الإشعاع الكهرومغناطيسي من أي تردد، ومن هنا تأتي مصطلحات ليزر الأشعة تحت الحمراء infrared laser، وليزر الأشعة فوق البنفسجية ultraviolet laser، وليزر أشعة إكس x-ray laser، وليزر أشعة جاما gamma-ray laser.
جهاز الليزر يتكون من :
1- مصدر طاقة Laser pumping energy والذى يقوم بضخ الطاقه للمادة النشطة في جهاز الليزر.
2- وسط تكبير Gain medium أو الوسط النشط Active laser medium، فعن طريق مصدر الطاقة يتم تحفيز وسط التكبير ويصدر موجات ضوئية، وهذا الوسط مصنّع من مادة ذات خواص تسمح لها بتكبير أشعة الليزر عن طريق الانبعاثات المستحثة، وهو مصدر التكبير الضوئى داخل الليزر، ويتم تزويده بالطاقة بعملية تسمى الضخ pumping، ومصدر الطاقة إما يكون تياراً كهربائياً أو ضوءاً بطول موجي مختلف.
3- مرآة عاكسة reflector، وهى تتواجد على أحد طرفي وسط التكبير.
4- عدسة خروج شعاع الليزر output coupler، وقد تكون مستوية أوعدسة مقعرة، كما أنها تعمل كمرآة عاكسة جزئياً partially reflective mirror، ومكانها على الطرف المقابل للمرآة العاكسة. ينعكس الضوء ذهاباً وإياباً بين المرآة والعدسة، مروراً بوسط التكبير ويتم تكبيره في كل مرة. وبعد انعكاس شعاع الضوء داخل الوسط عدة مرات تصل الموجات الضوئية المتجمعة إلى وضع اتزان. عندئذ تتميز هذه الموجات بانتظام طورها وتخرج من العدسة كشعاع ليزر شديد الطاقة. المرأة العاكسة وعدسة الخروج هما عنصران من عناصر الرنان الضوئى optical resonator.
إذاً فجهاز الليزر يعمل على تماثل طور الموجات الضوئية بحيث تكون جميعها فى نفس الطور بشكل متماسك coherently. ومعتمداً على الانبعاث المستحث للإشعاع الكهرومغناطيسي stimulated emission، يتم تكبير الموجات الضوئية داخل جهاز الليزر عن طريق انعكاسها عدة مرات بين المرآتين وخلال وسط الليزر، وفي كل مره ينعكس فيها الضوء ذهاباً وإياباً بواسطة المرايا على طول جهاز الليزر، تزداد فيها عدد الذرات المستحثة وتضخ المزيد من الفوتونات وبالتالي فإن شدة ضوء الليزر تزداد. ومع تطابق الموجات بعضها مع البعض والتى تكون فى نفس الطور، يحدث تداخل بناء وتتضاعف قوة الضوء نتيجة اتحاد عدد هائل من الموجات الضوئية، مما ينتج حزمة من الضوء المتماسكة، أى يحدث تكبير للضوء وتتولد حزمة ضوئية واحدة، هى شعاع الليزر ذو الطاقة الكبيرة.
الليزر عبارة عن حزم ضوئية متوازية، بقطر صغير قد يصل إلى قطر أصغر من قطر رأس الدبوس، ودون الحاجة إلى تركيزه باستخدام العدسات، وتنتشر جميعها في اتجاه واحد، والتشتت يكاد يكون معدوماً بينها، مما يجعلها تنتقل لمسافات بعيدة جداً، مع فقدان طفيف فى الطاقة، ويُمكن أن تحمل حزم الليزر كميّاتٍ هائلة من الطاقة حوالي 100 مليون وات لكل سنتيمتر مربع. بينما الضوء العادى ينتشر في جميع الاتجاهات، ويتشتت كلما ابتعد عن المصدر.الآن كلمة “lase” أصبحت تستخدم كأحد أفعال اللغة الإنجليزية وتعني “إنتاج ضوء الليزر”، خاصةً فيما يتعلق بوسط تكبير الليزر gain medium، وعند تشغيل الليزر يقال أنه “lasing”.
التماسك coherence هو مقياس الارتباط correlation الموجود بين أطوار الموجة الضوئية المقاسة في نقاط مختلفة. ويعتمد تماسك الموجة على خصائص مصدر الموجة.إذا كان هناك ارتباط تام perfect correlation بين حركة موجتين، والموجتان ليستا متساويتين في الطور فى التحرك صعوداً وهبوطاً، فقد ترتفع إحداهما بينما تنخفض الأخرى، لكن فرق الطور phase difference بين وضعي الموجتين ثابت على طول الزمن، نقول أن المصدر متماسك تماما perfectly coherent. ولو كان مصدر نقطة التذبذب متناغم harmonically oscillating، ينتج عنه موجة متماسكة تماماً perfectly coherent.
المراجع
misralbalad.com
التصانيف
تصنيف :تقنية العلوم التطبيقية