محمد بن عبد الله البقمي
 
بينما كنت أتابع أحد البرامج في إحدى القنوات الفضائية، يحكي مشهداً مؤلماً، ويصور حالة مؤسفة، وصل إليها إخواننا المسلمون في إحدى جروحنا النازفة على هذه الأرض، فسال مداد القلم بدم الألم، وتوجعات الندم..
فقلت:
• ربّاه.. إلى من تلكنا ؟ إلى قريب يتجهمنا؛؛ أم إلى عدوًّ ملكته أمرنا؛ فدماؤنا بكل أرضٍ تسيل، وجراحنا في كل بقعة تنزف، وأجسادنا صارت سلعاً رخيصة لكل خائنٍ خسيس، وآلامنا هي بعينها آمال أعدائنا التي كانت في فترة من الزمان حلماً بعيد المنال..
فالشيوخ يقتّلون، والنساء يرمّلن، والأطفال يذبحون على مرأى ومسمع من آبائهم، والرجال يمثّل بهم، لا طعم للراحة، ولا لذّة للطعام، ولا مجال للنوم في ظلّ قصف المدافع، وأزيز الطائرات..
• عجباً والله.. ألأخوةُ يقتتلون ؟ ألأمة الواحدة تتحارب ؟ والمضحك المبكي ـ في آن واحد ـ أن العدو المشترك هو المستفيد الوحيد، يصفق لما يرى، ويشجع ما يحصل، ويعجبه ما يشاهد؛ ولو كنا نعقل فإن الخبر قد بلغنا منذ ألف وأربعمئةٍ سنةٍ وزيادة، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )، ولا شك فهذه هي الخطوة الأولى، ونسأل الله تعالى ـ أن يلطف بأمة الإسلام.
• وكذا الخبر قد بلغنا عن الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ أن الله تعالى قد جعل بأس أمة الإسلام فيما بينها، وهذا هو بعينه ما تحكيه لنا مشاهد الواقع المرّ، فيا ربّاه؛ عجّل ينصرك الذي وعدتنا..
 قبل الختام هذه إشارات سريعة، وومضات خاطفة تضع النقاط على الحروف وإليكم إيّاها:
1. اصبروا واحتسبوا، واعلموا أن الفرج مقرون بالشدة، وأن العسر بعده اليسر، الفرج بعد الكرب..
ضاقت حتى استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
2. ليعلم كلًّ منا أن ما نحن فيه من شدةٍ ولأواء، ما هو إلا بما كسبت أيدينا، فالحق تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) فربنا ـ جل جلاله ـ لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )
3. إن ما نعيشه أيها الأكارم هو نتيجة معادلة أخبرنا بها الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يقول فيما صحّ عنه: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلاًّ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم )).. (صححه الألباني: صحيح الجامع 423 ).
4. إن اجتماع الصف، وتوحيد الكلمة؛ هو الحل الناجح، والأسلوب النافع؛ في مثل هذه الأوقات، فهو توجيه ربّاني كريم (لاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ).
5. رتّل آي الذكر الحكيم، لا تلبث إلا أن تجد الحث على الصبر، وتشجيع الصابرين، وفضائل الصبر؛ (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ )، ويقول الباري ـ جل في علاه (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )، ويقول ـ جل جلاله: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )، ويقول ـ جل ذكره ـ: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ).. وقد قيل في منثور الشعر:
اصبر لكل مصيبة وتجلّد واعلم بأن المرء غير مخلّد
6. تفاءل.. تفاءل.. تفاءل.. فإن المحنة في طياتها منحة، ومع الدمعة بسمة، ومع الألم ألم، فالمولى تعالى يرعانا، ويكلأنا بحفظه ورعايته؛ فالنار ـ يا أكارم ـ لم تحرق الخليل، والبحر لم يغرق الكليم، لأن الرعاية الربانية تحوطهم، فاخلع النظارة السوداء، وتفاءل؛ واستمع بورك فيك:
(أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)124(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ)
7. نقطة التغيير، ومبدأ العلاج؛ يبدأ منك أيها المبارك (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) فمقاليد التوفيق والخير مقرونة بالطاعات، ومقاليد الخيبة والخسران مقرونة بالمعاصي والسيئات.
• وأخيراً ـ يا كل من يقرأ هذه الأحرف... توجّه إلى الله بقلب حاضر، ونفس خاشعة، وعينٍ دامعة، والجأ إلى المولى تعالى، واجأر إليه بخالص الدعوات أن يرفع عن أمة ما أصابها، وأن يكشف أو أصابها، وأن يبذل اللوعة سلوة، والحزن فرحاً، والألم أملاً.. فما خاب من دعاه، ولا نوم من رجاه..
مهما رسمنا في جلالك أحرفاً     قدسيّة تشدو بها الأرواحُ
فلأنت أعظم والمعاني كلها        يا رب عند جلالكم تنداحُ
ومضة أخيرة:
ــ إذا غطت المحنة، وأطلّت الفتنة فاهتف: حسبنا الله ونعم الوكيل..

المراجع

ياله من دين

التصانيف

عقيدة   العلوم الاجتماعية