أ.د محمد صالح محي الدين
خرّج أصحاب الصحاح والسنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إنما أنا رحمة مهداة).. فهذا الحديث الصحيح هو الباعث الرئيسي على اختيار(مع الرحمة المهداة) عنوانا لهذا العمود، الذي أرجو الله أن يجعله سببا ووسيلة لإعانتي في تذكير نفسي, ثم قارئي الكريم، ببعض ما جاء به السراج المنير من مشاعل الهداية والإرشاد، لوضع البشرية كلها على صراط الله المستقيم, وحتى ننال رضى الله عز وجل, ونظفر بسعادة الدارين. وأبدأ هذه الكلمات – والرجاء في الله عز وجل أن تكون نافعة، وخالصة لوجهه الكريم – بحديث مناسب لعنوان هذه العمود وهو الحديث عن رحمته صلى الله عليه وسلم التي كانت شاملة للعالمين.
والرحمة – في اشتقاقها اللغوي – ذات صلة وثقى بالرحم، ولا يقصد بالرحم هنا الجهاز العضوي الذي يحفظ الله فيه النطفة المخلقة، حتى يتم تكوينها، وتستوي جنينا، بل يُقصد بالرحم ما يرمز إليه وهو القرابة.
غير أن الرحمة إذا تأصلت في إنسان ما، سوّت في المودة بين القريب والغريب ولم تفرق بينهما, وهذا ما نلحظه بوضوح في الرحمة التي اتسمت بها حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كافة مراحلها منذ أن شرف الله بميلاده الوجود، وحتى لحوقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى .
لقد وُلد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه - كما هو معلوم – يتيما، فقد مات أبوه عبد الله بن عبد المطلب، وهو في بطن أمه آمنة، لم يمض على حملها به صلى الله عليه وسلم أكثر من شهرين, وماتت أمه آمنة وما تجاوز عمره صلى الله عليه وسلم ست سنين. فهل لله سبحانه حكمة من وراء يُتم محمد صلى الله عليه وسلم.. أكْرِم به من يتيم؟ الجواب بالإيجاب دون أدنى ريب.
وإذن.. هل أراد الله اليُتم لأعظم خلقه ليلوذ به وحده, وليقول دائماً ومنذ صغره: يا ربي, ولا يقول – ولو مرة واحدة, وكم قال أترابه – : يا أبي؟؟
هل اختار الله اليُتم لأكمل خلقه ليصنعه على عينه, ويجعل منه نسيجا وحده, ويؤدبه فيحسن تأديبه كما قال عليه والصلاة والسلام ؟
هل اختار الله اليُتم لأشرف خلقه، ليجعل منه سببا ووسيلة لتفجير ينابيع الرحمة في قلبه الرحب تفجيرا؟؟
مهما تكن حكم الله تبارك وتعالى من وراء يُتم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اعترف أصدقاء الإسلام وأعداؤه – أمام حقائق التاريخ الثابتة – أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مثالا فريدا للرجل الكريم الرحيم، وأن رحمته – عليه السلام – وسعت كل شيء, فشملت الإنسان والحيوان والجماد.
وإذا حاول بعض مدّعي العلم من المستشرقين، ومن تبعهم من المستغربين أن يزعموا أن الرحمة عند محمد صلى الله عليه وسلم كانت رد فعل ليتمه، فإنَّا نقول لهم إن الذي يفهمه المُنصف من سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم، ومن شمائله الزكية، يراه متسقا مع وجوده كله صلى الله عليه وسلم، هو أن الرحمة كانت (فعلا) له صلى الله عليه وسلم، ربما درّبه ربه – تبارك اسمه – عليه خلال مراحل يتمه، الذي شاء سبحانه أن يكون واحدا من الأساليب التي اقتضت حكمته عز وجل أن يأخذ بها نبيه – عليه السلام – وهو يربيه على أكرم الخصال، وأجمل الصفات
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :عقيدة