غريسة

تشهد بقايا المنازل الحجرية القديمة في قرية غريسة التي تبعد قرابة 45 كيلومترا جهة شمال العاصمة الأردنية عمّان، على هجرة سكانها بعدما حملوا في رحلتهم قبل ما يناهز أربعة عقود الأسقف والنوافذ والأبواب الخشبية وتركوا المكان خاويا إلا من ذكريات ارتبطت بممارستهم الزراعة ورعي الأغنام، وأسرة وحيدة لا تزال تقطن داخل غرفتين يشارف معيلها على الثمانين عاما قضى نصفها بلا جيران .

كما تتبع القرية محافظة الزرقاء في الاردن ، وتعادل مساحة البناء الأصلية القديمة داخلها كيلومترا ونصف الكيلومتر، فضلاً عن جوانب مفتوحة احتضنت سابقا البساتين والمحاصيل النباتية وملاحق تربية الحيوانات والمرافق الاجتماعية والتعليمية والدينية البدائية ذات الطراز العتيق، وتجري حالياً خطوات رسمية جهة تحويلها إلى مزار تراثي يضم مركزا حرفيا ومتحفا للأدوات التقليدية ومعرضا للمشغولات اليدوية والثياب الشعبية ومرجعا يؤرخ نشأتها وتعاقب الأحداث عليها . وحسب دراسة ميدانية أعدها الباحث والكاتب محمود الزيودي المندرجة أصوله من غريسة مرّت على القرية وقائع تاريخية عديدة منذ العهود القديمة، حيث شكلت إبان مملكة الأنباط طريقا تجارية تصل بين البتراء وتدمر وأسهم موقعها المرتفع في مراقبة الصحراء جهة الشرق بالذات وحراسة القوافل، ودلت اكتشافات على بقايا قلعة وقبور وآبار مائية زامنت الفترة الرومانية فيما تحوّلت إلى مسرح الغزوات المتصارعة على نهر الزرقاء في زمن الحكم العثماني قبل تشغيل الخط الحديدي الحجازي وانعكاسه ايجابيا على فرض الأمان في محيطه .

وبين الزيودي توافد فروع قبلية إلى القرية منتصف عشرينات القرن الماضي وفرز أراضيها وتسجيلها لمصلحة العشائر التي قطنتها تباعا بدءا من حدود عراق الجبر قرب بلعما وحتى وادي الظليل حيث كانت تتبع إداريا محافظة المفرق سابقا .

واكمل الحديث : اقتسم السكان مواقع إقامتهم وعيشهم وعمرّوا بيوتا مادتها الحجارة الثقيلة وسقوفها وأبوابها ونوافذها من الخشب القوي والمتين الضامن مقاومة ظروف الطقس والاحتفاظ بأجواء باردة صيفا ودافئة شتاء، واستحدثوا مخازن للبذور والمؤن والمحاصيل فضلا عن استغلالهم مقار خرائب موجودة في البيادر . وأردف: امتهن أهل غريسة الفلاحة ورعاية الماشية وملكوا بيوت شعر رحلوا من خلالها في فصل الربيع جهة المراعي مع الأغنام والإبل وعقب الحصاد اعتادوا الذهاب صوب بلدة مجاورة تدعى القنية بينما كانوا ينتجعون في مناطق ضمن جرش وعجلون والأغوار الشمالية أثناء مواسم القحط الطارئة . ولفت الزيودي إلى بدء الحراك الزراعي بحرث الأرض عقب بذر الحبوب وفق ما يطلقون عليه البدري وانقسمت المحاصيل بين العدس والحمص وغيرهما إضافة إلى بساتين البطيخ والطماطم والقثاء والشمام والخضروات والفاكهة المختلفة .

وقال: توزعت المهام بين أفراد المنزل الواحد حيث يستلم فريق رعي الماشية وثان الحراثة بواسطة أدوات خشبية مساعدة ولموسم الشعير طقس خاص فبعد حصده يدويا عادة ويليه القمح مباشرة يخرج الرجال والأولاد حاملين المناجل قبيل شروق الشمس لجمع الغلة النهائية وهم يرددون أهازيج شعبية، وبعد وضعها في شباك تستوعبها تنقل على ظهر الجمال وتهرس بواسطة الدواب على لوح خشبي أسفله حجارة بركانية سوداء وتنثر الكمية في الهواء لفرز التبن عن الحبوب يرافق ذلك إطلاق مواويل مواكبة . وأضاف: حينما كان يتأخر أحدهم في حصاد منتجاته يهرع جيرانه لمساعدته وفق فزعة تسمى العونة أما وزن القمح من خلال الصاع وإفراغه في الأوعية فمقترن بلفظ الأعداد بأسلوب خاص فبدلا من أربعة يرددون نربح ويطلقون سمحة عوضا عن سبعة وغالبا يعطى السائل وعابر السبيل والأطفال بعضا قليلا ضمن ما يعتبرونه براكة نسبة إلى البركة أما المطحنة الرئيسية فأديرت بواسطة الماء بداية قبل الانتقال إلى ثانية لها محرك مادته الديزل . وأوضح الزيودي استفادة أهل القرية من آبار مائية حفرها الأنباط والرومان سابقا وإضافة جديدة سجلت كل منها باسم صاحبها مع مساحة أرض دائرية حولها وعلق: حال جفافها نهاية موسم الصيف تخرج القوافل فجرا ناحية عين قريبة تعود منها منتصف النهار مع قراب مملوءة .

وذكر الزيودي خوض بعض رجال غريسة رحلتين سنويا إلى فلسطين خلال ثلاثينات وحتى منتصف أربعينات القرن الماضي الأولى عقب حرث أراضيهم حيث يسافرون سيرا على الأقدام صوب حيفا ويافا ومدن الساحل للعمل في الموانئ والبيّارات والثانية بعد الحصاد من أجل الغاية ذاتها . وعن عادات الزواج قال الزيودي: حددت الحفلات في فصل الصيف عقب حصد الزرع وتخزين الغلال ومن المعيب تماما التقاء العروس مع عريسها قبل ليلة الزفاف، حيث ترافقها قافلة عمادها الخيول والجمال من منزل والدها إلى بيت شريك حياتها توازيها أخرى ضمن هوادج مخصصة للنساء إذا كانت المسافة بعيدة بينما تقتصر على مسيرة غير مختلطة حال قربها وفق ما يطلق عليها الفاردة، ويدعى الجميع إلى مائدة طعام عامرة خلال المشوار لدى أحد الأقارب وتستمر الأفراح ثلاث ليال الأولى الشرّة تشهد إعلان معطيات الجهاز ومقدّم المهر أمام الجميع ويمتد سامر الاستعراضات والرقصات الفولكلورية حتى الثانية منها الدحيّة وتنتهي الثالثة من خلال زف العريس إلى مقر سكنه الجديد البرزة قرب أسرته .

وحول هجرة السكان قال الزيودي: في بداية ستينات القرن الماضي مرت غريسة بفترة قحط شديد وجفاف عسير امتدا طويلا وتزامن ذلك مع إنشاء مصفاة البترول الأردنية حيث وجد الرجال فرصا للعمل فغادروا مع عائلاتهم وقبيل بداية السبعينات حفرت إحدى العشائر بئرين عميقتين في منطقة مجاورة وعندما تدفق الماء رحل الباقون جهتها .

وعقب: توزع أهالي القرية بين مدن محيطة منها الهاشمي الشمالي قرب أعمالهم المدنية وأم الصليح وما يعرف بغريسة الجديدة البعيدة أربعة كيلومترات فقط عن القديمة وفيها مزارع لأشجار الزيتون غالبا انسياقا مع قلة حاجتها إلى مجهود ووقت في متابعتها . وأكمل الزيودي: حين غادر الجميع على دفعات حملوا معهم ما قل وزنه وزادت قيمته كما في أخشاب السقوف والأبواب والنوافذ واستخدموها في بناء بيوتهم الحديثة أو حرقوها مادة للوقود ولذلك غدت المساكن العتيقة مفتوحة من جميع الأطراف فيما لجأ بعضهم إلى سدها بالحجارة ظنا بإمكانية العودة التي لم تتحقق وأسهم تفرقهم في قلة تواصلهم تدريجياً من جيل إلى آخر .

وحيداً في الموقع تمسك محمد الفخور بالمكوث مع أسرته في القرية وظل وحيدا من دون أبناء جيله وأترابه طوال أربعين عاما، وفي حديث مقتضب واكب ضعف ذاكرته ومتاعبه الجسدية مع إشرافه على سن الثمانين قال: كانت حياتنا البدائية جميلة وأنا تشبثت بها ولم أرغب في تركها خاصة أنني سمعت بتراجع التعاضد العائلي والاندهاش من التكنولوجيا والأشياء المتطورة لدى بعض الراحلين، وفي الأساس كانت علاقتي مع الناس مبنية على ممارستي رعاية ماشيتهم وأغنامهم، ووجدتها فرصة أوسع للاستفادة من الأراضي الخاوية في مواصلة حرفتي ضمن حلالي الخاص . وأضاف: عشت مع زوجتي وأبنائي الخمسة في غرفتين كانتا مقرا لمدرسة غريسة الابتدائية العتيقة وأنا لم أتلق التعليم ووجدت في أسرتي عزوتي وملاذي وسط افتقاد الجيران والمعارف والذين ظلوا يتواصلون معنا من خلال زيارات دائمة متقطعة وبقيت أتردد عليهم وأحضر مناسباتهم حتى غلبني العمر .

ولفت الفخور إلى عزمه على السكن داخل القرية وبقائه مع شريكة حياته وابن وحيد بعدما توزّع أولاده الأربعة في مواقع مهنية مختلفة وأردف: لم أستطع تعليمهم حتى مراحل عليا وهم يحاولون بإلحاح أن أستقر معهم لكن أفضّل النظر على امتداد غريسة صباح كل يوم ومراقبة مشهد شروق الشمس بتأمل وكذلك الغروب وأتمنى الموت على ترابها في مسقط رأسي ونشأتي وحياتي .


المراجع

alkhaleej.ae

التصانيف

قرى الأردن   الجغرافيا   الاردن   التاريخ