الطليعية أو الطلائعية أو الريادية (بالفرنسية: avant-garde)، هي كلمة أدبية تدل إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجدِّدة، وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالفن والثقافة والسياسة والفلسفة والأدب. تطورت في القرن العشرين ولكنها مأخوذة من اتجاهات سياسية ثقافية للقرن التاسع عشر، وتصف مجموعة من الفنانين الذين تجمعهم وثيقة واضحة موقعة منهم انفسهم. تمثّل الطلائعية الخروج عن حدود المعيار الاجتماعي أو الوضع الراهن، وخاصّة فيما يتعلّق بالوسط الثقافي. ويرتبط ظهور لفظة الطلائعية بالنّسبة للبعض مع خصائص الحداثة، بعكس مرحلة ما بعد الحداثة. اصطف الكثير من الفنانين مع الحركة الطلائعية وما زالوا راسمين بذلك مخططا تاريخيا لتطورها بدءاً من الدادائية مروراً بالأممية الموقفية ووصولاً إلى فناني ما بعد الحداثة مثل شعراء اللغة وذلك قرابة عام 1981. ويشير المصطلح أيضاً إلى تعزيز الإصلاحات الاجتماعية الجذريّة، وعُرف هذا المعنى من خلال مقالة لـسان سايمون عنوانها ("الفنان والعالم والصناعيّ"، 1825) والتي توثق لأول استعمال لمصطلح الطلائعية بمعناها المألوف الآن، وفيها يدعو الفنانين ليخدموا كطلائع (الجيش)، مشدداً على أنّ قوة الفنون تكمن بسرعة وفورية ظهورها وتعبيرها بهدف الإصلاح الاجتماعي والسّياسي والاقتصادي.
مقدمة
تتكون الطلائعيّة ببساطة من الكثير من الحركات المختلفة، وعن طريق طروحات مختلفة تتطرق للتجديد في الفن ولدوره الاجتماعي مقدمةً أشكالاً فنية لازمة لتحطيم أو تشويه أكثر الأنظمة المعروفة في التّعبير الفنيّ سواء في المسرح أو الرسم أو الأدب أو السينما أو العمارة أو الموسيقى أو غيرها. يميز بعض الكتّاب، مثل بيتر بورخير (صاحب نظرية الطلائعية)، بين الطّلائعيين الحقيقيين وبين تلك الحركات الأدبية التي تصدت لمؤسسة الفن وأبعادها السّياسيّة في المجتمع، فركّزوا ابتكاراتهم في البحث عن وظائف العمل الفني الجديدة وعلاقاتها مع السّلطة. ظهرت هذه الحركات الفنيّة المجدّّدة، وهي بشكل عام دوغماتية ومتشددة بعقيدتها، في أوروبا في أوائل القرن العشرين، وامتدّت إلى قارات أخرى وبصورة رئيسيّة إلى أمريكا حيث دخلت في مواجهة مع الحداثة.تتمركز السّمة الأساسيّة في الطلائعية في حرية التعبير، والتي تتجلّى في تغيير بنية الأعمال والخوض في مواضيع محرمة والإخلال بالمعايير الإبداعيّة، وظهر في الشعر من خلال تحطيم المعايير العروضية والأنواع الشعرية المعروفة. وفي العِمارة؛ يتم تجاهل التّماثل والتّناسق لإفساح الطّريق لعدم التّماثل. أما في الرّسم؛ فمن خلال تحطيمها للخطوط والأشكال والألوان الحياديّة والمنظور.
السّياق التاريخي والاجتماعي
من وجهة نظر التاريخ، تميّز الثّلث الأول من القرن العشرين بوجود توترات كبيرة ومواجهات بين القوى الأوروبية. في الوقت نفسه؛ عززت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والثورة البلشفية (في أكتوبر عام 1917) الآمال في وجود نظام اقتصادي مختلف عن البروليتاريا.بعد عقد 1920، وهي فترة التنميّة والازدهار الاقتصادي، والتي عرِفت باسم السنوات المجنونة أو بالعشرينيات الذهبيّة؛ وصولاً إلى الانهيار الكبير لسوق الأسهم في وول ستريت عام 1929 والذي يرجع لزمن الكساد والصّراعات إلى جانب الظروف الصّعبة المفروضة على المهزومين في الحرب العالمية الأولى والذين أدّوا إلى وجود الأنظمة الشمولية (الفاشية والنازية)، والتي كان من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.من وجهة نظر الثّقافيّة، فإن هذا العصر سيطرت عليه العديد من التّغيرات والتّقدّم العلمي والتّكنولوجي (ظهور السيارة، الطائرة، الصناعة السينمائية، الحاكي الفوتوغرافي). كانت القيمة الرئيسيّة للعصر تتجسّد في الحداثة (استبدال القديم وغير الصّالح بالحديث والأصلي تكنولوجياً).مِن جانبها، فإنّ السّاحة الأدبية احتاجت إلى تجديد عميق، ومن نطاق هذه الرّغبة لإصلاح ما هو قديم ومحاربة الإحساسية التي مجّدت العقل الباطن بالعقلانيّة، الحريّة، العاطفة، الفرديّة، ممّا سيولّد طلائع أخرى في بداية القرن العشرين.
عاشت أوروبا لحظة مشاركة فناني الطلائع بالأزمة بشكل عميق. هذه الأزمة التي أطلقت الحرب العالمية الأولى، ومن ثم ظهور حدود للنظام الرأسمالي. وأشار أرنولد هاوسر على أنه وحتى عام 1914 كان الإشتراكيون هم المتحدثون الوحيدون عن انهيار الرأسمالية، إلا أنه هنالك إقطاعات أخرى أيضاً كانت قد وصلت من قبل إلى الحدود كنموذج للحياة التي وفّرت المال والمنتجات وقيم التغيير لمواجهة الفرد.نتيجة لهذا، كان كل من التّفكير السّطحي، الفقر والالتباس الفنيّ يشكل عائقاً أمام أولئك الذين ثاروا عام 1905، مثل: بابلو بيكاسو وجورج براك مع معارضهم التكعيبيين، والمستقبلية في عام 1909 والتي تميزت بتقدم الحداثة العلميّة والتكنولوجيّة والتي أطلقت أول عمل لها ليراهن على المستقبل ويرفض كل ما هو قديم.وهكذا بدأت الخطوات الأولى للطلائعية، بالرغم من أن لحظة الانفجار الحاسمة توافقت زمنياً مع الحرب العالمية الأولى ومع الوعي بالتضحية بكل شيء يحمل معنى مُنافٍ للعقل، كما توافقت مع الوعود التي تبشر بحياة مختلفة مشجعةً الانتصار على الثورة الروسية في روسيا.في عام 1916، وفي مدينة زيورخ الروسيّة (التي اتّخذت موقفاً محايداً خلال الحرب)، قرّر هوغو بال، الشاعر الألمانيّ، أن يأسس كباريه فولتير. هذا العمل كان أساس الدادائية، وانفجار العدمية، حيث اقترحوا فيه الرّفض التّام، مِن أقوال لويس أراغون، الشاعر الفرنسي:نظام ال DD سوف يحرركم، سيكسر كل شيء. أنتم أسياد كل شيء تكسرونه. القوانين، الأخلاق، الجماليات التي تم عملها احتراماً لتلك الأشياء الهشة. وما هو هش من المقدّر أن يُكسر. حاولوا بكامل قواكم ولو لمرّة واحدة: يتحدّاكم حتى لا تستمرّوا بعد. الذي لن تكسروه سوف يكسركم، سيكون سيدكم.هذه الرغبة في تدمير كل ما تم إنشاؤه قاد الدادئيين ليصبحو مترابطين، وأن يرفضو أنفسهم: أن يدمرو أنفسهم من تلقاء أنفسهم. يعتقد بعض من أنصار الدادائية، بقيادة أندريه برتون، أن الظروف طالبت ليس فقط باللا سلطة والتّدمير، إنما اقترحت ذلك أيضا، ولهذا تم إبعادهم عن الأثر (وهكذا وضعت نقطة النهاية للحركة الدادائية) وبدأوا المغامرة السريالية (الفواقعية أو فوق الواقع).
كان عُنف الدادائية الخطوة الأولى التي لا غنى عنها، ولكنها وصلت حدودها. حيث انضم بريتون مع السرياليون في حِكمة آرثر رامبو (والذي كان جنباً إلى جنب مع شارل بودلير، لوتريامون، ألفريد جاري، فينسنت فان غوخ وغيرهم من فناني القرن التاسع عشر، المعترف به من قبل السرياليين باعتباره واحد من آبائهم): "يجب تغيير الحياة" وانضم أيضاً إلى حِكمة كارل ماركس: "يجب تغيير العالم ".وهكذا نشأت السريالية لخدمة الثّورة التي سعت لاستعادة المجتمع البشري الذي اختفى قيوده وقمعه: جوهره النّقي جداً والأنا الأساسية والأصليّة، من خلال استرجاع العقل الباطن والأحلام (وذلك في أيام سيغموند فرويد وأصول التحليل النفسي) لتمهيد طريق الحرية للأهواء والرّغبات في الكتابة الأتوماتيكية (والتي طرحت فيما بعد كتقنية)، والفكاهة السوداء، كما حاول السرياليون التوجه نحو مجتمع جديد حيث يصبح فيه الفرد متمكنآ على العيش في القمة (أدب المدينة الفاضلة السريالية)، وفي هذه الممارسة الكاملة للحرية التي عنيت بها السريالية والتي تضم ثلاثة كلمات في معنى واحد: الحب، الشعر، والحرية.
المراجع
areq.net
التصانيف
حركات فنية الفنون فنون مرئية فلسفة العلوم الاجتماعية