يونس
{26} لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله تَعَالَى : " وَزِيَادَة " قَالَ : ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَل فِي الدُّنْيَا لَهُمْ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّة وَالزِّيَادَة النَّظَر إِلَى وَجْه اللَّه الْكَرِيم ) وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِي رِوَايَة . وَحُذَيْفَة وَعُبَادَة بْن الصَّامِت وَكَعْب بْن عُجْرَة وَأَبِي مُوسَى وَصُهَيْب وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب . وَرَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ صُهَيْب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّض وُجُوهنَا أَلَمْ تُدْخِلنَا الْجَنَّة وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّار قَالَ فَيَكْشِف الْحِجَاب فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر إِلَى رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ ) وَفِي رِوَايَة ثُمَّ تَلَا ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ صُهَيْب قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ الْآيَة " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْل الْجَنَّة إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْد اللَّه يُرِيد أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ قَالُوا أَلَمْ يُبَيِّض وُجُوهنَا وَيُثَقِّل مَوَازِيننَا وَيُجِرْنَا مِنْ النَّار قَالَ فَيُكْشَف الْحِجَاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَاَللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ اللَّه شَيْئًا أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر وَلَا أَقَرّ لِأَعْيُنِهِمْ ) . وَخَرَّجَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي دَقَائِقه عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَوْقُوفًا , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب التَّذْكِرَة , وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَعْنَى كَشْف الْحِجَاب , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حُجْر حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ زُهَيْر عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الزِّيَادَتَيْنِ فِي كِتَاب اللَّه ; فِي قَوْله " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " قَالَ : ( النَّظَر إِلَى وَجْه الرَّحْمَن ) وَعَنْ قَوْله : " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَة أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ " [الصَّافَّات : 147] قَالَ : ( عِشْرُونَ أَلْفًا ) . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الزِّيَادَة أَنْ تُضَاعَف الْحَسَنَة عَشْر حَسَنَات إِلَى أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الزِّيَادَة غُرْفَة مِنْ لُؤْلُؤَة وَاحِدَة لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب . وَقَالَ مُجَاهِد : الْحُسْنَى حَسَنَة مِثْل حَسَنَة , وَالزِّيَادَة مَغْفِرَة مِنْ اللَّه وَرِضْوَان . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم : الْحُسْنَى الْجَنَّة , وَالزِّيَادَة مَا أَعْطَاهُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا مِنْ فَضْله لَا يُحَاسِبهُمْ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط : الْحُسْنَى الْبُشْرَى , وَالزِّيَادَة النَّظَر إِلَى وَجْه اللَّه الْكَرِيم ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وُجُوه يَوْمئِذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبّهَا نَاظِرَة " [الْقِيَامَة : 22 - 23] . وَقَالَ يَزِيد بْن شَجَرَة : الزِّيَادَة أَنْ تَمُرّ السَّحَابَة بِأَهْلِ الْجَنَّة فَتُمْطِرهُمْ مِنْ كُلّ النَّوَادِر الَّتِي لَمْ يَرَوْهَا , وَتَقُول : يَا أَهْل الْجَنَّة , مَا تُرِيدُونَ أَنْ أُمْطِركُمْ ؟ فَلَا يُرِيدُونَ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُمْ إِيَّاهُ . وَقِيلَ : الزِّيَادَة أَنَّهُ مَا يَمُرّ عَلَيْهِمْ مِقْدَار يَوْم مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا إِلَّا حَتَّى يُطِيف بِمَنْزِلِ أَحَدهمْ سَبْعُونَ أَلْف مَلَك , مَعَ كُلّ مَلَك هَدَايَا مِنْ عِنْد اللَّه لَيْسَتْ مَعَ صَاحِبه , مَا رَأَوْا مِثْل تِلْكَ الْهَدَايَا قَطُّ ; فَسُبْحَان الْوَاسِع الْعَلِيم الْغَنِيّ الْحَمِيد الْعَلِيّ الْكَبِير الْعَزِيز الْقَدِير الْبَرّ الرَّحِيم الْمُدَبِّر الْحَكِيم اللَّطِيف الْكَرِيم الَّذِي لَا تَتَنَاهَى مَقْدُورَاته . وَقِيلَ : " أَحْسَنُوا " أَيْ مُعَامَلَة النَّاس , " الْحُسْنَى " : شَفَاعَتهمْ , وَالزِّيَادَة : إِذْن اللَّه تَعَالَى فِيهَا وَقَبُوله .
{26} لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
قِيلَ : مَعْنَاهُ يَلْحَق ; وَمِنْهُ قِيلَ : غُلَام مُرَاهِق إِذَا لَحِقَ بِالرِّجَالِ . وَقِيلَ : يَعْلُو . وَقِيلَ : يَغْشَى ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .
{26} لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
" قَتَر " غُبَار . " وَلَا ذِلَّة " أَيْ مَذَلَّة ; كَمَا يَلْحَق أَهْل النَّار ; أَيْ لَا يَلْحَقهُمْ غُبَار فِي مَحْشَرهمْ إِلَى اللَّه وَلَا تَغْشَاهُمْ ذِلَّة . وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة لِلْفَرَزْدَقِ : مُتَوَّج بِرِدَاءِ الْمُلْك يَتْبَعهُ مَوْج تَرَى فَوْقه الرَّايَات وَالْقَتَرَا وَقَرَأَ الْحَسَن " قَتْر " بِإِسْكَانِ التَّاء . وَالْقَتَر وَالْقَتَرَة وَالْقَتْرَة بِمَعْنًى وَاحِد ; قَالَهُ النَّحَّاس . وَوَاحِد الْقَتَر قَتَرَة ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " تَرْهَقُهَا قَتَرَة " [عَبَسَ : 41] أَيْ تَعْلُوهَا غَبَرَة . وَقِيلَ : قَتَر كَآبَة وَكُسُوف . اِبْن عَبَّاس : الْقَتَر سَوَاد الْوُجُوه . اِبْن بَحْر : دُخَان النَّار ; وَمِنْهُ قُتَار الْقِدْر . وَقَالَ اِبْن لَيْلَى : هُوَ بُعْد نَظَرهمْ إِلَى رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ .
قُلْت : هَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " إِلَى قَوْله " لَا يَحْزُنهُمْ الْفَزَع الْأَكْبَر " [الْأَنْبِيَاء : 101 - 103] وَقَالَ فِي غَيْر آيَة : " وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " [الْبَقَرَة : 62] وَقَالَ : " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللَّه ثُمَّ اِسْتَقَامُوا تَتَنَزَّل عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا " [فُصِّلَتْ : 30] الْآيَة . وَهَذَا عَامّ فَلَا يَتَغَيَّر بِفَضْلِ اللَّه فِي مَوْطِن مِنْ الْمَوَاطِن لَا قَبْل النَّظَر وَلَا بَعْده وَجْه الْمُحْسِن بِسَوَادٍ مِنْ كَآبَة وَلَا حُزْن , وَلَا يَعْلُوهُ شَيْء مِنْ دُخَان جَهَنَّم وَلَا غَيْره . " وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوههمْ فَفِي رَحْمَة اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " [آل عِمْرَان : 107] .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أَيْ عَمِلُوا الْمَعَاصِي . وَقِيلَ : الشِّرْك .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
" جَزَاء " مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ , وَخَبَره " بِمِثْلِهَا " . قَالَ اِبْن كَيْسَان : الْبَاء زَائِدَة ; وَالْمَعْنَى جَزَاء سَيِّئَة مِثْلهَا . وَقِيلَ : الْبَاء مَعَ مَا بَعْدهَا الْخَبَر , وَهِيَ مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ قَامَتْ مَقَامه , وَالْمَعْنَى : جَزَاء سَيِّئَة كَائِن بِمِثْلِهَا ; كَقَوْلِك : إِنَّمَا أَنَا بِك ; أَيْ إِنَّمَا أَنَا كَائِن بِك . وَيَجُوز أَنْ تَتَعَلَّق بِجَزَاء , التَّقْدِير : جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا كَائِن ; فَحُذِفَ خَبَر الْمُبْتَدَأ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون " جَزَاء " مَرْفُوعًا عَلَى تَقْدِير فَلَهُمْ جَزَاء سَيِّئَة ; فَيَكُون مِثْل قَوْله : " فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر " [الْبَقَرَة : 184] أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّة , وَشَبَهه ; وَالْبَاء عَلَى هَذَا التَّقْدِير تَتَعَلَّق بِمَحْذُوفٍ , كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ جَزَاء سَيِّئَة ثَابِت بِمِثْلِهَا , أَوْ تَكُون مُؤَكِّدَة أَوْ زَائِدَة . وَمَعْنَى هَذِهِ الْمِثْلِيَّة أَنَّ ذَلِكَ الْجَزَاء مِمَّا يُعَدّ مُمَاثِلًا لِذُنُوبِهِمْ , أَيْ هُمْ غَيْر مَظْلُومِينَ , وَفِعْل الرَّبّ جَلَّتْ قُدْرَته وَتَعَالَى شَأْنه غَيْر مُعَلَّل بِعِلَّةٍ .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أَيْ يَغْشَاهُمْ هَوَان وَخِزْي .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أَيْ مِنْ عَذَاب اللَّه .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أَيْ مَانِع يَمْنَعهُمْ مِنْهُ .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
أَيْ أُلْبِسَتْ .
{27} وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
جَمْع قِطْعَة , وَعَلَى هَذَا يَكُون " مُظْلِمًا " حَال مِنْ " اللَّيْل " أَيْ أُغْشِيَتْ وُجُوههمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْل فِي حَال ظُلْمَته . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَابْن كَثِير " قِطْعًا " بِإِسْكَانِ الطَّاء ; فَ " مُظْلِمًا " عَلَى هَذَا نَعْت , وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ اللَّيْل . وَالْقِطْع اِسْم مَا قُطِعَ فَسَقَطَ . وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : الْقِطْع طَائِفَة مِنْ اللَّيْل ; وَسَيَأْتِي فِي " هُود " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
أَيْ نَجْمَعهُمْ , وَالْحَشْر الْجَمْع . " جَمِيعًا " حَال .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
أَيْ اِتَّخَذُوا مَعَ اللَّه شَرِيكًا .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
أَيْ اِلْزَمُوا وَاثْبُتُوا مَكَانكُمْ , وَقِفُوا مَوَاضِعكُمْ .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
وَهَذَا وَعِيد .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
أَيْ فَرَّقْنَا وَقَطَعْنَا مَا كَانَ بَيْنهمْ مِنْ التَّوَاصُل فِي الدُّنْيَا ; يُقَال : زَيَّلْته فَتَزَيَّلَ , أَيْ فَرَّقْته فَتَفَرَّقَ , وَهُوَ فَعَّلْت ; لِأَنَّك تَقُول فِي مَصْدَره تَزْيِيلًا , وَلَوْ كَانَ فَيْعَلْت لَقُلْت زَيَّلَةً . وَالْمُزَايَلَة الْمُفَارَقَة ; يُقَال : زَايَلَهُ اللَّه مُزَايَلَة وَزِيَالًا إِذَا فَارَقَهُ . وَالتَّزَايُل التَّبَايُن . قَالَ الْفَرَّاء : وَقَرَأَ بَعْضهمْ " فَزَايَلْنَا بَيْنهمْ " ; يُقَال : لَا أُزَايِل فُلَانًا , أَيْ لَا أُفَارِقهُ ; فَإِنْ قُلْت : لَا أُزَاوِلهُ فَهُوَ بِمَعْنًى آخَر , مَعْنَاهُ لَا أُخَاتِلهُ .
{28} وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
عُنِيَ بِالشُّرَكَاءِ الْمَلَائِكَة . وَقِيلَ : الشَّيَاطِين , وَقِيلَ : الْأَصْنَام ; فَيُنْطِقهَا اللَّه تَعَالَى فَتَكُون بَيْنهمْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَة . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِدَّعَوْا عَلَى الشَّيَاطِين الَّذِينَ أَطَاعُوهُمْ وَالْأَصْنَام الَّتِي عَبَدُوهَا أَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَقُولُونَ مَا عَبَدْنَاكُمْ حَتَّى أَمَرْتُمُونَا . قَالَ مُجَاهِد : يُنْطِق اللَّه الْأَوْثَان فَتَقُول مَا كُنَّا نَشْعُر بِأَنَّكُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ , وَمَا أَمَرْنَاكُمْ بِعِبَادَتِنَا . وَإِنْ حُمِلَ الشُّرَكَاء عَلَى الشَّيَاطِين فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ دَهَشًا , أَوْ يَقُولُونَ كَذِبًا وَاحْتِيَالًا لِلْخَلَاصِ , وَقَدْ يَجْرِي مِثْل هَذَا غَدًا ; وَإِنْ صَارَتْ الْمَعَارِف ضَرُورِيَّة .
{29} فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
" شَهِيدًا " مَفْعُول , أَيْ كَفَى اللَّه شَهِيدًا , أَوْ تَمْيِيز , أَيْ اِكْتَفِ بِهِ شَهِيدًا بَيْننَا وَبَيْنكُمْ إِنْ كُنَّا أَمَرْنَاكُمْ بِهَذَا أَوْ رَضِينَاهُ مِنْكُمْ .
{29} فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
أَيْ مَا كُنَّا
{29} فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
إِلَّا غَافِلِينَ لَا نَسْمَع وَلَا نُبْصِر وَلَا نَعْقِل ; لِأَنَّا كُنَّا جَمَادًا لَا رُوح فِينَا .
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف .
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . " تَبْلُو " أَيْ تَذُوق . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : تَعْلَم . مُجَاهِد : تُخْتَبَر .
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
أَيْ جَزَاء مَا عَمِلَتْ وَقَدَّمَتْ . وَقِيلَ : تُسَلِّم , أَيْ تُسَلِّم مَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُقُوق إِلَى أَرْبَابهَا بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " تَتْلُو " أَيْ تَقْرَأ كُلّ نَفْس كِتَابهَا الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : " تَتْلُو " تَتَّبِع ; أَيْ تَتَّبِع كُلّ نَفْس مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا ; قَالَهُ السُّدِّيّ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : إِنَّ الْمُرِيب يَتْبَع الْمُرِيبَا كَمَا رَأَيْت الذِّيب يَتْلُو الذِّيبَا
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَل أَوْ الصِّفَة . وَيَجُوز نَصْب الْحَقّ مِنْ ثَلَاث جِهَات ; يَكُون التَّقْدِير : وَرُدُّوا حَقًّا , ثُمَّ جِيءَ بِالْأَلِفِ وَاللَّام . وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : مَوْلَاهُمْ حَقًّا لَا مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه . وَالْوَجْه الثَّالِث أَنْ يَكُون مَدْحًا ; أَيْ أَعْنِي الْحَقّ . وَيَجُوز أَنْ يُرْفَع " الْحَقّ " , وَيَكُون الْمَعْنَى مَوْلَاهُمْ الْحَقّ - عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْقَطْع مِمَّا قَبْل - لَا مَا يُشْرِكُونَ مِنْ دُونه . وَوَصَفَ نَفْسه سُبْحَانه بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقّ مِنْهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسه بِالْعَدْلِ لِأَنَّ الْعَدْل مِنْهُ ; أَيْ كُلّ عَدْل وَحَقّ فَمِنْ قِبَله , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " مَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ " أَيْ الَّذِي يُجَازِيهِمْ بِالْحَقِّ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : " وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ " وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ . قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلَاهُمْ فِي النُّصْرَة وَالْمَعُونَة , وَهُوَ مَوْلًى لَهُمْ فِي الرِّزْق وَإِدْرَار النِّعَم .
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
أَيْ بَطَلَ .
{30} هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
" يَفْتَرُونَ " فِي مَوْضِع رَفْع وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَصْدَر , أَيْ اِفْتِرَاؤُهُمْ .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
الْمُرَاد بِمَسَاقِ هَذَا الْكَلَام الرَّدّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَقْرِير الْحُجَّة عَلَيْهِمْ ; فَمَنْ اِعْتَرَفَ مِنْهُمْ فَالْحُجَّة ظَاهِرَة عَلَيْهِمْ , وَمَنْ لَمْ يَعْتَرِف فَيُقَرَّر عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا بُدّ لَهُمَا مِنْ خَالِق ; وَلَا يَتَمَارَى فِي هَذَا عَاقِل . وَهَذَا قَرِيب مِنْ مَرْتَبَة الضَّرُورَة . " مِنْ السَّمَاء " أَيْ بِالْمَطَرِ . " وَالْأَرْض " بِالنَّبَاتِ .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
أَيْ مَنْ جَعَلَهُمَا وَخَلَقَهُمَا لَكُمْ .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
أَيْ النَّبَات مِنْ الْأَرْض , وَالْإِنْسَان مِنْ النُّطْفَة , وَالسُّنْبُلَة مِنْ الْحَبَّة , وَالطَّيْر مِنْ الْبَيْضَة , وَالْمُؤْمِن مِنْ الْكَافِر .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
أَيْ يُقَدِّرهُ وَيَقْضِيه .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْخَالِق هُوَ اللَّه ; أَوْ فَسَيَقُولُونَ هُوَ اللَّه إِنْ فَكَّرُوا وَأَنْصَفُوا
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
لَهُمْ يَا مُحَمَّد .
{31} قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
أَيْ أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَابه وَنِقْمَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
{32} فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
فِيهِ ثَمَانِي مَسَائِل : الْأُولَى : " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ هَذَا الَّذِي يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء هُوَ رَبّكُمْ الْحَقّ , لَا مَا أَشْرَكْتُمْ مَعَهُ . " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ " " ذَا " صِلَة أَيْ مَا بَعْد عِبَادَة الْإِلَه الْحَقّ إِذَا تَرَكْت عِبَادَته إِلَّا الضَّلَال . وَقَالَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ : ظَاهِر هَذِهِ الْآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْد اللَّه هُوَ الضَّلَال ; لِأَنَّ أَوَّلهَا " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " وَآخِرهَا " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " فَهَذَا فِي الْإِيمَان وَالْكُفْر , لَيْسَ فِي الْأَعْمَال . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْكُفْر تَغْطِيَة الْحَقّ , وَكُلّ مَا كَانَ غَيْر الْحَقّ جَرَى هَذَا الْمَجْرَى ; فَالْحَرَام ضَلَال وَالْمُبَاح هُدًى ; فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْمُبِيح وَالْمُحَرِّم . وَالصَّحِيح الْأَوَّل ; لِأَنَّ قَبْل " قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض " ثُمَّ قَالَ " فَذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ هَذَا الَّذِي رَزَقَكُمْ , وَهَذَا كُلّه فِعْله هُوَ . " رَبّكُمْ الْحَقّ " أَيْ الَّذِي تَحِقّ لَهُ الْأُلُوهِيَّة وَيَسْتَوْجِب الْعِبَادَة , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيك غَيْره ضَلَال وَغَيْر حَقّ .
الثَّانِيَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : حَكَمَتْ هَذِهِ الْآيَة بِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل مَنْزِلَة ثَالِثَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة الَّتِي هِيَ تَوْحِيد اللَّه تَعَالَى , وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَمْر فِي نَظَائِرهَا , وَهِيَ مَسَائِل الْأُصُول الَّتِي الْحَقّ فِيهَا فِي طَرَف وَاحِد ; لِأَنَّ الْكَلَام فِيهَا إِنَّمَا هُوَ فِي تَعْدِيد وُجُود ذَات كَيْفَ هِيَ , وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَسَائِل الْفُرُوع الَّتِي قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا : " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَة وَمِنْهَاجًا " [الْمَائِدَة : 48] , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن وَبَيْنهمَا أُمُور مُتَشَابِهَات ) . وَالْكَلَام فِي الْفُرُوع إِنَّمَا هُوَ فِي أَحْكَام طَارِئَة عَلَى وُجُود ذَات مُتَقَرِّرَة لَا يُخْتَلَف فِيهَا وَإِنَّمَا يُخْتَلَف فِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلِّقَة بِهَا .
الثَّالِثَة : ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فِي جَوْف اللَّيْل قَالَ : ( اللَّهُمَّ لَك الْحَمْد ) الْحَدِيث . وَفِيهِ ( أَنْتَ الْحَقّ وَوَعْدك الْحَقّ وَقَوْلك الْحَقّ وَلِقَاؤُك الْحَقّ وَالْجَنَّة حَقّ وَالنَّار حَقّ وَالسَّاعَة حَقّ وَالنَّبِيُّونَ حَقّ وَمُحَمَّد حَقّ ) الْحَدِيث . فَقَوْله : ( أَنْتَ الْحَقّ ) أَيْ الْوَاجِب الْوُجُود ; وَأَصْله مِنْ حَقَّ الشَّيْء أَيْ ثَبَتَ وَوَجَبَ . وَهَذَا الْوَصْف لِلَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ إِذْ وُجُوده لِنَفْسِهِ لَمْ يَسْبِقهُ عَدَم وَلَا يَلْحَقهُ عَدَم ; وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يُقَال عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم مَسْبُوق بِعَدَمٍ , وَيَجُوز عَلَيْهِ لِحَاق الْعَدَم , وَوُجُوده مِنْ مُوجِده لَا مِنْ نَفْسه . وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَصْدَق كَلِمَة قَالَهَا الشَّاعِر , كَلِمَة لَبِيد : أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " كُلّ شَيْء هَالِك إِلَّا وَجْهه لَهُ الْحُكْم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [الْقَصَص : 88] .
الرَّابِعَة : مُقَابَلَة الْحَقّ بِالضَّلَالِ عُرِفَ لُغَة وَشَرْعًا , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَكَذَلِكَ أَيْضًا مُقَابَلَة الْحَقّ بِالْبَاطِلِ عُرِفَ لُغَة وَشَرْعًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونه هُوَ الْبَاطِل " [لُقْمَان : 30] . وَالضَّلَال حَقِيقَته الذَّهَاب عَنْ الْحَقّ ; أُخِذَ مِنْ ضَلَال الطَّرِيق , وَهُوَ الْعُدُول عَنْ سَمْته . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الضَّلَالَة عِنْد الْعَرَب سُلُوك غَيْر سَبِيل الْقَصْد ; يُقَال : ضَلَّ عَنْ الطَّرِيق وَأَضَلَّ الشَّيْء إِذَا أَضَاعَهُ . وَخُصَّ فِي الشَّرْع بِالْعِبَارَةِ فِي الْعُدُول عَنْ السَّدَاد فِي الِاعْتِقَاد دُون الْأَعْمَال ; وَمِنْ غَرِيب أَمْره أَنَّهُ يُعَبَّر بِهِ عَنْ عَدَم الْمَعْرِفَة بِالْحَقِّ سُبْحَانه إِذَا قَابَلَهُ غَفْلَة وَلَمْ يَقْتَرِن بِعَدَمِهِ جَهْل أَوْ شَكّ , وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْعُلَمَاء قَوْله تَعَالَى : " وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى " [الضُّحَى : 7] أَيْ غَافِلًا , فِي أَحَد التَّأْوِيلَات , يُحَقِّقهُ قَوْله تَعَالَى : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " [الشُّورَى : 52] .
الْخَامِسَة : رَوَى عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم وَأَشْهَب عَنْ مَالِك فِي قَوْله تَعَالَى : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " قَالَ : اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْد مِنْ الضَّلَال . وَرَوَى يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُل يَلْعَب فِي بَيْته مَعَ اِمْرَأَته بِأَرْبَع عَشْرَة ; فَقَالَ مَالِك : مَا يُعْجِبنِي ! وَلَيْسَ مِنْ شَأْن الْمُؤْمِنِينَ , يَقُول اللَّه تَعَالَى : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " . وَرَوَى يُونُس عَنْ أَشْهَب قَالَ : سُئِلَ - يَعْنِي مَالِكًا - عَنْ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ : لَا خَيْر فِيهِ , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ مِنْ الْبَاطِل , وَاللَّعِب كُلّه مِنْ الْبَاطِل , وَإِنَّهُ لَيَنْبَغِي لِذِي الْعَقْل أَنْ تَنْهَاهُ اللِّحْيَة وَالشَّيْب عَنْ الْبَاطِل . وَقَالَ الزُّهْرِيّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الشِّطْرَنْج : هِيَ مِنْ الْبَاطِل وَلَا أُحِبّهَا .
السَّادِسَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَغَيْره إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الْقِمَار ; فَتَحْصِيل مَذْهَب مَالِك وَجُمْهُور الْفُقَهَاء فِي الشِّطْرَنْج أَنَّ مَنْ لَمْ يُقَامِر بِهَا وَلَعِبَ مَعَ أَهْله فِي بَيْته مُسْتَتِرًا بِهِ مَرَّة فِي الشَّهْر أَوْ الْعَام , لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَم بِهِ أَنَّهُ مَعْفُوّ عَنْهُ غَيْر مُحَرَّم عَلَيْهِ وَلَا مَكْرُوه لَهُ , وَأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّعَ بِهِ وَاشْتَهَرَ فِيهِ سَقَطَتْ مُرُوءَته وَعَدَالَته وَرُدَّتْ شَهَادَته . وَأَمَّا الشَّافِعِيّ فَلَا تَسْقُط فِي مَذْهَب أَصْحَابه شَهَادَة اللَّاعِب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج , إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي جَمِيع أَصْحَابه , وَلَمْ يَظْهَر مِنْهُ سَفَه وَلَا رِيبَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أَنْ يَلْعَب بِهِ قِمَارًا , فَإِنْ لَعِبَ بِهَا قِمَارًا وَكَانَ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا سَقَطَتْ عَدَالَته وَسَفِهَ نَفْسه لِأَكْلِهِ الْمَال بِالْبَاطِلِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُكْرَه اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْد وَالْأَرْبَعَة عَشَر وَكُلّ اللَّهْو ; فَإِنْ لَمْ تَظْهَر مِنْ اللَّاعِب بِهَا كَبِيرَة وَكَانَتْ مَحَاسِنه أَكْثَر مِنْ مَسَاوِيهِ قُبِلَتْ شَهَادَته عِنْدهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَتْ الشَّافِعِيَّة إِنَّ الشِّطْرَنْج يُخَالِف النَّرْد لِأَنَّ فِيهِ إِكْدَاد الْفَهْم وَاسْتِعْمَال الْقَرِيحَة . وَالنَّرْد قِمَار غَرَر لَا يُعْلَم مَا يَخْرُج لَهُ فِيهِ كَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ .
السَّابِعَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : النَّرْد قِطَع مَمْلُوءَة مِنْ خَشَب الْبَقْس وَمِنْ عَظْم الْفِيل , وَكَذَا هُوَ الشِّطْرَنْج إِذْ هُوَ أَخُوهُ غُذِّيَ بِلِبَانِهِ . وَالنَّرْد هُوَ الَّذِي يُعْرَف بِالْبَاطِلِ , وَيُعْرَف بِالْكِعَابِ وَيُعْرَف فِي الْجَاهِلِيَّة أَيْضًا بِالْأَرُنْ وَيُعْرَف أَيْضًا بِالنَّرْدَشِير . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِير فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَده فِي لَحْم خِنْزِير وَدَمه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَمَعْنَى هَذَا أَيْ هُوَ كَمَنْ غَمَسَ يَده فِي لَحْم الْخِنْزِير يُهَيِّئهُ لِأَنْ يَأْكُلهُ , وَهَذَا الْفِعْل فِي الْخِنْزِير حَرَام لَا يَجُوز ; يُبَيِّنهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ . عَصَى اللَّه وَرَسُوله ) رَوَاهُ مَالِك وَغَيْره مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ حَدِيث صَحِيح , وَهُوَ يُحَرِّم اللَّعِب بِالنَّرْدِ جُمْلَة وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ الشِّطْرَنْج , لَمْ يَسْتَثْنِ وَقْتًا مِنْ وَقْت وَلَا حَالًا مِنْ حَال , وَأَخْبَرَ أَنَّ فَاعِل ذَلِكَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُوله ; إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ أَنْ يَكُون عَلَى وَجْه الْقِمَار ; لِمَا رُوِيَ مِنْ إِجَازَة اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ عَنْ التَّابِعِينَ عَلَى غَيْر قِمَار . وَحَمْل ذَلِكَ عَلَى الْعُمُوم قِمَارًا وَغَيْر قِمَار أَوْلَى وَأَحْوَط إِنْ شَاءَ اللَّه . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الْحَلِيمِيّ فِي كِتَاب مِنْهَاج الدِّين : وَمِمَّا جَاءَ فِي الشِّطْرَنْج حَدِيث يُرْوَى فِيهِ كَمَا يُرْوَى فِي النَّرْد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله ) . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِس مِنْ مَجَالِس بَنِي تَمِيم وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَمَا وَاَللَّه لِغَيْرِ هَذَا خُلِقْتُمْ ! أَمَا وَاَللَّه لَوْلَا أَنْ تَكُون سُنَّة لَضَرَبْت بِهِ وُجُوهكُمْ ) . وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ : مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ; لَأَنْ يَمَسّ أَحَدكُمْ جَمْرًا حَتَّى يُطْفَأ خَيْر مِنْ أَنْ يَمَسّهَا . وَسُئِلَ اِبْن عُمَر عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ هِيَ شَرّ مِنْ النَّرْد . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : لَا يَلْعَب بِالشِّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئ . وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ : دَعُونَا مِنْ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّة . وَفِي حَدِيث طَوِيل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنَّ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج وَالْجَوْز وَالْكِعَاب مَقَتَهُ اللَّه وَمَنْ جَلَسَ إِلَى مَنْ يَلْعَب بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْج لِيَنْظُر إِلَيْهِمْ مُحِيَتْ عَنْهُ حَسَنَاته كُلّهَا وَصَارَ مِمَّنْ مَقَتَهُ اللَّه ) . وَهَذِهِ الْآثَار كُلّهَا تَدُلّ عَلَى تَحْرِيم اللَّعِب بِهَا بِلَا قِمَار , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " الْمَائِدَة " بَيَان تَحْرِيمهَا وَأَنَّهَا كَالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيم لِاقْتِرَانِهَا بِهِ , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي قَبَسه : وَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّافِعِيّ , وَانْتَهَى حَال بَعْضهمْ إِلَى أَنْ يَقُول : هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ , حَتَّى اِتَّخَذُوهُ فِي الْمَدْرَسَة ; فَإِذَا أَعْيَا الطَّالِب مِنْ الْقِرَاءَة لَعِبَ بِهِ فِي الْمَسْجِد . وَأَسْنَدُوا إِلَى قَوْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَعِبُوا بِهَا ; وَمَا كَانَ ذَلِكَ قَطُّ ! وَتَاللَّهِ مَا مَسَّتْهَا يَد تَقِيّ . وَيَقُولُونَ : إِنَّهَا تَشْحَذ الذِّهْن , وَالْعِيَان يُكَذِّبهُمْ , مَا تَبَحَّرَ فِيهَا قَطُّ رَجُل لَهُ ذِهْن . سَمِعْت الْإِمَام أَبَا الْفَضْل عَطَاء الْمَقْدِسِيّ يَقُول بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْمُنَاظَرَة : إِنَّهَا تُعَلِّم الْحَرْب . فَقَالَ لَهُ الطُّرْطُوشِيّ : بَلْ تُفْسِد تَدْبِير الْحَرْب ; لِأَنَّ الْحَرْب الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَلِك وَاغْتِيَاله , وَفِي الشِّطْرَنْج تَقُول : شَاه إِيَّاكَ : الْمَلِك نَحِّهِ عَنْ طَرِيقِي ; فَاسْتَضْحَكَ الْحَاضِرِينَ . وَتَارَة شَدَّدَ فِيهَا مَالِك وَحَرَّمَهَا وَقَالَ فِيهَا : " فَمَاذَا بَعْد الْحَقّ إِلَّا الضَّلَال " وَتَارَة اِسْتَهَانَ بِالْقَلِيلِ مِنْهَا وَالْأَهْوَن , وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشِّطْرَنْج فَقَالَ : وَمَا الشِّطْرَنْج ؟ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ اِمْرَأَة كَانَ لَهَا اِبْن وَكَانَ مَلِكًا فَأُصِيبَ فِي حَرْب دُون أَصْحَابه ; فَقَالَتْ : كَيْفَ يَكُون هَذَا أَرُونِيهِ عِيَانًا ; فَعُمِلَ لَهَا الشِّطْرَنْج , فَلَمَّا رَأَتْهُ تَسَلَّتْ بِذَلِكَ . وَوَصَفُوا الشِّطْرَنْج لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب ; قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَا بَأْس بِالشِّطْرَنْجِ وَإِنَّمَا قَالَ لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب . وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ شُبِّهَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّعِب بِالشِّطْرَنْجِ مِمَّا يُسْتَعَان بِهِ عَلَى مَعْرِفَة أَسْبَاب الْحَرْب , فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمه قَالَ : لَا بَأْس بِمَا كَانَ مِنْ آلَة الْحَرْب , إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ فَلَا بَأْس بِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ , فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُول مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يُتَلَهَّى بِهِ , وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ التَّسَبُّب إِلَى عِلْم الْقِتَال وَالْمُضَارَبَة فِيهِ , أَوْ عَلَى أَنَّ الْخَبَر الْمُسْنَد لَمْ يَبْلُغهُمْ . قَالَ الْحَلِيمِيّ : وَإِذَا صَحَّ الْخَبَر فَلَا حُجَّة لِأَحَدٍ مَعَهُ , وَإِنَّمَا الْحُجَّة فِيهِ عَلَى الْكَافَّة .
الثَّامِنَة : ذَكَرَ اِبْن وَهْب بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ بِالْكُجَّةِ , وَهِيَ حُفَر فِيهَا حَصًى يَلْعَبُونَ بِهَا , قَالَ : فَسَدَّهَا اِبْن عُمَر وَنَهَاهُمْ عَنْهَا . وَذَكَرَ الْهَرَوِيّ فِي بَاب ( الْكَاف مَعَ الْجِيم ) فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس : فِي كُلّ شَيْء قِمَار حَتَّى فِي لَعِب الصِّبْيَان بِالْكُجَّةِ ; قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : هُوَ أَنْ يَأْخُذ الصَّبِيّ خِرْقَة فَيُدَوِّرهَا كَأَنَّهَا كُرَة , ثُمَّ يَتَقَامَرُونَ بِهَا . وَكَجَّ إِذَا لَعِبَ بِالْكُجَّةِ .
{32} فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
أَيْ كَيْفَ تَصْرِفُونَ عُقُولكُمْ إِلَى عِبَادَة مَا لَا يَرْزُق وَلَا يُحْيِي وَلَا يُمِيت .
{33} كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
أَيْ حُكْمه وَقَضَاؤُهُ وَعِلْمه السَّابِق .
{33} كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
أَيْ خَرَجُوا عَنْ الطَّاعَة وَكَفَرُوا وَكَذَّبُوا .
{33} كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ . وَفِي هَذَا أَوْفَى دَلِيل عَلَى الْقَدَرِيَّة . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر هُنَا وَفِي آخِرهَا " كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَات رَبّك " وَفِي سُورَة غَافِر بِالْجَمْعِ فِي الثَّلَاثَة . الْبَاقُونَ بِالْإِفْرَادِ وَ " أَنَّ " فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ بِأَنَّهُمْ أَوْ لِأَنَّهُمْ . قَالَ الزَّجَّاج : وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الْبَدَل مِنْ كَلِمَات . قَالَ الْفَرَّاء : يَجُوز " إِنَّهُمْ " بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم العلوم الاجتماعية