فتح عكا
فتح عكا أوحصار عكا، سقط سنة 1291 وادى عن وقود مدينة عكا الصليبية في أيدي المسلمين. ويعتبر واحداً من أبرز المعارك في تلك الفترة. كان الصليبيون قد إحتلوا عكا في سنة 1191، ولم يتمكن صلاح الدين الأيوبي من تحريرها منهم، فظلت في أيديهم، وتحولت إلى أبرز مراكزهم على ساحل الشام، وصارت تمثل تهديداً كبيراً للمسلمين، حيث إعتبروها نقطة إنطلاق لتحقيق حلمهم بالإستيلاء على بيت المقدس. وظل الوضع على هذا النحوقرابة المئة عام، إلى حتى قرر السلطان المنصور قلاوون تحريرها مع المدن التي يحتلونها على ساحل الشام، إلا أنه توفى قبل حتى يتجه إلى عكا، وهجر المهمه لإبنه وخليفته السلطان الأشرف صلاح الدين خليل الذي أخذ على عاتقه مهمة طرد الصليبيين من الشام.
التجهيز لتحرير عكا
في سنة 1289 قام السلطان قلاوون بالقضاء على كونتية طرابلس الصليبية وحرر طرابلس من قبضة الصليبيين ثم قرر في العام التالي تحرير ثغر عكا الذى كان من بقايا مملكة بيت المقدس الصليبية، إلا أنه ولفرحة سكانها الصليبيين توفي في شهر نوفمبر قبل حتى يبدأ بالمسير. فلما تولى الأشرف خليل السلطنة قرر المسير إلى عكا لفتحها وإنهاء الاحتلال الصليبي لها، فأوفد إلى "وليام اوف بوجيه" . رئيس طائفة فرسان المعبد (الداوية) بعكا يفهمه بأنه قد قرر الهجوم عليها وطلب منه عدم إرسال رسل أوهدايا إليه لأن ذلك لن يثنيه عن مهاجمة عكا. . إلا حتى عكا أوفدت إلى القاهرة وفداً محملاً بالهدايا يرأسه فيليب ماينبيف لاستراتى الأشرف بالعدول عن خطته وضرورة الحفاظ على المعاهدة فرفض الأشرف خليل لقاءتهم وقام بحبسهم .قام الأشرف بتعبئة جيوشه من مصر والشام والتي كانت تضم أعداداً كبيرة من المتطوعين وآلات الحصار التي كانت تضم اثنين وتسعين منجنيقاً .
كما ان بعض العرارات الضخمة كانت تحمل أسماءً مثل "المنصوري" و"الغاضبة" وكانت هناك مجانيق أصغر حجماً ولكن ذات قوة تدميرية هائلة اسمها "الثيران السوداء" . احتشدت الجيوش عند قلعة الحصن في جبال الساحل السوري ثم انضم إليها جيش مصر الذي خرج به الأشرف خليل من القاهرة. انضمت أربعة جيوش يقودها نواب السلطان , جيش دمشق يقوده حسام الدين لاجين، وجيش من حماة يقوده المظفر تقى الدين، وجيش من طرابلس يقوده سيف الدين بلبان، أما الجيش الرابع فقد كان من الكرك وكان على رأسه الأمير المؤرخ بيبرس الدوادار . وقد كان في جيش حماة أميراً مؤرخاً آخر هوأبوالفداء .كان الصليبيون في عكا يدركون منذ فترة خطورة موقفهم، وكانوا قد أوفدوا إلى ملوك وأمراء أوروبا يطلبون منهم العون والمساعدة إلا أنهم لم يصلهم من أوروبا دعماً يذكر. قام ملك إنجلترا إدوارد الأول (Edward I) بإرسال بعض الفرسان. الدعم الوحيد الذى كان ذا أهمية اتى من هنري الثاني (Henry II) ملك قبرص الذى قام بتحصين أسوار عكا وأوفد قوة عسكرية على رأسها أخوه "أمالريك" (Amalric). كانت عكا محمية براً عن طريق سورين مزدوجين سميكين واثنا عشر برجاً شيدها الملوك الأوروبيون وبعض أثرياء حجاج بيت المقدس . كانت الأسوار مقسمة على الطوائف والفرق الصليبية بحيث تكون جميع طائفة (فرسان المعبد، الاسباتريه، فرسان التيوتون الألمان وغيرهم) مسئولة عن حماية قسمها .
محاصرة الأشرف خليل لعكا
خريطة عكا عام 1291
غادر الأشرف خليل القاهرة في السادس من مارس عام 1291، وبحلول الخامس من إبريل كان جيشه يقف بلقاءة عكا . نصب الأشرف دهليزه الأحمر فوق تلة لقاءة لبرج المندوب البابوي على مسافة غير بعيدة من شاطىء البحر، وانتشر جيش مصر من نهاية سور مونتموسارت حتى خليج عكا، واتخذ جيش حماة مواقعه عند البحر وعلى ساحل عكا . وفي اليوم التالي انطلقت عرارات جيش المسلمين ومناجيقه تلقي بالأحجار الضخمة والنيران على أسوار عكا وراح رماة السهام من المسلمين بإمطار المدافعين من الصليبيين المتمركزين فوق أبهاء الأبراج وأفاريزها بسهامهم . بعد ثمان أيام من الدك والمناوشات والاشتباكات تقدم الفرسان والمهندسون المسلمون وقد تغطوا بالدروع في موجات متلاحقة نحوسور عكا حتى سيطروا على حافته دون حتى يتمكن المدافعون الصليبيون من إيقاف موجات زحفهم لكثرة أعدادهم وتلاحق موجاتهم بامتداد الأسوار . استخدم المسلمون سلاحاً يدوياً صغيراً يطلق نيراناً كثيفة وسريعة أطلق عليه الصليبيون اسم "كارابوها" وقد أحدث هذا السلاح أضراراً بالغة بالمقاتلين الصليبيين وصعب عليهم التقدم نحوالمهاجمين المسلمين ، وتمكن المسلمون من إحداث أضرار وبعض النقوب في الأجزاء الضعيفة من الأسوار، أخذ الأمير سنجر الشجاعي ومقاتلية على عاتقهم نقب سور برج حديث يسمى برج الملك وكان أمام البرج الملعون، فقام الصليبيون بإشعال النار به وهجروه ينهار .على الرغم من استمرار وصول الإمدادت والتعزيزات العسكرية من قبرص إلى عكا عن طريق البحر إلا حتى الصليبيين المحاصرين فيها كانوا يدركون أنهم غير قادرين على التصدي لجيش المسلمين. في الخامس عشر من إبريل، تحت ضوء القمر قامت قوة صليبية من فرسان المعبد بقيادة "جين جريلى" (Jean Grailly ) و"أوتوأوف جراندسون" (Otto of Grandson) بغارة مفاجئة على معسكر جيش حماة بهدف إحراق إحدى عرارات المسلمين إلا أنه، ولسوء حظهم، تعثرت أرجل خيولهم في حبال خيام المقاتلين المسلمين مما أدى إلى انكشاف أمرهم ومقتل وأسر الكثير منهم . وتمكن عدد منهم من الفرار ببعض طبول ودروع المسلمين . وبعد بضعة أيام شن فرسان الاسباتريه غارة أخرى على معسكر للمسلمين، تلك المرة في الظلام الدامس، ولكن غارتهم انتهت هي الأخرى بالفشل بعد حتى انكشف أمرهم وأشعل المسلمون المشاعل وتصدوا لهم فلاذوا بالفرار بجرحاهم .
عكا 1291
في الرابع من شهر مايواسترد الصليبيون المحاصرون بعض الثقة والأمل حين وصل الملك هنري الثاني من قبرص . وفي صحبته أربعون سفينة محملة بالمقاتلين والعتاد . تولى هنري قيادة الدفاع ولكن سرعان ما استوعب هنري قلة حيلته في لقاءة الأشرف خليل، فأوفد إليه فارسين من فرسان المعبد هما "وليم اوف كافران" (William of Caffran) و"وليم اوف فيلييه" (William of Villiers ) لطلب السلام وإعادة الهدنة، وسألهما الأشرف عما إذا كانا قد أحضرا معهما مفاتيح المدينة، فلما أجابا بالنفى نطق لهما حتى جميع ما يهمه هوامتلاك المدينة وأنه لا يهمه مصير سكانها ولكن تقديراً منه لشجاعة الملك هنري ولصغر سنه وقدومه لتقديم المساعدة وهومريض، فإنه على استعداد حتى يبقى على حياة السكان طالما تسليم المدينة له دون قتال، فأجابا بأنهما لم يأتيا إليه للاستسلام ولكن فقط لطلب رحمته على السكان . وبينما الفارسان يستعطفان الأشرف إذ بعرارة صليبية تلقى من داخل عكا بحجر يسقط بالقرب من دهليز الأشرف فظن أنها مؤامرة صليبية لقتله وأراد اغتال الفارسين، إلا حتى الأمير سنجر الشجاعي شفع فيهما فسمح الأشرف لهما بالعودة إلى عكا.
فتح عكا
منذ الثامن من شهر ايار بدأت أبراج عكا تصاب بأضرار بالغة نتيجة لدكها المستمر بالمناجيق وتنقيبها عن طريق المهندسين المسلمين. فانهار برج الملك هيووتبعه البرج الإنجليزي وبرج الكونتيسة دوبلوا، وفي السادس عشر من مايوقام المسلمون بهجوم مركز على باب القديس أنطوان تصدى له فرسان المعبد والاسبتاريه .في فجر يوم الجمعة 18 مايو( 17 جمادى الأولى سنة 690 هـ ) سمع صليبيوعكا دقات طبول المسلمين ، وبدء المسلمين بالزحف الكامل على عكا بامتداد الأسوار، تحت هدير دقات الطبول التي حُملت على ثلاثمائة جمل لإنزال الرعب في صدور الصليبيين داخل عكا .اندفع جنود جيش الأشرف وجيش حماة وهم يكبرون لمهاجمة تحصينات المدينه تحت قيادة الأمراء المماليك الذين ارتدوا عمائم بيضاء. ووصل المقاتلون إلى البرج الملعون وأجبروا حاميته على التراجع إلى جهة باب القديس أنطوان واستمات فرسان المعبد وفرسان الاسبتاريه في الدفاع عن البرج والباب ولكن المقاتلون المسلمون، الذين كانت نار الاغريق من ضمن أسلحتهم ، تمكنوا من الاستيلاء عليهما وراحت قوات جيش المسلمين تتدفق على شوارع المدينة حيث دار قتال عنيف بينهم وبين الصليبيين. وقتل مقدم فرسان المعبد "وليم اوف بوجيه" وتبعه "ماثيواوف كليرمونت" (Matthew of Clermont) وجرح مقدم الاسبتارية " جون فيلييه " جرحاً بالغاً فحمل إلى سفينته وبقى بها.حملت الصناجق الإسلامية على أسوار عكا وأيقن الملك هنري أنه لا طاقة للصليبيين بجيش الأشرف وأن عكا ستسقط في يد الأشرف لا محال فأبحر عائداً إلى قبرص ومعه "جون فيلييه" مقدم الاسبتاريه وقد تعرض الملك هنري فيما بعد للاتهام بالتخاذل والجبن .سادت عكا حالة من الفوضى العارمة والرعب الهائل، واندفع سكانها المذعورن إلى الشواطىء بحثاٌ عن مراكب تنقلهم بعيداً عنها، ولا يدري أحد بالتحديد كم منهم اغتال على الأرض أوكم منهم ابتلعه البحر . وقد تمكن بعض الأثرياء من النبلاء من الفرار من عكا في مراكب الكاتلاني "روجر فلور"، مقدم المرتزقة وفارس المعبد، لقاء أموال دفعوها له وقد تمكن "روجر دوفلور" (Roger de Flor) من استغلال الموقف فابتز الأثرياء والنبيلات وكون ثروة طائلة .قبل حتى يحل الليل كانت مدينة عكا قد صارت في يد المسلمين ، فيما عدا حصن فرسان المعبد الذي كان مشيداً على ساحل البحر في الجهة الشمالية الغربية من المدينة .
رجعت عكا إلى المسلمين بعد حصار دام أربعة وأربعين يوما ، وبعد حتى احتلها الصليبيون مائة عام .بعد أسبوع من فتح عكا تفاوض السلطان خليل مع "بيتر دوسيفري" (Peter de Severy)رئيس حصن فرسان المعبد، وتم الاتفاق على تسليم الحصن لقاء السماح بإبحار جميع من في الحصن إلى قبرص. بعد وصول رجال السلطان إلى الحصن للإشراف على تدابير الإخلاء تعرضوا لبعض النسوة في الحصن أوأرادوا أخذهن مما أدى إلى غضب فرسان المعبد فانقضوا عليهم وقتلوهم وأزالوا صنجق المسلمين الذى كان قد حمل على الحصن من قبل، واستعدوا لمواصلة القتال .في الليل، تحت جنح الظلام، غادر" تيبالد جودين"(Theobald Gaudin) مقدم فرسان المعبد الجديد، الحصن إلى صيدا في صحبة عدد من المقاتلين ومعه أموال الطائفة .
وفي اليوم التالي قضى "بيتر دوسيفري" إلى السلطان خليل ومعه بعض الفرسان للتفاوض من حديث فقبض الأشرف عليهم وأعدمهم انتقاماً لرجاله الذين قتلهم الفرسان في الحصن. فلما رأى بقية الفرسان المحاصرون في الحصن ما وقع لـ"بيتر دوسيفرى" ورفاقة واصلوا القتال. في الثامن والعشرين من مايو، بعد حتى حفر المهندسون نقباً تحت الحصن، دفع الأشرف بألفي مقاتل للاستيلاء عليه، وبينما هم يشقون طريقهم داخله انهار البناء وهلك جميع من كان بداخل الحصن من مدافعين ومهاجمين .وصلت أنباء فوز جيش المسلمون وتحريره عكا إلى دمشق والقاهرة ففرح الناس وزينت المدن. ودخل السلطان خليل دمشق ومعه الأسرى الصليبيين مقيدين بالسلاسل وقوبل جيش المسلمين بالاحتفالات وحمل رايات النصر وزينت دمشق وعمت البهجة بين الناس . وبعد ان ولج القاهرة وتزينت وفرشت فيه الشقق الحرير تحت حافر فرسه. وبعد حتى زار قبر أبيه الملك المنصور، صعد إلى قلعة الجبل وخلع على الأمراء . أمر الأشرف بإطلاق سراح "فيليب ماينبيف" وزملائه الصليبيين الذين كان قد قبض عليهم قبل مسيره إلى عكا . وقام الأشرف بنقل بوابة كنيسة القديس أندرياس من عكا إلى القاهرة لاستخدامها في استكمال مسجده .
المراجع
kachaf.com
التصانيف
معارك الحملات الصليبية عكا العلوم الاجتماعية التاريخ