تعليمُه صلى الله عليه وسلم بالحِوارِ والمُساءَلة

وكان من أبرز أساليبه وطرقه  صلى الله عليه وسلم في التعليم الحِوارُ والمُساءلةُ ، لإثارةِ انتباهِ السّامِعين وتشويقِ ذواتهم إلى الجوابِ ، وحَضِّهم على إعمال الفِكْر للجوابِ ، ليكون جوابُ النبي صلى الله عليه وسلم ـ إذا لم يستطيعوا الإجابة ـ أقربَ إلى الفهمِ وأوقعَ في النَفس. 

 روى البخاري ومسلم8، واللفظ له ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أَرأيتُم لو أنَّ نَهْراً ببابِ أحدِكم ، يَغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مرّات ، هل يَبقى مِن دَرَنِه شيء9؟ قالوا : لايَبقى مِن دَرَنِه شيء ، قال : فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحو اللهُ بهنَّ الخَطايا))10. 

 وروى الإمام أحمد في ((مسنده))1، عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((تَدْرون مَنْ المُسلِم؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم ، قال : المُسلِمُ من سَلِمَ المسلمون من لِسانِهِ ويَدِه2. قال : تَدرون من المُؤْمِن؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلم : قال : من أمِنَه المؤمنون على أنفُسِهم وأموالِهم . والمُهاجِرُ من هَجَرَ السُّءَ فاجْتنبَه)) .

 وروى مسلم3: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أتَدْرون ما المُفلِس4؟ قالوا : المُفْلِس فينا من لا دِرْهَمَ له ولا مَتاع .

قال : إنَّ المُفلِس مِن أُمَّتي مَنْ يَأتي يومَ القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة ، ويأتي وقد شَتَم هذا ، وقَذَفَ هذا ، وأكَلَ مالَ هذا ، وسَفَك دَمَ هذا ، وضَرَب هذا ، فيُعْطى هذا من حَسَناتِه ، وهذا من حسناتِه ، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضى ما عليه ، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ في النار)) .فكان مِن سُؤالِه لهم أوَّلاً ، ثم تَبْيينِه ما هو جوابُ سؤالِه ثانياً : تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم للأذهان ، أنَّ الإفلاسَ الحقيقيَّ هو الإفلاسُ يوم القيامة

ومن أشهَرِ أمثلةِ الحِوار حديثُ جبريل في تعليم أركانِ الإيمان ، الذي رواه عُمَرُ بنُ الخطاب وغيرُه من الصحابة ، فقد عُرِضَتْ أهمُّ أركان الإيمان على الصحابةِ على شكل حِوارٍ بين الرسول وبين جبريل عليهما الصلاة والسلام ، ليُعلِّمَهم مَعالِمَ دينهم .

روى مسلمٌ5وغيرُه من الأئمةِ عن عُمَر بنِ الخطاب  رضي الله تعالى عنه قال : ((بينما نحنُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ ، إذ طَلَع علينا رجلٌ شديدُ بَياضِ الثِّياب ، شديدُ سَوادِ الشَّعرِ ، لا يُرى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ، ولا يَعرِفُه منا أحدٌ ، حتى جَلَسَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسنَد رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ، ووضَع كَفَّيه على فَخِذيه6.

وقال : يا مُحمدُ ، أَخبِرْني عن الإسلام ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : الإسلامُ ان تَشهَدَ أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسولُ الله ، وتُقيمَ الصلاةَ ، وتُؤتي الزكاة ، وتصومَ رمضانَ ، وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً .

قال : صَدَقتَ ، قال ـ عمر : فعَجِبنا له يَسألُه ويُصَدِّقُه7.

قال : فأَخبِرْني عن الإيمان ، قال : أن تؤمِن بالله ، وملائكتِه ، وكُتُبِه ، ورُسِله ، واليومِ الآخِرِ ، وتُؤمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه .

قال : صَدَقتَ .

قال : فأخبِرْني عن الإحسانِ ، قال : أن تَعبُدَ الله كأنك تَراه ، فإن لم تكن تَراهُ فإنه يَراك8. 

قال : فأخبرني عن السّاعةِ ، قال : ما المَسؤولُ عنها بأعلَمَ من السائِل1.

قال : فأخبِرْني عن أمارَتِها، قال : أن تَلِدَ الأمةُ رَبَّتَها2، وأن تَرى الحُفاةَ العُراةَ العَالةَ الشَّاءِ يَتَطاوَلون في البُنيان3.

قال ـ عُمَرُ ـ : ثم انطلَقَ ـ الرجلُ ـ ، فلَبِثْتُ مَلِيّاً4، ثم قال لي ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ : يا عمر أتَدري من السّائلُ؟ قلتُ : اللهُ ورسولُه أعلَمُ ، قال : فإنه جِبريلُ أَتاكُم يُعَلِّمكُم دينَكم))5.

وفي الحديث تصريحٌ بأن مَجِيءَ جِبْريل عليه السلام وحِوارَه مع الرسولِ صلى الله عليه وسلم فيما سَأَلهُ عنه إنما هو لغايةٍ تعليميةٍ كريمةٍ .


المراجع

rasoulallah.net

التصانيف

عقيدة   الدّيانات   العلوم الاجتماعية   سيرة نبوية   من هدي النبي صلى الله عليه وسلم