كريم المضمد

 

علي فاهم

سمرة وجهه أعطت للحيته البيضاء بهاءاً ووقاراً، وهدوئه وسكونه فرض أحترامهُ وتقديرهُ ومحبته عند كل من يعرفه ولكن تردي حالته الصحية مؤخراً جعلت مدير المستشفى

يفرغه لتصليح مبردات المستشفى وأدامتها قبل دخول موسم الصيف الملتهب على مدينة البصرة، رغم أنه كان من أفضل من يجيد زرق الإبر في التنومة كلها، ولهذا كان يلجأ الى بيته كل من يحتاج زرقة إبرة بلا ألم فلا يوجد من يستطيع منافسة (كريم المضمد) مهنته الفريدة، ولكن لم يمر في بال (كريم) أن تجلب هذه المهنة عليه أصعب ما مر به في حياته،

 الحاج (كريم مهدي شويل) المعروف في التنومة بكريم المضمد كان قد دخل عقده الخامس في بداية ثمانينات القرن الماضي، في تلك السنوات النازفة بالضحايا والأجواء فيها مشحونة بالخوف والرعب، وسط رائحة النخيل المحترق وجذوعه التي عرتها شضايا القنابل كانت مدينة التنومة تسهر على خط الحرب المشتعلة على الحدود القريبة منها، تلك الحرب التي كانت تلتهم الرجال وتهجر العوائل من بيوتها أحالة العراق الى معسكر كبير وحولت البصرة الى ثكنة عسكرية وأستبدلت الوان احلامها الى لون الخاكي والزيتوني وباتت ميناء يفرغ به  أجساد الشباب وتشحن منه جثث القتلى من والى الحدود الشرقية، اما في داخل مدنها وقراها فكان الخوف يعشعش في البيوت وينمو كالبردي في اهوارها، كانت مديريات الامن طواحين الموت تلتهم الرجال بسبب وبدونه، ومن أشدها قسوة هي مديرية أمن التنومة، عصابة من الجهلة عرفوا بأخلاقهم المنحطة وقسوتهم المفرطة يأتمرون بأوامر ملازم (محمد) ينفذون له كل ما يطلب وأكثر، فأي أسم يذكره لهم ملازم محمد (جيبولي ...... ) سرعان ما (ينسحل ) ويحضر بين يديه ولكنه يكون قد تعرض لموجة تسونامي من الضرب المبرح وبشكل قد يصل الشخص سيء الحظ الى حافة الموت قبل الدخول الى غرفة مدير الأمن ليكون التحقيق معه أيسر وأسهل وليوقع على أعترافاته دون ان يقرئها ليسير بعدها الى حتفه،

كان كريم المضمد من النوع الذي يتجنب أن يمشي في الشارع الذي تقع فيه دائرة الأمن أو مركز الشرطة أو الفرقة الحزبية، أقنع نفسه بأنه لاعلاقة له بما يحدث فهو في أمان مادام شعاره في الحياة (للحيطان أذان)،  فكان يتجنب أي حديث عن السياسة أو عن أوضاع الناس، يذهب في دربه ويعود في نفس الدرب دون أن يلتفت الى أي حديث أو حادثة وكأنه يعيش وحده فكان يعيش الخوف وترتجف فرائصه كلما سمع أن فلاناُ أخذه الأمن ويستمع كيف أخذوه من بيته وأشبعوه ضرباً بلا رحمة وأنهم بعد أيام جاءوا الى بيت أهله وأخبروهم بأنه تم إعدام ابنهم الخائن ويطالبوهم بثمن الاطلاقات التي استقرت في جسده وأنهم إذا ما سمعوا من بيتهم بُكاء زوجته أو أنين أبنته أو حنين أمه أو أهات أبيه فإنهم سيأخذون العائلة كلها الى مديرية الأمن ....

كان يصفر لونه وهو يسمع هذه القصص المروعة التي تتكرر في كل يوم وكانت المدينة كلها تعيش في رعب حقيقي من أفعال ملازم محمد مدير الأمن وعصابته،

و في أحد الأيام تعرض والد هذا الملازم لوعكة صحية فأخذه الى مستشفى التنومة وسارع الأطباء في الكشف عنه وفحصه والاعتناء به كيف لا وهو والد مدير الامن ملازم محمد، وكانت حالته بسيطة ولكنه يحتاج الى دورة من الإبر والتي تبقيه في المستشفى يومين ولان ملازم محمد كان مشغولاً جداً هذه الايام فلم يستطيع أن يبقي والده في المستشفى وفكر في أن يجلب له من يزرقه الإبرة في البيت، ومن لها غير كريم المضمد، في صباح اليوم التالي دخل ملازم محمد مكتبه وأول شيء فكر فيه هو أن يجلب كريم المضمد ليزرق أباه الإبرة لان موعدها في الصبح فصاح على الحرس الواقف في الباب أن يستدعي له (الاولاد) وهو لقب كان يطلقه على عصابته التي كانت مهمتها جلب الأشخاص المشتبه بهم إليه،

- نعم سيدي .. أتأمر بشيء ..؟

- جيبولي كريم المضمد من المستشفى .. بسرعة .

- حاضر سيدي تأمر ..

... كان كريم كعادته كل يوم تراه بقميصه الأبيض وو بنطلونه الرمادي العريض وتلك الكوفية البيضاء التي اعتاد ان يلف بها رأسه بطريقته المميزة منهمكاً مع أحدى مبردات المستشفى يحاول أعادتها الى الحياة،

لم يكن بينه وبين حلول الصاعقة على رأسه الا عندما قال (نعم) على سؤال أحدهم : هل أنت كريم المضمد ؟

لم يستطع أن يفيق من الصدمة الا وهو مرمي في ممر مديرية أمن التنومة كان يحاول بلا جدوى أن يوقف تدفق الدماء من أنفه بواسطة الكوفية التي تحول لونها الى الأحمر وبدأ لتوه بالشعور بالألم يسري في جسمه وفي فكه الأعلى وعند تفحصه لإسنانه بلسانه الكبير كان هناك فراغاً كبيراً في مقدمة أسنانه لثلاثةٍ أو أربعةِ أسنان تذكر أنه فقدهما عندما لكمه أحد اولئك الرجال جواباً على سؤاله : ماذا تريدون مني ؟

و قد فقد على أثرها الوعي ولم يعلم بالذي جرى بعدها إلا وهو في هذا الممر المظلم الذي تفوح منه رائحة الرطوبة وعندها بصق كريم كتلة من الدم من فمه على الارض فتفجر في رأسه بركان من الألم، كل جسمه يؤلمه لا توجد خلية في جسمه لا تؤلمه، يا الله ماذا فعلوا بي هولاء السفلة ؟

صدره يؤلمه وذراعيه وظهره وقدميه، الدماء تسيل من أنفه وفمه، قميصه الأبيض أصطبغ باللون الأحمر القاني وهو ممزق على جسمه لأكثر من قطعة، حاول تعديل جلسته والاتكاء على الجدار زحف الى الخلف قليلاً على مؤخرته التي كانت تؤلمه بشكل غريب تذكر كيف إن أحد الرجال كان الوحيد الذي يرتدي الزيتوني ويلبس في قدميه بسطال أسود كان ينتهز كل فرصة ليضربه على مؤخرته، وكأنه مختص في هذا النوع من الضرب الذي يجيده بشكل كبير، حاول أن يستعيد شتات تفكيره لماذا جلبوه الى مديرية الامن مالذي فعله ؟ ... أنه لم يفعل شيئاً يستحق كل هذا ... لابد من وجود خطأ في الموضوع .. ولكن هولاء لا يخطئون .. أيكونوا علموا بموضوع أبن عم فوزية ؟

ستقضي هذه المرأة على حياتي بسبب أبن عمها الذي أعدم لأنه منتمي لحزب الدعوة، ستلاحقني هذه اللعنة والى ابنائي أبد الابدين أقسم باني ان خرجت حياً من هنا سأطلق فوزية وعشيرتها، أه، أه بدء يراوح في جلسته على الجانب الأخر، أه، ولكن لا أضن أنهم يعلمون بأمر إبن عمها فهو يعيش في بغداد واعدم قبل عام وأنتهت قصته .

أذن مالذي فعلته ولا ادري  ؟؟

كان يمكن للخطأ الذي حدث أثناء جلب كريم الى مديرية الامن أن يصحح بمجرد دخوله على ملازم محمد وسيرضى باعتذار بسيط منه عما بدر من شرطة الامن وسيقبل بسقوط أربعة من أسنانه، فدوة لأبو محمد، وينتهي كل الالم بمجرد ان يقال له أذهب الى بيتك .. فبقائه على قيد الحياة هي حياة جديدة كتبت له، ولكن شاءت الاقدار أن يستدعى ملازم محمد الى مديرية الامن في المحافظة وبما أنه الوحيد الذي يعلم بسبب أستدعائه فقد عامله الجميع على أنه مذنب، لقد كان السياق المتبع في أمن التنومة أن من يلقى في الممر هو متهم لا يريد ان يعترف، لهذا فأنه يضرب من قبل كل من يمر به فأصبح كريم كانه كيس الملاكمة المرمي على مسطبة الحجر الوحيدة الموجودة في ذلك الممر الطويل الذي تطل عليه ابواب الغرف المغلقة والتي تفتح أبوابها بين الفينة والأخرى وكأنها أبواب جهنم تخرج منها الشياطين لتذيق جسد كريم أشد أنواع العذاب وكل ألوان الركلات واللكمات وتسقط على رأسه سيل العبارات البذيئة والشتائم التي كان يتقزز عند سماعها من بعض الصبية في الشوارع،

بينما هو ملقى ومتكئ على الحائط جاءته لكمة قوية على عينه الصقت وجهه بالأرض مصحوبة بصراخ وزعيق وشتائم وضع كريم يده على عينه فكان الدم يغطيها رفع رأسه ليرى مصدر تلك اللكمة القوية فكان أمامه رجل ضخم الجثة يرتدي البدلة الزيتوني كان كرشه يتدلى أمامه ورأسه الكبير الخالي من الشعر الا قليلات أستقدمها من الجانب الأيسر على الجانب الأيمن وتلك الشوارب الكثيفة تنزل على فمه لتغطيه وعيناه الجاحضتان يتطاير منهما الشرر،

 .. شعندك هنا ولك ..؟ سؤال تمنى كريم أن يعرف أجابته ولكنه لم يحضى بفرصة الحصول على الاجابة فهو لا يعرف سبب أستدعائه الى هذا المكان، فكان جوابه .. ما أدري والله  ..

تقدم عليه ذلك الجسد الكبير ورفعه من قميصه الى أعلى المصطبة وأجلسه : أجلس فوق المصطبة ولا تنزل على الارض .. ماذا سيقول الناس علينا ؟ إن وجدتك على الأرض ستعرف ماذا سيحل بك .. وتركه وأنزوى في أحدى ابواب جهنم المقابلة له، لم تمر دقائق حتى خرج شيطان أخر من باب أخرى رأى كريم جالس على المصطبة الحجرية

- لماذا تجلس على المصطبة شنو عدنة مقهى .. حيوان .. أبن الـ ......، حاول كريم وهو مازال يضع يده على عينه التي لم يعد يرى بها أن يفهمه أن أحدهم طلب منه الجلوس عليها وهو ذلك السمين الذي دخل في تلك الغرفة .. فانهالت عليه الشتائم واللكمات ونالت من ذلك السمين الذي عرف أثناء سبه أنه يدعى (عباس الطرن) وأن هناك مشكلة بينه وبين هذا الشخص الثاني الذي أمر كريم بأن ينزل على الارض وإذا وجده جالس على المصطبة سيشبعه ضرباً حتى يريه نجوم الظهيرة التي يسمع عنها ..

نفذ كريم الأمر بسرعة منسدلاً على الأرض لاعناً اليوم الذي ولدته أمه فيه،،

لم تمر بضعة دقائق حتى عاد (عباس الطرن) ماراً بكريم المضمد فوجده جالساً على الأرض أنتفخت  أوداجه وأحمر وجهه ولم يعطي لكريم فرصة توضيح الامر بل لكمه مرة أخرى على عينه المصابة ليعيد النزيف اليها ويسلبها حق الرؤيا حاول كريم أن يقول له أن الرجل الذي يسكن تلك الغرفة المكتوب عليها (القلم) هو من أمره بالجلوس على الأرض فكان هذا الكلام مدعاة الى أن يتلقى كريم المسكين سيل أخر من اللكمات والكلمات البذيئة عرف منها أن ذلك الشخص الأخر يدعى (جاسم الاكوع) وهناك مشكلة بينهما كان ضحيتها كريم المضمد، الذي سلم أمره الى الله وتمنى أن يموت في تلك اللحظات التي عاد بها عباس الطرن اليه ليذيقه الوان العذاب ويرفعه الى اعلى المصطبة ويتركه جثة هامدة لا يرى الا نجوم الظهيرة التي وعدوه أن يراها، كان يريد أن يتقيء من شدة الالم عندما سمع صوت من داخل الغرفة التي بجانبه يذكر أسمه وهو يقول : هل جلبتم كريم المضمد ؟ ..

- نعم سيدي جلبناه .. ولكنه رغم التعذيب لم يعترف لحد الان .. ولكنه سيعترف أكيد عندما تستلمه انت سيدي ...

- ولكم يا أعتراف حيوانات ولد الكلب شسويتوا بالرجال ؟

- سيدي أنت كلت جيبوه ... يعني حاله حال البقية ...

- يا أغبياء .. يا قنادر .. يا ...  دخلوه..

رفعه بضعة رجال من على الارض وأدخلوه الغرفة حاولوا أن يجعلوه واقفاً على قدميه بلا جدوى فسقط على الارض، أرتسمت على وجه ملازم محمد أبتسامة باهتة حاول فيها مجاملة كريم والتقليل من وقع الكارثة، نظر كريم بعينه الواحدة الى هذا الشخص ذو الجسم الضئيل والوجه الأصفر منتظر منه أن يبدء بالكلام ليفهم الموضوع نظر الملازم الى رجاله وصرخ فيهم : ماذا فعلتم ..؟

حيوانات ... من قال لكم أن تضربوه هكذا .. بهت الرجال وأرتسمت علامات الاستفهام والاستغراب على وجوههم .. ما الخطأ ؟ لم يعترض يوماً على ضربهم لاحد بل كان يوبخهم إن أخذتهم رحمة أو تهاونوا في ضرب أي شخص يجلبوه له ...

و لكنك أنت يا سيدي من طلب منا أن نجلبه لك .. ونحن جلبناه كالعادة ...

ما المشكلة ... ؟ حاول ملازم محمد وضع اللوم على رجاله والتخفيف من ثقل المشكلة فصرف رجاله وقال لكريم أنه سيجلب له طبيباً وعليه غسل الدم الذي يغطيه من أعلى رأسه الى أخمص قدميه وسيجلب له قميصاً أخر من مخلفات بعض السجناء الذين أعدموا ..

عرف كريم أن هناك خطأ في الموضوع وأنه لم يفعل ما يستوجب كل هذا الذي جرى عليه كما كان يضن . فسأل الملازم :

- مالذي فعلته لك ... لماذا فعلت بي كل هذا ؟

- صار غلط بالموضع أني ردت منك تضرب ابوي أبرة وذولة الاغبياء ما افتهموا القصة وصار ما صار .

- يعني كل هذا الي صار علمود أبرة ؟

- اي والله بس شسوي حظك هيج .

- طاح حظي .

- راح اخابر مدير المستشفى حتى ينطيك اجازة .

- لا .. لا تتعب نفسك أني اكلمه . . هسة وديني لأبوك حتى أضربه .. أبرة .

- خاف ما تكدر ؟

- لا أكدر .. عندي بقت عين أشوف بيهة .

و أخذه الملازم بسيارته الى بيته وهناك ضرب أبوه الابرة وقبل أن يخرج من بيته طلب منه ألا يخبر أحد بما جرى له وهدده أنه اذا سمع من أحد سبب ضربه وماجرى عليه فسيجلبه الى مديرية الامن ويفعل به أكثر مما حصل له فقال كريم أنه سيقول لمن يسأله أنه تعرض الى التسليب من قبل عصابة من ابناء الشوارع .

وعندما رجع الى بيته لم يستطع الخروج الى الناس لأكثر من شهر، والتزم برواية عصابة التسليب ولكنها لم تنطلي على أحد ولم يصدقها كل من سمعها لانهم عرفوا أنه كان في مديرية الامن ولكنهم لم يعرفوا لماذا  كان هناك إلا بعد عدة سنوات .


المراجع

almothaqaf.com

التصانيف

أدب  مجتمع   قصة