شاهدت صورة طفل رسم صورة أمه على التراب، ووضع رأسه ما بين ما حَلُمَ أنه زَند أمه وحضنها، فكانت هذه الأبيات:
أمـــي رسـمـتُـكِ كــي أنــامَ قـريـرا ... والـبـيتُ بـعـدَكِ قــد غـدا مـهجورا
وحلمتُ أن الرَّسمَ يُؤنسُ وحشتي ... فــرأيــتُ ذراتِ الــتـرابِ صــخـورا
غـادرْتِـني مــن بـعـدِ أن أودى أبـي ... وأخــي الـمـعيلُ، ومـا أزالُ صـغيرا
وأمام عيني أمسِ أختي قد قضتْ ... لــمَّـا جــرى دمُـهـا الـطـهورُ غـزيـرا
لــم ألــقَ بـيـنَ ركــامِ بـيـتي مـأمناً ... آوي إلـيـه، ومــا وجــدتُ حـصـيرا
وأكـادُ من جوعي أموتُ وليسَ لي ... يــــا أمُّ بــعـدكِ مـــن أراه مـجـيـرا
والأهـــلُ!! لا أهـــلٌ هـنـاكَ تـعـينني ... فـالـكـلُّ يــا أمــي قـضـى مـغـدورا
جثثُ الضحايا في الرُّكامِ تكدَّستْ ... لـم تـلقَ مـن هـولِ الـمصيرِ نـصيرا
قـتلاً وذبـحاً مَـن مـضى منَّا قضى ... ويـمـوتُ مـنَّـا مــن بـقـوْا تـحـسيرا
وإلــــى تــــرابٍ طــالـمـا أحـبـبـتِـهِ ... ووهــبــتِ مــنـه لـلـجـمالِ زهـــورا
أسـرعـتِ يــا أمَّــاهُ أرســمُ صــورةً ... فـيـهـا أرى عــمـا افـتـقدتُ سـريـرا
لـكـنَّ رسـمَكِ لـم يُـعوِّضْ مـهجتي ... عن دفءِ حضنِكِ فانكفأتِ حسيرا
ورفــعـتُ طــرفـي لــلإلـه تـضـرعاً ... فــازددتُ بـالـفرجِ الـقـريبِ شـعورا
لا تـسـألـيني بـعـدهـا مـــاذا جــرى ... أدنــى الــذي عـانـيتُ كـان خـطيرا
لا شـــيءَ عــمـا أرتـضـيه يـصـدُّني ... فــإبـاءُ روحـــي لا يــرى مـحـظورا
فــإذا وهــى يــا أمُّ بـأسـي لـحـظةً ... ورأيــتُ رسـمَك عـدتُ عـنه مُـغيرا
فـــي كــل آن كــان يـلـهِبُ هـمـتي ... وبـهـا غــدوتُ عـلى الـجهادِ قـديرا
أمَّـــاهُ عــهـدُكِ لـــم أزلْ أحــيـا لــه ... نــصـراً لـــه قـــد شـئـتِني مـنـذورا
أمَّــاهُ صـورتُكِ الـتي سـكنتْ دمـي ... ظـلَّـتْ تـصبُّ عـلى حـياتي الـنُّورا
مـــا كـــانَ مــنّـي كـلَّـمـا أبـصـرتُـها ... إلا وعــــدْتُ بــمــا تــــوَدُّ جــديــرا
والآن أحــسـبُـهـا تـــبــارِكُ عــهـدَنـا ... والـرَّسـمُ خِـلْـتُ يـضـمُّني مـسرورا
وأحـــسِّــه مــثــلـي يــكـبِّـرُ ربَّــــه ... والأهـــلُ حـولـي أعـلـنوا الـتـكبيرا
وهُـرِعـت أرويــه بـدمـعةِ فـرحتي ... لــمــا رجــعــتُ بـوحـيـه مـنـصـورا
فــجـثـوتُ ألــثــمُ تــربـةً أحـبـبـتِها ... فـلـقـد غـــدتْ لــي جـنـةً وحـريـرا
حـسـبي بـها الـرَّسمُ الـذي أودعـتُه ... فـلـثـمـتُهُ وغــفــوتُ فــيـه قــريـرا
أمي رسمتُكِ كي أنامَ قريرا=والبيتُ بعدَكِ قد غدا مهجورا
وحلمتُ أن الرَّسمَ يُؤنسُ وحشتي =فرأيتُ ذراتِ الترابِ صخورا
غادرْتِني من بعدِ أن أودى أبي=وأخي المعيلُ، وما أزالُ صغيرا
وأمام عيني أمسِ أختي قد قضتْ=لمَّا جرى دمُها الطهورُ غزيرا
لم ألقَ بينَ ركامِ بيتي مأمناً=آوي إليه، وما وجدتُ حصيرا
وأكادُ من جوعي أموتُ وليسَ لي=يا أمُّ بعدكِ من أراه مجيرا
والأهلُ!! لا أهلٌ هناكَ تعينني=فالكلُّ يا أمي قضى مغدورا
جثثُ الضحايا في الرُّكامِ تكدَّستْ=لم تلقَ من هولِ المصيرِ نصيرا
قتلاً وذبحاً مَن مضى منَّا قضى=ويموتُ منَّا من بقوْا تحسيرا
وإلى ترابٍ طالما أحببتِهِ=ووهبتِ منه للجمالِ زهورا
أسرعتِ يا أمَّاهُ أرسمُ صورةً =فيها أرى عما افتقدتُ سريرا
لكنَّ رسمَكِ لم يُعوِّضْ مهجتي =عن دفءِ حضنِكِ فانكفأتِ حسيرا
ورفعتُ طرفـي للإله تضرعاً=فازددتُ بالفرجِ القريبِ شعورا
لا تسأليني بعدها ماذا جرى =أدنى الذي عانيتُ كان خطيرا
لا شيءَ عما أرتضيه يصدُّني =فإباءُ روحي لا يرى محظورا
فإذا وهى يا أمُّ بأسي لحظةً=ورأيتُ رسمَك عدتُ عنه مُغيرا
في كل آن كان يلهِبُ همتي =وبها غدوتُ على الجهادِ قديرا
أمَّاهُ عهدُكِ لم أزلْ أحيا له =نصراً له قد شئتِني منذورا
أمَّاهُ صورتُكِ التي سكنتْ دمي =ظلَّتْ تصبُّ على حياتي النُّورا
ما كانَ منّي كلَّما أبصرتُها =إلا وعدْتُ بما توَدُّ جديرا
والآن أحسبُها تبارِكُ عهدَنا =والرَّسمُ خِلْتُ يضمُّني مسرورا
وأحسِّه مثلي يكبِّرُ ربَّه =والأهلُ حولي أعلنوا التكبيرا
وهُرِعت أرويه بدمعةِ فرحتي=لما رجعتُ بوحيه منصورا
فجثوتُ ألثمُ تربةً أحببتِها=فلقد غدتْ لي جنةً وحريرا
حسبي بها الرَّسمُ الذي أودعتُه=فلثمتُهُ وغفوتُ فيه قريرا