د. هشام الشامي

alshamy9513@maktoob.com

 

هذه القصة كتبتها قبل حوالي ست سنوات، و أعيد نشرها الآن كما هي، بعد أن استيقظ شعبنا السوري وانتفض على جلاديه ونقلنا من عالم الحلم إلى عالم العلم

أيقظتني زوجتي باكراً هذا الصباح بصوت هامس هادئ لا يوحي بأن لديها طلبات وأوامر كثيرة ومستعجلة تحتاج لتنفيذ فوري لا يحتمل التأخير، وعندما رأيت ابتسامتها الفاترة وفنجان القهوة بالحليب في يدها، تجرأت و سألتها: ما الأمر الذي دعاك لإيقاظي قبل دوامي بأكثر من ساعة . أجابتني بصوت رقيق هامس: اشتهيت أن أحتسي القهوة برفقتك ، و دعتني لتناولها قرب البحرة في وسط بيتنا الدمشقي القديم. وعندما رأيت النافورة وسط البحرة قد عادت لتنثر الماء في الهواء من جديد، ورأيت الورد الجوري والقرنفل يطفو ويسبح فوق مياه البحرة بعد غياب طويل، عدت بذاكرتي لأكثر من عقدين إلى الوراء، فأنا لم أجلس مثل هذه الجلسة العاطفية مع زوجتي منذ زمن بعيد.

الله .. ما أجمل عبق الياسمين الشامي، عندما يعانق عبير الفل و شذى الريحان ، تلك الياسمينة التي غرستها والدتي – يرحمها الله – امتشقت جدار بيتنا و طلت على الممر الضيق خارج البيت لتصبّح على كل أهل الحي الوادع بصفاء بياض زهرها و طيب فوحه، وبينما كنت ارتشف فنجان الصباح مع زوجتي و انفض الغبار عن ذكرياتنا الجميلة ، سمعت صوتاً رخيماً ينادي ( حليب    حليب ) ، تنهدت طويلاً ، و توجهت إلى زوجتي بالكلام : الله يا أم نور ، هل تذكرين هذا الصوت ، أنه صوت بائع الحليب أبو صياح ، الذي كان يأتي كل صباح على بغلته البيضاء حاملاً لنا الحليب مع الأمل من الغوطة الخيرة ، كنت أحسب أنني نسيت هذا الصوت الذي كان يحثني منذ طفولتي أن أدع كتابي و أركض لأمي في المطبخ و آخذ منها وعاء يملؤه أبو صياح لنا كل يوم .

و بعد أن تبادلنا أطراف الحديث ، و استحضرنا تلك الذكريات البعيدة ، سألتها (و هذه المرة أنا من أسأل ) عن طلبات المنزل ، و ودعتني و هي تدعو لي بالتوفيق و الرزق و أن يحميني الله من الحكام و الظلام و أولاد الحرام ، و خرجت قاصداً عملي بكل نشاط و تفاؤل .

كان لا بد لي أن أعبر ذلك الطريق الضيق المرصوف بالحجر الأسود المتناسق ، و الذي لا يتسع لأكثر من شخصين بجانب بعضهما ، و ما إن يلتقي مع طريق الحي الفرعي الآخر حتى يتسع شيئاً فشيئاً ، لأصل إلى السوق ، حيث الضجيج الذي لا ينقطع منذ بواكير الصباح و حتى بعد منتصف الليل .

و أول ما لفت نظري عدم وجود ازدحام أمام الفرن ، حتى ظننت أنه مغلق ، لقد كان هناك شخصان أو ثلاثة فقط و قد اصطفوا بنظام وراء بعضهم ، بينما كان البائع يناولهم الخبز بشكل حضاري غير مألوف ، و قد نضده في أكياس نظيفة ( و كأنه خبز سياحي ) ، و هنا تذكرت المظاهرة التي كنت أراها كل يوم أمام هذا الفرن ، و الصراخ و السباب الذي كنت اسمعه هناك ، و قد انتشر حول الفرن السعداء (القبضايات) الذين فازوا بالوصول إلى نافذة البيع الضيقة و استطاعوا سحب رصيدهم من الخبز من تلك الكوة ( من فم الأسد ) ، بعد أن حرقوا أيديهم بحرارة الخبز الخارج من الفرن ، و تمزقت بعض الأرغفة في أطراف الفوهة الضيقة ، و أسرعوا إلى حافة الجدار ليمدوا كيساً من الخيش ، أو جريدة ( و هذه أهم فائدة للصحف اليومية في بلادنا ) لينشروا عليها الخبز، و هم ينظروا بشفقة و خيلاء لأولئك المساكين الذين سيحاربون كثيراً حتى يحصلوا على ما حصلوا هم عليه .

هذا الهدوء الغريب أمام الفرن أرهبني ، لأن محل أبو تحسين الجزار بجوار الفرن ، و كنت أستطيع وسط الضجيج أن أفلت منه بعض الأحايين دون أن يُسمعني ذلك الموشح اليومي ، عن المبلغ الذي صار بذمتي له ، و يفتح دفتره الدسم ليريني بأم عيني صفحة ديوني ،لأشرح له في كل مرة أنني لا أستطيع أن أعطيه شيئاً حتى أستلم مرتبي ( الهزيل ) من الوظيفة أول الشهر، لكنه هذه المرة لا بد سيلحظني ، و هو الذي يراقب الرائح و الغادي بعينيه الواسعتين ، و بسبب الهدوء سمعت صوتاً رخيماً ينطلق من محل أبو تحسين ،إنه صوت الشيخ عبد الباسط يتلو من سورة الرحمن ، فينشر جواً من الخشوع و الهدوء و الأمان في المكان ، و عندما رآني أبو تحسين أنظر إليه بطرف خجول ابتسم و قال : الله يصبحك بأنوار النبي يا جار . فرفعت رأسي و أجبت : الله يصبحك بالنور و العافية و السرور أبو تحسين .

لم يكن أبو تحسين هو العقبة الوحيدة التي يجب أن اجتازها كلما رحت أو غدوت إلى بيتي ، فها هو محل أبو حمدي البقال قد اقترب ، و لكن هذه العقبة تبقى أسهل من سابقتها لعدة أسباب ، أولها- لأن أبا حمدي غالباً ما يكون منشغلاً في داخل المحل بجلب طلبات الزبائن مما يسمح لي باجتيازها محافظاً على كرامتي و دون خسائر تذكر، و ثانيها- لأن واجهة المحل لم تكن كلها زجاج كواجهة محل أبو تحسين ، بل اكتفى بنافذة و كوة صغيرتين في وسط واجهة المحل ، النافذة لمناولة الزبون ، والكوة ينظر من خلالها و هو يحاور زبونه ، و لكن هاتين الكوتين لم تمنعا صوت فيروز الملائكي أن يعبق من المحل و يعانق مسامعي و هي تغني من كلمات سعيد عقل و ألحان الرحباني:

شام يا ذا السيف لم يغبِ ** يا كلام المجد في الكتبِ

قبلك التاريخ في ظلمةٍ ** بعدك استولى على الشهبِ

وثالثها- و هو الأهم أن أبا حمدي لا يملك سكاكين و سواطير أبي تحسين .

و ما إن اجتزت محل أبي حمدي بسلام حتى رفعت رأسي عالياً ، فمحل أبو جمال الحلواني الذي يصنع المحلاية و البوظة (بالدق اليدوي) لا يخيفني ، و لست مستديناً منه و الحمد لله ، لا لشيء ، إلا لأنه قد وضع لافته كبيرة في صدر المحل كتب عليها : الدين ممنوع و الرزق على الله .

لقد كانت أصوات التفاؤل الثرة تنطلق بصوت المنشد أبي الجود من محل أبي جمال ، فتعانق مشاش الفؤاد ، سارعت بالسلام عليه ، فرد السلام و أتبعه بقوله : تفضل أبو النور . فأجبته شكراً و تابعت مسيري إلى عملي .

كان هذا الطريق الوحيد الذي يجب أن اجتازه لأصل إلى الشارع ، قبل أن استقل سيارة الخدمة إلى مكان عملي ، يوقظ و يحرك كل حواسي ، فمن رائحة الخبز المنعشة ، إلى رائحة كباب أبي تحسين و رائحة الحمص و الفول و الفلافل و الشاورما و البيض المقلي بالسمن البلدي التي تجعل حاسة الشم عندي في أوج نشاطها و غددي اللعابية كنبع بردى .

و من منظر لحوم الضأن و قد زينها أبو تحسين بالبقدونس و الكزبرة و النعناع ، إلى محلات الفواكه و قد تزينت بخيرات الشام من كل لون و شكل و طعم ، و ما أكثر فاكهة الشام و خضراواتها التي تغذي العين و الروح بأشكالها و ألوانها قبل أن تغذي الذوق و الجسد .

وسط هذا الزحام ، و في زاوية ملتقى طريق الحي بالشارع ، نصب أبو سومر منشراً كمنشر الغسيل ، علق عليه الصحف اليومية ، و لعدم وجود إقبال على تلك الصحف المملة التي تكرر نفسها كل يوم ، كان أبو سومر يعرض صفحة الحوادث عوضاً عن عرض الصفحة الأولى و مانشيتاتها العريضة التي كانت على إيقاع واحد ، من حيث استقبل الرفيق و ودع الفريق ، و كان يرسم حول المواضيع - التي يراها تلفت الانتباه و تحث المواطنين على الشراء - خطوطاً عريضة حمراء و خضراء و صفراء ، فهنا خبر عن سرقة محل مجوهرات ، و هناك خبر عن جريمة قتل ضحيتها زوجة القاتل مع عشيقها ، و خبر آخر عن القبض على عصابة من الشباب العاطلين عن العمل و التي تمارس كافة الجرائم من اغتصاب و نهب و دعارة و تشليح و تشبيح ، و خبر عن موظف صغير سرق أكثر من خمسين مليون ليرة من دائرته ..

و لكن هذا الأسلوب المشوّق لم يكن يجذب الكثيرين و يقنعهم بضرورة دفع عشرة ليرات من أجل جريدة أبي سومر المملة بعد أن يخصمها من حصة أهله و أولاده .

و كان أهل الحي جميعاً يعرفون أن أبا سومر هذا لا يمكن أن يعيش مع عائلته من بيع عشرين إلى ثلاثين جريدة في اليوم ، ليس له منهم أكثر من ثلاثين ليرة في أحسن الأحوال ، و ما هو إلى موظف أمني لمراقبة الداخل و الخارج من الحي ، و إحصاء أنفاس البشر.

و لأننا نخاف من المخابرات كنت أحاول ما استطعت أن لا أرى أبا سومر ( فأنزع صباحي ) و لا يراني ( فينتزع صباحه ) .

لكنني هذا الصباح رأيت ما يلفت النظر حقاً ، رأيت جمهرة كبيرة من الناس قد تجمعت حول أبي سمير ، حتى ظننت أن المخبز قد انتقل إلى هناك ، و لأول مرة ساقني فضولي لأستطلع الأمر ، فرأيت جرائد أبي سمير قد عُرضت بصفحاتها الأولى ، و بمانشيتاتها العريضة ، و رأيت أبا سمير منشغلاً بمناولة زبائنه من تلك الجرائد المحلية الرسمية التي لم تكن تستهوي أحداً ، فتساءلت عن سر هذه الصحوة الثقافية الوطنية عند الجمهور ، و بدأت بقراءة عناوين الصحف :

- السيد الرئيس يصدر مرسوماً بإلغاء قانون الطوارئ .

- بعد أكثر من أربعة عقود ، قانون الطوارئ في سوريا باطل .

- الرئيس القائد يصدر عفواً عاماً عن كل السجناء السياسيين و سجناء الرأي .

- رئيس الجمهورية يأمر بتبيض السجون من السياسيين ، و يصدر عفواً عن المطلوبين خارج سوريا .

- تعطيل قانون الطوارئ ، و دعوة المنفيين للعودة إلى بلادهم بأمان .

- الرئيس الأسد يدعو لمؤتمر وطني شامل لا يستثني أحدا .

- المؤتمر الوطني سينعقد بداية الشهر القادم برعاية الأسد ، و ستنبثق عنه حكومة مؤقتة لمدة ستة أشهر ، ستمهد لانتخابات رئاسية متعددة و تحت إشراف دولي .

- السيد الرئيس يأمر بتشكيل لجنة للكشف عن المفقودين ، و دراسة كافة التجاوزات و التظلمات منذ تاريخ إعلان حالة الطوارئ ، و يأمر بتعويض المتضررين .

- السيد الرئيس يُفعّل لجنة من أين لك هذا ؟ لمحاسبة الفاسدين ، و المعتدين على الحق العام مهما علت رتبهم و مناصبهم ، و يبدأ بآل بيته المقربين  .

و بينما أنا مندهش لما أقرأ ، لفني دوار شديد أخذني عقوداً إلى الوراء ، و بدأ شريط الذكريات يمر في خيالي كفيلم سينمائي قديم . تذكرت أخي أحمد الذي دخل السجن قبل أكثر من ربع قرن عندما اعتقل من داخل كليته ، و انقطعت أخباره منذ ذلك التاريخ ، و لا أدري هل هو على قيد الحياة ؟ أم أعدم مع الآلاف الذين أعدموا في السجون ؟ .

و تذكرت أخي الآخر عبد الرحمن الذي سافر للاختصاص في تقويم الأسنان في جامعات فرنسا ، و بعد عشر سنوات من الاختصاص و العمل هناك وحصوله على الجنسية و الجواز الفرنسي انتقل للعمل في مدينة أبو ظبي ، و لم أره منذ ثلاثين سنة .

و تذكرت أخي حسن الذي سافر إلى ألمانيا و حصل على دكتوراه في الفيزياء النووية ، و تزوج هناك من ألمانية ، و ما زال يدرّس في جامعات ألمانيا ، و لم يزر القطر إلى مرة واحدة في منتصف عقد الثمانينيات ، عندما تجرأ و حضر بعد وفاة الوالد الذي أصيب باحتشاء قلبي من حزنه على اعتقال أخي أحمد و مات من عقابيل ذلك الاحتشاء ، و عندما حضر حسن من ألمانيا للتعزية بوالده ، أعتقل من مطار دمشق ، و لولا جنسيته الألمانية و جهود زوجته و السفارة الألمانية لكان لحق بأخيه أحمد إلى سجن تدمر ، لكنه خرج بعد شهرين من السجن ليروي لنا قصص و مآسي السجون في سوريا .

و تذكرت أختي الوحيدة أسماء التي تعيش مع زوجها و عائلتها في السعودية ، ولم استطع رؤيتها منذ ما يقرب العقدين ، و عندما تواعدت معها و مع أخويَّ بأن نتقابل في الحج لم يوافق الأمن على إصدار جواز سفر لي ، رغم كل ما دفعت من رشوة و قدمت من هدايا لرجال الأمن و المسؤولين .

و تذكرت والدتي التي ماتت و الحسرة تحرق فؤادها ، أن يجمعنا من جديد بيت العائلة الذي أصبح في عهدتي لعدم وجود أحد من العائلة معي داخل الوطن الكليم ، و كانت توصيني دائماً بالمحافظة عليه و عدم بيعه أو التصرف به حتى يلم شملنا ثانية ، و هي لا تدري أنني لا أستطيع بيعه قانونياً إلى بموافقتهم جميعاً و هم بين مفقودين و منفيين .

و تذكرت المرات العديدة التي اعتقلت بها ، للسؤال عن أخوتي ، سواء عندما كنت طالباً في كلية الهندسة ، أو بعد تخرجي منها، و معاناتي في الحصول على ورقة ( لا حكم عليه ) من الأمن لأتمكّن من الحصول على الوظيفة ، و الرشوة التي دفعتها لجارنا أبي سومر حتى حصلت على تلك الورقة ، رغم أنني لم أحاكم ، و كانت أطول فترة حجزت بها في السجن قرابة عام عندما أرسل لي أخي حسن حوالة مالية من ألمانيا كقرض ليساعدني على فتح مكتب هندسي ، لأبدأ حياتي العملية بعد تخرجي ، فحجزت المخابرات المبلغ ، و حجزت بسببه قرابة السنة في سجن كفرسوسة ، لأنني أقبل المال من الإرهابيين و العملاء !!.

و بينما كانت تلك الذكريات تتدفق على مخيلتي كسيل جارف ، سمعت صوت زوجتي يخترق أذنيَّ و هي توكزني و تقول : استيقظ أبو النور ، لقد تأخرت عن عملك ، عليك أن تحضر لنا هذه الطلبات قبل ذهابك للعمل ، ولدك جائع و ليس لديه حليب ، ماذا أصابك ؟ لماذا لا ترد ؟ ، إنني أحاول إيقاظك منذ عشر دقائق .

و سمعت صوت طفلي الصغير يبكي فيخترق صراخه عنان السماء ، و أيقنت أنني كنت في حلم جميل ، فرفعت رأسي و سندت ظهري على ناصية السرير ، و قلت بحسرة و تأوّه : يا الله ، حتى الحلم أصبح حراماً في أسدستان .

مركز الدراسات الإستراتيجية لدعم الثورة السورية

                


المراجع

odabasham.net

التصانيف

أدب  مجتمع   قصة