يقول الله - سبحانه -: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ} البقرة: 188، هذه الآية تتحدث عن ظاهرة أصيب بها المجتمع المسلم اليوم -إلا ما رحم الله- ألا وهي ظاهرة الكسب الحرام، أكل المال الحرام أو اكتسابه بغير وجه شرعي؛ حتى صارت مشكلة اجتماعية ينبغي معالجتها، فقد تفنن كثير من الناس اليوم في الوسائل التي يصلون بها إلى المال شرعية كانت أم غير شرعية، وصار يلقب من لا يصل إليها بأنه مغفل أو قليل الذكاء ونحو ذلك.
وهناك صور وأشكال لهذه الظاهرة ينبغي أن نقف عليها لنعرفها، ونتقي الله - سبحانه - في البعد عنها؛ لأن الله خلق الخلق وتكفل لهم بالرزق، وأمرهم بالكسب الحلال الذي هو أكثر من الحرام.
وصور الكسب الحرام كثيرة من أهمها:
1) التطفيف في المكيال والميزان، كما قال - سبحانه -: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ...} المطَّففين: 1 الآيات، وهذه الصورة يفعلها بعض ضعفاء النفوس حتى يحصلوا على شيء يسير من المال مقابل التطفيف اليسير في الموازين والمقاييس، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجتمع هذه صفته قوله: « ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان » {ابن ماجه: {2/1332) {4019) من حديث ابن عمر}، والأخذ بالسنين هو القحط وشدة الفقر، أما شدة المؤنة أي: الكلفة- هي غلاء الأسعار وارتفاعها، وجور السلطان هو الظلم.. كما يعيشه كثير من الناس اليوم في ظل ظلم حكامهم.
2) إخفاء الزكاة، وأكل الغني لحق الفقراء والمساكين في ماله، يقول الله - تعالى -: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} المعارج: 24، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبين أثر هذه المعصية حيث قال: « وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا » {ابن ماجه: {2/1332) {4019) من حديث ابن عمر}، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة » {مسلم: {2/680) {987) عن أبي هريرة} وهكذا صاحب الإبل والبقر وغيرها.
3) الربا الذي تدعمه اليوم البنوك وينتشر في معاملات الناس المصرفية والتجارية -إلا من رحم الله-، وقد قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا... } البقرة: 278. وقال عنه النبي - عليه الصلاة والسلام -: « لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه » {مسلم: {3/1219) {1598) من حديث جابر}.
وربما سمى الناس الربا بغير اسمه: كأن يقال: "الفائدة" و"الفوائد"، أو "أذون الخزانة" أو غير ذلك
وهذا كله لا يخرجه عن كونه محرماً، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صنوف أهل آخر الزمان بأنهم يأكلون الربا ويسمونه بغير اسمه، ويشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها.
وما نشاهده اليوم من الفقر والفاقة إنما هو بسبب محق البركة الناتج عن التعامل بالربا، والله - تعالى - قد قال: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} البقرة: 276، بل إن الربا أبلغ من كثير من الفواحش، ولكن الناس قل أن يلتفتوا لذلك | جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « اجتنبوا السبع الموبقات -وذكر منها- وأكل الربا » {البخاري: {3/1017) {2615)، مسلم: {1/92) {89) عن أبي هريرة}، وقال: « درهم ربا أعظم عند الله من ست وثلاثين زنية » {أحمد: {5/225) {22007) عن عبدالله بن حنظلة}، وقال: «... أدناها مثل أن يأتي الرجل أمه » {ابن ماجه: {2/764) {2274) عن أبي هريرة}.
4) الغش والخداع، خاصة في ظل غياب الرقابة على المواصفات والمقاييس والمصانع والسلع ونحوها وهذا كثير وكثير؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: « من غشنا فليس منا » {مسلم: {1/99) {101) عن أبي هريرة}.
5) الرشوة؛ وقد أصبحت أمراً متعارفاً عليه عند الناس إلا من رحم الله، وأصبح الكثير لا يتحرجون من أخذها، بل يقل حياؤهم في طلبها، وكم من معاملة أو من قضية لا يمكن الوصول إلى الحق فيها إلا بدفع الرشوة، قال - صلى الله عليه وسلم - وهو يبين عظم الرشوة: « لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما » {أبو داود: {2/324) {3580)، أحمد واللفظ له: {5/279) {22452)}. والرائش هم من يسمون بالسماسرة الذين يصلون بين الراشي والمرتشي، ومما يدخل في هذا الباب بيع المشاريع والوظائف العامة ونحوها مما لا يتم إلا برشوة ومال.
6) الغلول؛ وأطلق قديماً على أخذ المال من الغنيمة قبل قسمتها، لكنه اليوم يتناول أحوالاً وصوراً كثيرة في دار السلم، ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « وأيما رجل استعملناه على عمل فكتم مخيطاً فما فوقها كان غلولاً يأتي به يوم القيامة » {مسلم: {3/1465) {1833) عن عدي بن عميرة}، وهذا الحديث يجلي بوضوح حال كثير من الناس ممن صاروا يتخذون شيئاً من الشبه لأكل المال العام وانتزاعه والانتفاع به بوسيلة أو بأخرى، والله - تعالى -يقول: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ} آل عمران: 161.
7) السرقة؛ تلك الجريمة التي تدل على دناءة النفس وحقارتها حتى وصل الحال بالبعض إلى سرقة الأحذية من المساجد والهواتف والأموال من الجيوب | ..
8) القمار والميسر؛ وقد فتحت أندية ومحلات لهذا النوع من الألعاب، وغرض أهلها هو التكسب منها، ونحن نعلم أن الله قرنها في كتابه بالخمر والأزلام، فقال - سبحانه -: {إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ... } المائدة: 90.
9) كثرة الحلف والأيمان لأجل إنفاق السلعة، قال - عليه الصلاة والسلام -: « الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة » {البخاري: {2/735) {1981)، مسلم: {3/1228) {1606) عن أبي هريرة}، وقال: « التجار هم الفجار إلا من صدق وبر » {الترمذي: {3/515) {1210)، ابن ماجه: {2/726) {2146) عن رفاعة}، وقال: « ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم -وذكر منهم- والمنفق سلعته باليمين الكاذبة » {مسلم: {1/102) {106) عن أبي ذر}.
10) احتكار السلع وذلك عند احتياج الناس لها، فيرفض التاجر بيعها حتى يرتفع سعرها، ثم يبيعها بعد فقدها من السوق بالسعر الذي يريد، قال - صلى الله عليه وسلم -: « من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله - تعالى -وبرئ الله - تعالى -منه » {أحمد: {2/33) {4880) عن ابن عمر}، وقال: « لا يحتكر إلا خاطئ أو مخطئ » {مسلم: {3/1227) {1605) عن معمر بن عبدالله}.
11) بيع الأشياء المحرمة؛ كالأغاني والمزامير، والأشرطة الخليعة، والصور، أو حلق اللحى في الصوالين، وبيع الدخان والتماثيل والخمر والخنزير، ونحو ذلك من المحرمات التي هي وسائل محرمة للكسب.
12) أكل مال الأيتام أو الأوقاف أو ما كنت وصياً عليه كل ذلك حرام، والله - تعالى - يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا... } النساء: 10.
وهناك صور وصور للكسب الحرام لعل فيما ذكرناه تنبيهاً عليها وإشارة إليها، ولنعلم قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا كله: « كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به » {الترمذي: {2/512) {614) عن كعب بن عجرة}، ولنعلم أن كلاً منا سوف يسأل يوم القيامة: « عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ | » {الترمذي: {4/612) {2417) عن أبي برزة الأسلمي}..
المراجع
موسوعة " المختار الأسلامي "
التصانيف
عقيدة مسائل اجتماعية
|