في اعماق جرح قدیم مدمی، کسنین عمري التي هدرت عبثا، في ازقة زمن مليء بکآباتها و عذاباتها المریرة و عنجهیتها الفریدة و وحشیتها الازلیة والابدیة، وسط ظلام دامس لآفاق وهمیة..کانت تسقط بهدوء و سکینة من جسد في غرفتي، قطرات دم لربما لانهائیة
؟.
قلت لنفسي:
( این انا في زمن یتدحرج في فراغات لامتناهیة، الی مالانهایة خیالاتي المتشنجة و المضطربة..اراها کفقاعات سطح ماء عکر، لوثها صورا شتی للحواس و آراء من بقایا نظریات حلزونیة هشة قابلة للذوبان تحت شعاع احلام فیثاغوریة).
کان قطرات الدم الساقطة من الجسد تتخذ ارضیة الغرفة مکانا لعبورها نحو جمیع موجودات الغرفة، بعد تحولها الی مخالب اشبه بالعناکب شکلا.
کانت جمیع الأشیاء الموجودة في الغرفة، من شدة الحرارة المرتفعة تفرز عرقا، ماعدا الجسد التي کانت بأستمرار تسیل منها الدم، کذبیحة قد ذبحت لتوها.
في البدء کانت لون الجسد اصفرا و بعد استمرار تساقط الدم منها، تحولت الی السواد، مشابهة بلون ارض معركة دامیة بعد انتهائها.
( ماهذا الجسد ومن این اتی؟ | ).
سؤال سألته لنفسي.. هل کانت ماأراه في غرفتي حقیقة او مجرد حلم من احلامي الغریبة، بل اغرب من کل احلامي، أذ لم اکن قد شممت ایة رائحة في اي حلم من احلامي، ولکن الآن اشم رائحة نتنة | ؟.
نظرت الی المرآة المعلقة قرب سریري، رأیت الهلع و القلق في وجهي التعیس، کنت اشبه بظل شخص قد فقد نفسه وسط معمعة الذات مع الأشیاء.. فکرت في نفسي، من انا؟ |
عندما حاولت تصفح الکتاب الوحید التي کنت أقرأها حینما اکون وحدي، بدأت بألتقیؤ...
رأیت کلماتها مشابها بقطرات الدم المتساقطة من الجسد، وبعدها تحول الکتاب کلیا الی جسد مدمی.
اختلط علي الوقت في مکان لربما لا أنتمي الیها، تداعیات وأفکار مشتتة و مبتورة أخذني بعیدا فیما کنت فیها.
سمعت صوتا ما بداخلي:
( أین أجد نصف الآخر من حلمي
لکي استنطق بنصفه الآخر؟ | ).
في وسط حالم هوجاء، عالم اشبه بصرخة الغیظ و حشرجة المحتظر، مجدولة بالآف الطرق لکي نصل الی سرمدیة الاشیء و عدمیة الوجود، في غابة الروح المحصورة دوما.
بدا لي اني اسمع صوتا:
( انت حارس جسد قد حلم بموتها).
ما ادهشني فعلا في حینها، هو استمرار تساقط الدم من الجسد و باستمرار.. رأیت غرفتي کسفینة في لحظاتها الأخیرة قبل الغرق، مع رؤیتي لطیور مائیة بشعة المنظر تسیل من عیونها دماء.
اخذ العرق یتصبب مني من جدید، مع ارتجاف و خوف طفولي من المجهول الذي کان ینتظرني | ؟.
انبطحت علی الأرض عاریا، ارتعش من هول اللحظات المضطربة، التي کنت احس بوجودها کهلوسات لا متناهیة وسط ظلام دامس من نداءات و تداعیات داخلیة عقیمة.
بدا لي لبرهة اني اری ضوئا ما في خارج الغرفة.. وبعدها رایت عجوزا ینظر الی عناکب ینسجون شباکهم؟ | .
سمعت اصواتا غریبة کنواح خافت لنساء یندبن عزیزا فارق الحیاة.. نواح غایة في الوجع، تطلقها قلوب احتشی بلزوجة حزن مضطرب، غریب غرابة الموت نفسها.
لحظة اشبه بضباب یحجب الرؤیة، اشبه بلحضة عطش قاتل بین رمال ملتهبة في صحراء جرداء، لیس الماء فیها الا سرابا.
هل استطیع ایجاد لغة مشترکة بیني وبین الموت القریب مني، ربما اقرب من الجسد الموجود في غرفتي؟ | .
زحفت الی الجسد زحفا و لرعبي رأیته یتخذ اشکالا و الوانا غریبة مع سماعي لأصوات تراتیل حزینة..
کأن یدا وهمیة کوت لساني، کنت کالخرساء وحتی محاولتي للصراخ باءت بالفشل.
انا وحید مع جسد غارق في دمه؟ | .
بعید عن واقع دامس بظلماته، وقریب من حقیقة کابوس بات واقعا لي، یجذبني الی دواماتها الساخنة.
من العسیر ان اتصور نفسي من جدید، وانا واقف تحت سماء حقیقي، احس بما یحس به اي کائن حي.. انا الآن جسد عاري من ذکریات و رغبات و آمال، آتیة مع ریاح الأرض الندیة...
من جدید سمعت صوتا ما بداخلي:
( أین أجد نصف الآخر من حلمي
لکي استنطق بنصفه الآخر؟ | ).
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتب, د. موسى الحالول-السعودية
-
الكاتبة, سحر سليمان-فرنسا قاع البئر
-
الكاتب, د. عيسى بن ضيف الله حداد-فرنسا حماري وجدتي وأنا
-
الكاتب, وديع العبيدي-العراق
-
الكاتب, حسان محمود الحسون-السعودية غبار- قصص قصيرة جدا
-
الكاتبة, أروى طارق التل-الأردن لحية شيطان
-
الكاتب, إبراهيم سبتي-العراق ما يتركه الجراد
-
الكاتب, د. عيسى بن ضيف الله حداد-فرنسا قصة فجيعة جداً
-
الكاتب, محمد صباح الحواصلي-أميركا
-
الكاتبة, مايا عز الدين عبارة-الكويت الباب يُطرَق من الداخل
|