هل يمكن لنوع من التوابل المتواضعة أن يتمتع وحده بخصائص وفوائد عشرات الأدوية والعقاقير الكيميائية، من دون أي تأثيرات جانبية سلبية؟ منذ مئات السنين وخبراء الطب الشرقي والغربي معاً، يؤكدون أهمية الفوائد الصحية للكركم. وقد جاءت الدراسات العلمية الحديثة لتكشف عن سلسلة واسعة من خصائص العقاقير والأدوية التي يتمتع بها هذا النوع من البهارات. فالكركم ينفرد بمجموعة إستثنائية من المزايا، فهو مثلاً مضاد للأكسدة، ومُسهّل للهضم، ومضاد للإلتهابات، ومُخفِّض للكوليسترول، إضافة إلى قدرته على مكافحة السرطان. وتُسهم هذه المزايا في جعل الكركم واحداً من أهم المنتجات الطبيعية التي تساعد على الوقاية من أمراض عديدة وعلاجها. وتجدُر الإشارة إلى أنّ الكركم كان ولا يزال يُستخدم منذ آلاف السنين، كتابل وكمادة ملونة طبيعية تُكسب الأطباق لوناً أصفر جذاباً، من دون أي مواد كيميائية مُؤذية. والكركم نبات من الفصيلة الزنجبيلية، موطنه الأصلي إندونيسيا والهند وجنوب شرقي آسيا، إلا أنّه يُزرع اليوم في العديد من بلدان العالم، على الرغم من أنّ الهند لا تزال تحتل المرتبة الأولى على لائحة المنتجين. وتشير الدراسات التاريخية، إلى أنّ الآشوريين كانوا يستخدمون الكركم لأغراض علاجية منذ 600 سنة قبل الميلاد، وأنّ الأغريق كانوا يلجأون إليه في علاج إلتهاب المفاصل والإضطرابات الهضمية مثل الغازات، إضافة إلى عوارض الحَيْض المؤلمة. - أبرز الإستخدامات الطبية للكركم: 1- مرض الـ"زهايمر": يتمتع الكركم بخصائص وقائية للأعصاب والدماغ من الأمراض العصبية المرتبطة بالتقدم في السن مثل مرض الـ"زهايمر". وكانت الإحصاءَات قد أظهرت أن نسبة إنتشار مرض الـ"زهايمر" تسجل أدنى مستويات لها في العالم لدى المسنين الذين يعيشون في القرى الهندية، ويستهلكون أكبر نسبة عالمية من الكركم في غذائهم، إذ لا تزيد نسبة المصابين به على واحد في المئة، من مجمل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 وما فوق. ويَعْزو البحّاثة الأميركيون في "جامعة كاليفورنيا" التأثير الإيجابي للكركم، إلى عناصره المضادة للأكسدة وللإلتهابات التي تَقي الدماغ الأمراض. وفي دراسة أميركية ثانية، أجريت للتأكد من فاعلية الكركم في مكافحة مرض الـ"زهايمر"، تم التركيز على تأثير الكركم في البيتا – أميلويد (بروتين موجود في دماغ الأشخاص الذين يعانون الـ"زهايمر")، ومقارنته بتأثير الأدوية المضادة للإلتهابات المستخدمة للوقاية من الـ"زهايمر". وتبيّن أن وحده الكركم يكبَح الأضرار التي تُلحقها الأكسدة بالدماغ، على الرغم من أنّ العلاجين يخففان من تراكم البيتا – أميلويد ومن الضرر الذي يُلحقه بالدماغ. كذلك تبيّن أنّ الكركم يساعد على تحسين أداء المشاركين في إختبارات الذاكرة. من جهة ثانية، أظهرت الدراسات المخبرية، أنّ الكركم فاعل في إبطاء تطور مرض الـ"زهايمر" لدى الفئران. ويَعتقد العلماء، أنّ الكركم يمكن أن يوقف إنتاج بروتين يلعب دوراً رئيسياً في تدمير الميلين، وهو الغلاف الواقي الذي يحمي معظم أعصاب الجسم. 2- الإلتهابات: من المعروف أنّ الإلتهابات تشكل جزءاً رئيسياً من الأمراض. مثل إلتهاب المفاصل، مرض القلب، السرطان والـ"زهايمر". وتخفيف هذه الإلتهابات يساعد الأشخاص الذين يعانون العديد من الإضطرابات الصحية والأمراض. وقد تبيّن أنّ الكركم يتمتع بمزايا مضادة للإلتهابات، ويخفف من مستويات العديد من مسبّباتها. وكانت الدراسات المخبرية قد كشفت عن هوية عدد من الجزيئات المختلفة التي تلعب دوراً في التسبب في الإلتهابات، والتي تمكّن الكركم من خفض مستوياتها. ويُعلّق الأخصائي الفرنسي في طب الأعشاب، فرانك دوبوس فيقول، إنّ الكركم لا يمنع الإلتهابات، بل يخففها، وذلك عن طريق كبح نشاط الأنزيمات التي تُسهم في تشكل المواد المسببة للإلتهابات. ويُستخدم الكركم في الطب الشرقي لعلاج إلتهاب المفاصل، الروماتيزم وإلتهابات العين. ويقول العلماء، إنّ الدراسات العيادية تُظهر بوضوح مدى فاعلية الكركم كمضاد للأكسدة، قادر على إبطال مفعول الجزيئات الحرّة الضارة التي يمكن أن تنتشر في الجسم بأعداد كبيرة، وتُلحق الضرر بالخلايا السليمة وبأغلفتها. وتُعتبر هذه الظاهرة مهمة في العديد من الأمراض، مثل إلتهاب المفاصل، حيث تكون الجزيئات الحرّة مسؤولة عن إلتهابات المفاصل المؤلمة، وما قد يليها من ضرر فيزيولوجي فعلي يلحق بها. إنّ قدرة الكركم المزدوجة. أي قدرته كمضاد للأكسدة وكمضاد للإلتهابات. تفسر سبب إحساس الكثير من المصابين بأمراض المفاصل بالإرتياح عندما يتناولون الكركم بإنتظام. وكانت دراسة حديثة شملت مرضى مصابين بإلتهاب المفاصل الروماتيدي، قد أظهرت أن تناول الكركم يعطي نتائج مماثلة لواحد من الأدوية الرائجة، إذا إنّه يُقصّر مدة التيبّس الذي يشعر به المرضى صباحاً، كما يساعدهم على السير لفترات أطول، ويخفف من أورام المفاصل وآلامها. 3- الإضطرابات الهضمية: الكركم ينشط الكبد ويُعزز إفراز الصفراء. وتجدُر الإشارة، إلى أنّه يدخل في تركيبة بعض العلاجات المستخدمة للتخفيف من عوارض التخمة وعسر الهضم. وهو يخفف من إرتفاع مستويات الأحماض، ومن تأثيرها السلبي في جدران المعدة. إضافة إلى ذلك، فإنّ الكركم يتفاعل مع أنزيمات الكبد المسؤولة عن عملية تنقية الجسم، ما يسهّل عملية التخلص من بعض المواد السامة. مثل تلك الناتجة عن تناول بعض العقاقير والأدوية. وكانت إحدى التجارب المخبرية الأميركية، التي أجريت على الفئران، قد أظهرت أنّ الكركم يساعد على رفع مستويات نوعين مهمين جدّاً من أنزيمات الكبد، المسؤولة عن تنقية الجسم من السموم. ويقول المشرفون على التجربة، إنّ إضافة الكركم إلى أطباقنا بانتظام، يساعد على التخفيف من التأثير الضار للعديد من المواد الكيميائية، التي قد تسبب السرطان والتي نجدها في العديد من المنتجات الغذائية. يُذكر أنّ الطب القديم الصيني والهندي، كان يستخدم الكركم للتخفيف من الغازات وإنتفاخ البطن. 4- أمراض القلب والأوعية الدموية: يساعد الكركم على تفادي ظاهرة أكسدة الكوليسترول في الجسم. ومن المعروف أن الكوليسترول المتأكسد هو الذي يُلحق الضرر بالأوعية الدموية، ويؤدي إلى تراكم طبقة البلاك على جدرانها الداخلية، ما قد يسفر عن الإصابة بالنوبة القلبية أو السكتة الدماغية. لذلك، فإنّ منع عملية أكسدة الكوليسترول الجيِّد، يمكن أن يساعد على التخفيف من إمكانية الإصابة بتصلب الشرايين ومرض القلب. إضافة إلى ذلك، فإنّ الكركم غني بالفيتامين (B6) الضروري للتخفيف من الإرتفاع الكبير في مستويات الهوموسستين، الذي يُلحق الضرر بالشرايين ويزيد من خطر الإصابة بمرض القلب. وفي دراسة نشرتها "المجلة الهندية للفيزيولوجيا والعقاقير"، طلب البحّاثة من 10 بالغين أصحاء الجسم، تناول 500 ملغ من الكركم يومياً لمدى 7 أيام. وتبيّن أن ذلك لم يساعد فقط على خفض مستويات أكسدة الكوليسترول بنسبة 33 في المئة فحسب، بل إنّ مستوى الكوليسترول العام نفسه انخفض لديهم بنسبة 11.63 في المئة، بينما ارتفع مستوى الكوليسترول الجيِّد بنسبة 29 في المئة. 5- السرطان: تشير الدراسات التي أجراها ويجريها المتخصصون في علوم الأوبئة، إلى أنّ الإستخدام المنتظم للكركم يُسهم في التخفيف من معدلات الإصابة بسرطان الثدي، البروستاتا، الرئتين، القُولون والبنكرياس. وتُظهر التجارب المخبرية، أنّ الكركم يَحول دون تشكّل الأورام. ويُشير البحاثة في "جامعة تكساس"، إلى أنّه حتى في حالات وجود السرطان، فإنّ الكركم يساعد على إبطاء إنتشار خلايا الثدي السرطانية إلى الرئتين لدى الفئران. ويقول العلماء، إنّ الكركم يؤثر في بعض الجينات التي تلعب دوراً في نمو وَتفشّي الخلايا السرطانية. يُضيفون، إنّ التجارب المخبرية تقود إلى الإعتقاد أنّ الكركم قد يعمل على 3 مستويات: فهو أوّلاً: يخفف من التأثير الضار لبعض المواد التي تلعب دوراً في التسبب في السرطان (مثل تلك الموجودة في التبغ). ثانياً: يسهّل الموت المبكر للخلايا المتضررة. ثالثاً: يَحول دون تشكل الأوعية الدموية التي تمد الأورام بالدم. من جهة ثانية، تبيّن من خلال الدراسات التي أجراها البحّاثة في مركز أندرسون للسرطان، التابع لـ"جامعة تكساس"، أنّ الكركم يُعزز مفعول وتأثير أهم العقاقير الكيميائية المستخدمة في علاج سرطان البنكرياس، والذي يَفقد فاعليته تدريجياً بسبب المقاومة التي تنمو لدى الخلايا السرطانية تجاهه. وتبيّن أنّ الكركم يَحول دون تطور هذه المقاومة في كلٍّ من خلايا البنكرياس السرطانية المزروعة في المختبر، ولدى الحيوانات. وكان البحّاثة البريطانيون قد أظهروا في دراسة حديثة، أنّ الكركم يلعب دوراً مهماً في كبح ظاهرة إنتشار الخلايا السرطانية في القولون، وأنّه يعزز فاعلية العقاقير المستخدمة في علاج هذا النوع من السرطان. وفي دراسة أميركية أجريت في العام 2006، تبيّن أن تناول الكركم والبصل، الغني بـ"الكويرستين" وهو مضاد أكسدة قوي جدّاً، معاً وبإنتظام لمدة 6 شهور، يخفف من عدد ومن حجم التقرّحات ما قبل السرطانية في أمعاء الإنسان، بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المئة. ومن جهتهم أظهر العلماء الإيطاليون، أنّ الكركم فاعل في مكافحة نوع شائع من خلايا الثدي السرطانية، إضافة إلى الخلايا التي طورت مقاومة تجاه العقاقير الكيميائية. من جهة ثانية، تبيّن أنّ الكركم يتمتع بمزايا مهمّة جدّاً على مستوى تقوية الجهاز المناعي، خاصة لدى مرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الكيميائي، المعروف بأنّه يُضعف القدرات المناعية. لذلك، نجد أنّ الكثير من الخبراء، ينصحون بتناول الكركم بشكل متزامن مع العقاقير الكيميائية المستخدمة لعلاج السرطان. وفي تجارب مخبرية أخرى، أظهر العلماء، أنّ الجَمْع بين العناصر الفاعلة الموجودة في الكركم، وتلك الموجودة في القرنبيط والبروكولي وبقية خضار الفصيلة الصليبية، يُسهم في تقليص حجم أورام البروستاتا السرطانية، ويُضعف قدرتها على الإنتشار لدى الحيوانات. ويعتقد العلماء، أنّ الجَمْع بين هذه الخضار والكركم، يمكن أن يُعتبَر علاجاً فاعلاً، ليس فقط للوقاية من سرطان البروستاتا، بل ولكبح إنتشار أشكال سرطان البروستاتا الموجودة. - شروط الإستخدام: من الضروري لكل مَن يعاني إضطرابات صحية ويتناول أدوية معيّنة، أن يستشير طبيبه قبل البدء في تناول الكركم، فمثله مثل العلاجات النباتية كافّة، يمكن للكركم أن يتفاعل مع بعض أنواع الأدوية. فهو غير ملائم أبداً للأشخاص الذين يعانون حساسية تجاه الأسبرين، والذي يتناولون أدوية مُسَيّلة للدم (لأنّ الكركم يُسهم في التخفيف من ظاهرة تخثُّر الدم) وأولئك الذين يُوشكون على الخضوع لعمليات جراحية، والذين يعانون مرضى الكلَى. كذلك لا يُنصح بتناوله على شكل زيت عطري من قِبَل الأُمّهات الحوامل والمرضعات، والأطفال الذين تقل أعمارهم عن 3 سنوات. والكركم على شكل مسحوق، متوافر في متاجر المنتجات الغذائية. وتناوله لا يشكل أي خطر للأشخاص سليمي الجسم الذين لا يتناولون أي أدوية. ويُعتبر آمناً تناول كمية تصل إلى 51 غراماً من الكركم يومياً، مع أنّ الكمية المستخدمة في معظم الدراسات، كانت تتراوح بين 4 و6 غرامات يومياً، من دون أيّة تأثيرات جانبية. وقد أظهرت الدراسات، أن تناوله على المديين القصير والطويل مفيد في علاج الإلتهابات والـ"زهايمر" والسرطان. كذلك يساعد تناوله لمدة طويلة على تعزيز الأداء البدني والرياضي. وينصح دوبوس بتناول نصف ملعقة صغيرة من مسحوق الكركم (أي ما يُعادل 1.5 غرام) يومياً ويقول، إنّ تناول هذه الكمية المعتدلة بإنتظام، يضمن حصولنا على الفوائد الصحية للكركم، ويُستحسَن تناولها مع رشّة من البهار. ويَتوجَّب وضع مسحوق الكركم في وعاء مُحْكَم الإغلاق، وحفظه في مكان بارد ومُظْلِم وجاف.

المراجع

sehha.com/art/details-2394.htmlالموسوعة الطبية العربية

التصانيف

حياة