شركة الهند الشرقية أنشئت شركة الهند الشرقية الإنجليزية بموجب ميثاق ملكي صدر من الملكة إليزابيث الأولى في 31 ديسمبر/كانون الأول سنة 1600، ثم عملت باعتبارها منظمة تجارة جزئية ودولة قومية جزئياً، وحصدت أرباحاً طائلةً من التجارة الخارجية مع الهند والصين وبلاد الفرس وإندونيسيا لأكثر من قرنين.
وغمرت تجارتها إنجلترا بالشاي والمنسوجات القطنية والتوابل بأسعار معقولة، وكافأت مستثمريها في لندن بسخاء كبير مع عائدات تصل إلى 30%. وفي أوج مجدها، كانت شركة الهند الشرقية الإنجليزية أكبر شركة من نوعها، كما كانت كذلك أكبر من عدة دول، إذ كانت في الأساس الإمبراطور الفعلي لأجزاء كبيرة من الهند، التي كانت واحدة من أكثر الاقتصادات إنتاجية في العالم خلال تلك المرحلة، وذلك وفقاً لما ذكره موقع History الأمريكي.
ولكن عندما ضعفت سيطرة الشركة على التجارة في أواخر القرن الـ18، وجدت الشركة دوراً جديداً لها كان مجسد في بناء إمبراطورية.وفي مرحلة ما، قادت تلك الشركة الضخمة جيشاً خاصاً مكوناً من 260 ألف جندي، أي ضعف حجم الجيش النظامي البريطاني.
وكان هذا النوع من القوة البشرية أكثر من كاف لتخويف ما تبقى من المنافسين، وغزو الأراضي، وإجبار الحكام الهنود على التوقيع على عقود تصبّ في مصلحة طرف واحد وتمنح الشركة سلطات ضريبية مربحة.
القصة من البداية.. تأسس الشركة في عهد إليزابيث الأولى
في أواخر أيام سنة 1600، وبعد سيطرة طويلة للبرتغال على غالبية التجارة الأوروبية مع الهند والشرق الأقصى منحت الملكة إليزابيث الأولى ميثاقاً لمجموعة من تجار لندن يضُم حقوقاً تجارية حصرية عبر البحار مع جزر الهند الشرقية، وهي رقعة واسعة من الكرة الأرضية تمتد من رأس الرجاء الصالح في إفريقيا شرقاً إلى رأس هورن في أمريكا الجنوبية.
وكانت شركة الهند الشرقية الجديدة عبارةً عن احتكار، بمعنى أنه لا يمكن لأي رعايا بريطانيين آخرين التجارة بشكل قانوني في تلك المنطقة.لكنها واجهت منافسة شرسة مع الإسبان والبرتغاليين الذين كان لديهم بالفعل مراكز تجارية في الهند، وشركات جزر الهند الشرقية الهولندية أيضاً التي تأسست عام 1602.
وكان لإنجلترا، مثل بقية دول أوروبا الغربية، رغبة في الحصول على السلع الغربية الغريبة مثل التوابل والمنسوجات والمجوهرات.لكن الرحلات البحرية إلى جزر الهند الشرقية كانت محفوفة بمخاطر هائلة متمثلة في الاشتباكات المسلحة مع التجار المنافسين، والأمراض الفتاكة مثل الإسقربوط.
بينما كان الاحتكار الممنوح بموجب الميثاق الملكي يحمي على الأقل تجار لندن من المنافسة المحلية، بينما يضمن أيضاً دفع رشوة للسلطة التي كانت في أمسّ الحاجة إلى الأموال.
باعت الأسهم للجمهور وسمحت لموظفيها بالمشاركة في التجارة الخاصة
وعُرفت الكثير من السمات التي تميز للشركات الحديثة على نطاق كبير لأول مرة على أيدي شركة الهند الشرقية.مثلاً، كانت الشركة هي أكبر شركة مساهمة والأطول عمراً في يومها، ما يعني أنها جنت رأس المال وجمعته عن طريق بيع الأسهم للجمهور.وكان يحكمها رئيس، إلى جانب "مجلس مراقبة" أو "مجلس إدارة" أيضاً.
لكن على عكس اجتماعات مجلس إدارة الشركة الرصين نسبياً اليوم، كانت اجتماعات شركة الهند الشرقية صاخبة يحضرها مئات المساهمين.وبينما منحها الميثاق احتكاراً ظاهرياً في الهند، سمحت الشركة أيضاً لموظفيها بالمشاركة في التجارة الخاصة جانباً.في البداية، لم تملك الشركة الكثير من الأموال لتدفع لموظفيها مقابل هذا العمل الخطير بدرجة كبيرة، لذا احتاجت إلى تقديم حوافز أخرى.لذلك فقد تاجر موظفو الشركة داخل نطاق القواعد التي منحتها الشركة وخارجها، فكان هناك الكثير من الفرص للتلاعب والغش والتهريب.
شركة تجارية وسياسية في آن معاً
عندما وصل التجار البريطانيون والأوروبيون الآخرون إلى الهند كان عليهم التقرب إلى الحكام والملوك المحليين، بمن فيهم سلطنة المغول القوية التي امتدت عبر الهند.وعلى الرغم من أن شركة الهند الشرقية كانت من الناحية الفنية شركة خاصة، فإن ميثاقها الملكي وموظفيها الجاهزين للمعركة منحوها ثقلاً سياسياً.حيث استدعى الحكام الهنود رؤساء الشركات المحلية إلى المحكمة وانتزعوا الرشاوى منهم، واستخدموا قوة الشركة في الحرب الإقليمية وأحياناً ضد الشركات التجارية الألمانية أو الفرنسية.
وركزت إمبراطورية المغول قوتها داخل الهند، تاركة المدن الساحلية أكثر عرضة للتأثير الأجنبي.من البداية، كان أحد الأسباب لحاجة الشركة الماسة لرأس المال المجمع هو الاستيلاء على مواقع تجارية أمامية محصنة وبنائها في مدن الموانئ مثل بومباي ومادراس وكالكوتا.
وعندما انهارت إمبراطورية المغول في القرن الـ18، وقعت الحرب في الداخل، ما دفع المزيد من التجار الهنود إلى تلك الممالك الصغيرة الساحلية الواقعة تحت إدارة الشركة.
كيف حكمت شركة تجارية الهند؟
ويقول تيرثانكار روي، أستاذ في التاريخ الاقتصادي بكلية لندن للاقتصاد ومؤلف كتاب "شركة الهند الشرقية: أقوى شركة في العالم": إن المشكلة تمثلت في أنه كيف ستحكم الشركة هذه الأراضي وبأي مبدأ؟ الشركة ليست دولة، ولا يمكن أن يسري الحكم باسم السلطة دون موافقة السلطة، لذلك فأصبحت السيادة مشكلة كبيرة. فباسم من ستَسُنّ الشركة القوانين؟".
تمثل الجواب، في أغلب الحالات، في موظف الفرع المحلي للشركة الذي كان هو الحاكم لكل ولاية.فنظراً لقلة الاتصالات بين لندن والمكاتب الفرعية (إذ كان يستغرق الخطاب ثلاثة أشهر في كل اتجاه)، كان يُترك لموظف الفرع مسؤولية سن القوانين التي تحكم مدن الشركة، مثل بومباي ومادراس وكالكوتا، وإنشاء قوات شرطة محلية وأنظمة عدالة.
حروب الأفيون ونهاية شركة الهند الشرقية
لم تنتهِ مآثر الشركة في الهند، ففي أحد أصعب مواسمها ، هرّبت الشركة الأفيون إلى داخل الصين مقابل السلعة التجارية الأعلى قيمة: الشاي.إذ كانت الصين تقايض الشاي بالفضة فقط، لكنها كانت سلعةً نادرة في إنجلترا.
لذا انتهكت الشركة حظر الصين للأفيون عبر السوق السوداء لزارعي الأفيون الهنود والمهربين. ومع تدفق الشاي إلى لندن، صار مستثمرو الشركة أثرياء وضاع ملايين الصينيين في براثن الأفيون.وعندما فرضت الصين إجراءات صارمة على تجارة الأفيون، أرسلت الحكومة البريطانية سفناً حربية، ما أدى إلى اندلاع حرب الأفيون عام 1840.
وتسببت الهزيمة المخزية للصين في السيطرة البريطانية على هونغ كونغ، لكن الصراع ركز المزيد من الضوء على الصفقات المبهمة التي تعقدها شركة الهند الشرقية تحت مسمى الربح.وبحلول منتصف القرن الـ19، بلغت معارضة حالة الاحتكار للشركة أعلى مستوياتها في البرلمان وأججتها حجج آدم سميث عن السوق الحرة.في النهاية، لم يتعلق موت الشركة في السبعينيات بالغضب الأخلاقي مقابل فساد الشركة (الذي كان هناك الكثير منه)، بل تعلق أكثر بالسياسيين ورجال الأعمال الإنجليز الذين أدركوا أنه يمكنهم جني المزيد من الأموال من التجارة مع الشركاء الذين يمتلكون أساساً اقتصادياً أكثر قوة ، وليسوا رعاة أسرى لدولة شركة.
المراجع
arabicpost.net
التصانيف
تاريخ الهند تاريخ الإمارات العربية المتحدة تاريخ عُمان تاريخ بريطانيا جنوب شرق آسيا شركات تأسست سنة 1600 الهند الجغرافيا