حين يقال رائدات ينصرف الذهن مباشرة للمطالبات بحقوق المرأة وَفْقَ تصوّراتٍ جديدة لم تكن سائدة أو معترفًا بها. قد يكون هذا الكلام صحيحاً وَفْقَ المعنى الاصطلاحي للرِّيادة لدى الغربيين، إلا أن هناك- أيضًا- رائداتٍ أخرياتٍ هنّ أجدر أن يوجِّه لهن المجتمع تحية إكبار، وهن أجدر أن تحتفي بهن وسائل الإعلام...هن أولئك اللواتي تمسكْن بمبادئهن حين تخلى عنها الكثيرات طوعاً أو كرهاً. ليست الرائدة هي التي تخالف التصورات السائدة لمجرد المخالفة، ولكن الرائدة-أيضاً -التي تقف عملاقة أمام طوفان التغيير إذا كان لا معنى له، أو إذا كان وقوعه يسبب كارثة. تحية إكبار وإجلال وتقدير لكوكبة من النساء جعلن من أنفسهن معالم شاخصة حين تحولت الكثيرات إلى أطلال بالية... في مجتمعات كثيرة من العالم الإسلامي وغير الإسلامي تُتاح فرص التحلُّـل والذوبان في مفاهيمَ وسلوكياتٍ غريبةٍ عن الشريعة، بل ويُبالغ في أسلوب دفع الناس لها بتحويل قضايا المرأة الشرعيّة إلى قضايا سياسيّة، ويُحرم مخالفوها من فرص الحياة الكريمة، ويصبح الموقف منها معياراً للاعتراف بك أو شطبك من قائمة الإنسانية.. ويواكب هذا التوجه غطاءٌ إعلامي إقليمي وعالمي يتهكم من قيم المجتمع المسلم، ومفاهيمه كما لو كان يتحدث عن قيم مجتمعات بائدة، ويقدم البديل على طبق مزخرف. بل لا نبالغ إذا قلنا: إن الحجاب ـ على سبيل المثال ـ أصبح في بعض الدول أخطر من الفقر والجهل اللذيْن يعصفان بالمتحجبات والمتبرجات على حد سواء. ورغم ذلك تبقى عصبة من النساء تثبت أنها مستعصية على التحلل والذوبان، وتصر على إظهار شعائر الإسلام. والواقع يثبت أنهن رائدات، فهذه العودة النسائية إلى تعاليم الإسلام وشعائره، التي نراها في أشد الدول حرباً للإسلام وشعائره لها دلالة واضحة على أن أولئك الرائداتِ المتمسكاتِ هن نواةُ هذه العودة. الحجاب - وهو من أكثر الشعائر الظاهرة تعرضاً للنقد والهجوم- لا يزال يتنفس وبكلتا رئتيه في مجتمعات إسلامية وغير إسلامية رغم اندراس كثير من الملابس التقليدية الأخرى التي كانت موجودة في المجتمع ذاته. ففي تركيا- مثلاً- استطاعت الديكتاتورية العلمانية أن تنزع (الطربوش) عن رؤوس الرجال الباشاوات طوال الشوارب، ولكنها لم تستطع أن تنزع الحجاب عن رؤوس النساء، بل عدد المتحجبات يكثر يوماً بعد يوم رغم الحملة العسكرية"المجنونة"من قبل العلمانيين على الحجاب، وهو ما نذكره بشيء من التفصيل في زاوية الصَّالة من هذه النافذة. على أننا يجب ألا نختزل قضية الرائدات في المحافظة على الحجاب فقط، بل أيضاً في المحافظة على هوية البيت الإسلامية، وفي مشاركتها الفاعلة في تخريج الدعاة والمجاهدين والمبدعين، ففي فلسطين -مثلا- تحولت البيوت إلى كليات عسكرية،عمداؤها الأمهات، لقد كان منظرًا مؤثرًا أن ترى أم الطفل الفلسطيني ترتدي حجاباً كاملاً، وترفع إشارة النصر وهي تشارك في تشييع جثة طفلها الصغير وثمّة نساءٌ أخرياتٌ رائداتٌ شاركن بأقلامهن في الحفاظ على الهوية الإسلامية من الاندثار فكان منهن المؤلفات والصحفيات اللواتي أضحى إنتاجهن يُتداول على أوسع نطاق دون أن تشارك إحداهنّ في الصالونات المختلطة أو تظهر متبرجةً على شاشات القنوات الفضائية. صحيح أن المجتمع لا يزال ينتظر الكثير منهن، ولكننا نعتقد أن ما قدمْنه يستحق الشكر والتقدير، ويجعلنا نطمع في المزيد منهن، وهذا جزء من حقهن. تحية إكبار وإجلال لك أيتها الرائدة حتى وإن لم يعرفك أحد، فيكفي أن الله يعرفك

المراجع

islamselect.net/mat/5927المختار الاسلامي

التصانيف

عقيدة