تمرُّ الليالي علينا مرور
وأيامنا للمنايا بذور
ولما توالت دواهي الدهور
علينا أهلَّة هذى الشهور
غدت تحصد العمر في منجلِ
وكم بذرت حبَّ آثامِه
وما بذرته بأقسامه
وقد جمعت زرعَ أعوامه
وداست بيادرَ أيامه
بناتُ لياليه بالأرجل
وكم قد ذرتهُ رياحُ الكروب
بيمنى الصبا وشمال الجنوب
وهبَّت عليه الرزايا هبوب
وقد نثرتهُ مذارى الخطوب
كنثر الحبوب في السنبل
ولما استوى غضُّ ذاك النبات
وما زَرتهُ عن تبنه الحادثات
نقت بُرَّه من تراب الحياة
وقد طحنته رحى النائبات
دقيقاً فما احتاج للمنخل
فشيب بطينة نقض العهود
ولاثته بالهجر بيض الخدود
وكم مزجته بخلف الوعود
وقد عجنته بماء الصدود
أكفُّ القطيعة في الموصل
وكم بذر عمرٍ لأيام شوم
وعامٍ عبوسٍ وشهرٍ مشوم
غدا لهوةً في لُهاة الغموم
وقد خبزته سليمى الهموم
بمسجور تنّورها المصطلى
وقد أحرزته ليومٍ عنيف
وجاءت به بالدواهي لفيف
وكم حملته لبئس المضيف
وقد قوَّرته رغيفا رغيف
فقلنا لاُمِّ الدواهي كلى
فصال المشيب بماضي الشبا
ورام الشبابُ له مهربا
فراح بأيديه أيدى سبا
ومرَّ الصبِّا كنسيم الصَّبا
ومنه الشمائل كالشمأل
تولى المشيبُ بذى شفرتين
وآب الشبابُ بخَّفى حُنين
وحلّق بالريش صفر اليدين
وطار إلى ما ورا الخافقين
يرفرف في خافقي أجدل
وفرَّ فما من وصول إليه
وكم من أمانٍ اُضيعت لديه
قد اشتعل الشيبُ في جانبيه
وضاع الشبابُ فرحنا عليه
ندور من الشيب في مشعل
لقد لعبت فيه أيدى الهموم
وقد وسَمته بوسماتٍ شوم
وقد صبغته بصبغ يدوم
وقد خضبته أكف الغموم
خضابا إلى الحشر لم ينصل
تولَى الردى بالمدُى صقله
وفوق رؤوس الورى سله
فكان كغمدٍ حوى نصله
وكان السواد قرابا له
فصار البياض شبا المنصل
فهل للشبيبة من مخبرِ
وعيش مضى للصبا أزهرِ
بأنا لما مرَّ من أعصرِ
بكينا على زمنٍ مدبرِ
كما الطفلُ يبكى على المطفل
فكم قد بكينا كمن قد بكى
ومنا الدموع كحلِّ الوكا
على زمنٍ طالما أضحكا
ولا بدَّ من بعد هذا البكا
سنبكى على الزمن المقبل
حكى أمسنا اليوم في نحسِه
وساواه إذ عاد من جنسه
ولما غدا المرُّ من غرسه
تشابه ذا اليوم مَع أمسه
فقسنا الأخير على الأول

المراجع

poetsgate.com

التصانيف

شعر  أدب  قصائد  شعراء