1 - «الحكومة العقلية» 

الدكتور أيمن عبدالخالق، صاحب مشروع «الحكومة العقلية» الذي خصص مصنفاته وأكاديميته لإحياء المنهج العقلي الأرسطي الصارم...لما صنف في «معالم النظام السياسي الفلسفي» تحدث أنه بناه على (البرهان الأرسطي المحكم) من أوله وآخره، فكان ما توصل إليه – بعد معادلاته الرياضية القطعية! - أن النظام الأوحد هو نظام الحكم الثيوقراطي المستبد باسم «الإمام المعصوم» أو الفقيه!... 

انظر مثلا قوله: «هذه الحاكمية المطلقة تستلزم – بحكم العقل – أن يكون هو تعالى مبدأ التشريع والتقنين، وأن يعين الحاكم بأمره الذي يشكل هذه الحكومة...وبناء على ذلك فإن الحاكم ينبغي أن يكون منصوبا من الله تعالى، إما بالشخص كالنبي أو الإمام، وإما بالوصف كالحكيم أو الفقيه...ويتبين أن الحكومة الإسلامية عهد إلهي، وليست مجرد سلطة أو عقدا اجتماعيا» (ص109-111)

دائما أضرب هذا مثالا على الحالة المزرية المهولة التي يمكن أن يبلغها العقل المشائي البرهاني حين ينطلي عليه الخلل في حجته التي يظنها برهانية، فيبني عليها صرحا يخلده وينعته بأنه ضرورة عقلية لا تقبل الشك، ويناضل لأجله بني الأحمر والأصفر والأبيض والأسود، كما تفعله أيضا الفرق المذهبية الدينية الغارقة في ادعاء «اليقينية» حتى في سفك الدماء وافتعال الحروب!

ولن تقف الأزمة عند الوصول إلى نتائج من هذا القبيل، بل ستتبعها آيديولوجيا تدعو «المراكز الفكرية والفلسفية الغربية المعاصرة أن تراجع حساباتها في طبيعة تعاطيها مع المنهج العقلي، وأن تتخلى عن نظرتها السطحية والسلبية للمنطق الأرسطي!» كما يتحدث أيمن عبد الخالق نفسه في «المشروع الحضاري»! (ص36)

شغل الفلسفة الحديثة والمعاصرة هو في دوامة هذه الأزمة: ما بين باحث عن حل لتجاوزها عبر عقلانية جديدة غير أرسطية، أو وجودية إنسانية، أو ظاهراتية، وغيرها... 

وبين والغٍ فيها ولكن بمسميات أخرى صريحة أو ضمنية وآخر ناقد يائس عن بلوغ أفق علاج إلا في الخروج عن «النسق».

 

2 - « التنين» 

لماذا يورد توماس هوبز فصلا خاصا في اللغة في الباب الأول من كتابه «اللفياثان/ التنين» وهو كتاب في الفكر السياسي ونظرية العقد الاجتماعي؟

يحاول المترجم أن يجيب في الهوامش بأن من مهام اللغة الأساسية تحديد العلاقة بين الدال والمدلول، وبالتالي للسلطة السياسية الحق في فرض رؤيتها في هذا الصدد.

غير أن الجواب الأدق هو ما يوضحه هوبز نفسه، لكن بعد نحو 600 صفحة من الكتاب نفسه، حين يقول:

«ولكن قد يتساءل أحدهم: لم كل هذا الدخول في تفاصيل مؤلف من هذا النوع، حيث لا أطمح إلى أكثر مما هو ضروري لنظرية حول الحاكمية والطاعة؟

إن الغرض من هذا هو ألا يتحمل البشر بعد الآن أن تساء معاملتهم على يد الذين – بواسطة هذه العقيدة عن الجواهر المنفصلة المبنية على فلسفة أرسطو الباطلة – يبعدونهم عن طاعة قوانين بلدهم بواسطة أسماء فارغة، كما يبعد الناس الطيور عن الذرة بواسطة سترة فارغة»

ما يقصده هوبز أن ينحو باللائمة على الوهم اللغوي الذي ينتكس بسببه الفهم، فيظل قابعا فيما سماه «الظلمة المتأتية من الفلسفة الباطلة والتقاليد الخرافية»... فبالنسبة له: المفاهيم الأرسطية لـ: الجوهر، والماهية، والمادة، والمقولات، هي تسميات ذهنية محضة، وما في الخارج منها شيء آخر، فإذا لم ينتبه المتفلسف الأرسطي لهذا الفرق الدقيق تعود على تصديق أي وهم، ومنها الأوهام التي تطلقها المدارس الدينية الأرسطية في زمنه حين تتصدى للأحكام القيمية على الأشياء بالخير والشر، فتعارض القوانين الناتجة عن العقد الاجتماعي والتي هي الأحق عنده بالأحكام القيمية.

لم أجد لغاية الآن طرحا دقيقا مفصلا في علاقة فلسفة اللغة بالتأثير الحداثي على الفكر قبل أطروحة توماس هوبز هذه، وهي بطبيعة الحال مساهمة من داخل المذهب «الاسمي» المشهور.


المراجع

addustour.com

التصانيف

أدب  مجتمع