امرأةٌ بلا جسد
عطا الله شاهين
يتلعثمُ اللسان ويتوه الأُفق أمامي
وأنا أقفُ مصدوماً مِنْ رؤيتي لامرأةٍ بلا جسد
تتسمّر أمامي بعينيها الغائرتين
وجِلدها المُلتصق بهيكلها العظمي
امرأةٌ حنى الزّمن ظهرها وتقوّس
وغزا الشّيبُ شعرها
وحفرتْ التّجاعيد محيّاها
كانتْ تقفُ بلا كلام
وكأنها بلهاء
لكنّني حدّقت بعينيها الغائرتين ، في جبينها الذّابل
فشاهدتُ مآسي الدُّنيا
وأيقنتُ بأنّها ضحيةُ فقر احتلّ جسدها وأنهكها
وحينما استمررتُ في التّحديق
رأيتُ العجب العجاب
كانتْ عينيها تحكيان لي قِصّة الموت
هي تقفُ أمامي بلا كلام
وكأنّ الكلام انتهى
ولكنّني فهمتَ أنّ الحاكمَ قتلَ الشّعب
حاكمٌ سرقَ البلادَ وخلّى الشّعب مُتسولاً
امرأةٌ بلا جسد تقفُ عاجزةً عنْ الكلام
ففهمتُ مِن عينيها الحزينتين
بأنها تعيش وحيدة
والحكومة لا تبالي بنسوةٍ مثلها
فهي لمْ ترِدْ شيئاً مِنّي سوى الابتسامة
وبدل الابتسامة سالتْ مِنّي دمعتين
وعرفتْ أنّ الدُّنيا فيها بقايا أُناسٍ طيبين
حاولتُ التّكلم معها ، ولكنّ لساني بقي مُتلعثماً
فالصّورة أمامي كانتْ قاتمة
ولنْ يكون المشهد فرِحاً
امرأةٌ بلا جسد قتلتني بهيئتها
تطلُّ عليّ مِنَ العدم
تراني عاجزاً عَنْ الكلام
فتُدرك أنّ المشهدَ حزينٌ
وأنا أقفُ حزيناً لا أقدر على التّزحزح
كانتْ تقفُ بانحناءِ ظهرٍ قتله الكدْح
جسدٌ بلا لحم وعظمٌ يُكاد يبرز مِنْ تحت
جِلدها المُتهدّل
فالصّورة ما زالت عالقة بذاكرتي لامرأةٍ بلا جسد
امرأةٌ تستعد للمنيّةِ بكُلِّ حزمٍ
فهي لنْ تعودَ كما كانتْ
امرأةٌ جعلتني أبكي كُلّما عُدتُ للوراء
تركتها تذهبُ لوجهتها
وأنا عُدتُ مهموماً إلى مهجعي لأُصلّي
فالصّورة لامرأةٍ بلا جسد ما زالتْ
مُعلقةٌ على جُدرانِ ذاكرتي
وكُلّما أراها ابكي
فالصّورة ما زالتْ قاتمة ولنْ
تصبحَ مزهوةً ما دام الفقر يُلاحقنا
فرفقاً يا أيها الحاكم بنسوةٍ تُركنَ
للزّمن الصّعب
فيا حبّذا أنْ ترى المساكين
فحينئذٍ ستعرفُ معنى المُعاناة

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

شعر  أدب  قصائد  شعراء  ملاحم شعرية