معسكرنا مجموعة من الخيام، انتصبت في الصحراء لا تعرفها الشياطين، وتخلو من كل مقومات الحياة الطبيعية، حتى الهواء فيها يختلف عن الهواء في باقي الكرة الأرضية، فتشعر دائما انك تتنفس بصعوبة... رمالها صفراء توحي لك بالكآبة التي تعيشها في تلك المنطقة... كان عددنا ثلاثين جنديا... جاء اختيارنا من آلاف الجنود... ولم يكن اختيارا عشوائيا كما سيخطر في بالك، إنما كان بعد اجتياز مجموعة من الاختبارات، لم نكن نعلم أنها سوف توصلنا إلى هذه المنطقة... فقد جمعنا قائد الكتيبة يوما، وتحدث لنا عن موضوع اختيار مجموعة من الجنود للسفر إلى بعض الدول الأجنبية ... وبدأنا نعد العدة، وحاولنا دائما إن نكون الأفضل، وبعد كل اختبار نشعر إننا اقتربنا من بلاد الحضارة والرقي.. والترف.. والنعيم، وإننا على قيد أنملة من رؤية الفتيات الشقراوات، وما نحلم به وما لا نحلم به، وجاء اليوم الموعود، وصدرت قائمة بأسماء الجنود الذين تم اختيارهم.... وأصابنا الفرح... ورقصنا كما لم نرقص من قبل، وطارت بنا الأحلام إلى حيث لا ندري... حملتنا إحدى الحافلات الضخمة الجميلة ونحن نسبح في حلم جميل ... بل قل أحلام كثيرة ، لم ينقطع حديث الفرح بين الزملاء طوال الطريق ... ولم نستيقظ من أحلامنا إلا في هذه الصحراء . عندما بدأنا نصب هذه الخيام ، ونحن لا نعلم لماذا نقيم مثل هذه الخيام في هذه الصحراء الموحشة . واستيقظنا في اليوم التالي على صوت أجش ... جهوري.... مرعب يأمرنا بالنهوض والخروج كما نحن .... وبدأت رحلة المتاعب... كان هذا صوت مدربنا ، الذي قال لنا بكلمات مختصرة فيها الشدة والصرامة .... أنتم المميزون ... أنتم الفرقة اثنان وسبعون.... ومنذ اليوم سوف تنسون أسماءك....وسوف يصبح لكم منذ اليوم أرقام، هي الوحيدة التي تعرف عليكم ، وبدا يحذف أسماءنا ويستبدلها بأرقام لاحظت غرابتها بعض الشيء ، وتباعدها ، لكنها لا تخلو من رابط يربطها رغم تباعدها ، 81، 36، 333، 351، 441، 522، ولم يفتني لغز هذه الأرقام ، فكلها عند جميعها تعطي الرقم 9 ، حتى رقم الفرقة 72 ، مجموعه أيضا 9 تم توزيع الأرقام وحفظ كل منا رقمه بيسر وسهولة ، وزمجر المدرب بصوت كالرعد وقال لنا : هذه الدورة عبارة عن مجموعة أوامر تبدأ بالرقم واحد وتنتهي بالرقم 72 وارتاحت نفوسنا قليلا عندما علمنا أنها لا تزيد على اثنين وسبعين أمرا ، وبدأنا نحلم من جديد بالرحيل من هذه الصحراء .
ويقطع علينا حلمنا المدرب وهو يقول : الأمر الأول في هذه الدورة سيكون هذه الصافرة ، مجرد سماعها يجب عليكم الانطلاق والجري إلى النقطة (ج) والعودة ، ويجب عدم التريث ، والتمهل مهما كانت الظروف ، عليكم الانطلاق ومن يتأخر سوف يكون حسابه عسيرا. . كانت الصافرة تدوي في رؤوسنا ، كلما سمعناها انطلقنا كما نحن حفاة ... عراة ... لا نلوي على شيء ، حتى مقتنا أنفسنا ، وكرهنا كل أنواع الصافرات ، بعد الصافرة مباشرة كان يدخل علينا كالوحش ... يتفقدنا ومن يتأخر أو يتلكأ يأمره بعدم الركض ... يبقيه عنده ... والبقاء ليس احمد من الذهاب فقد عدنا من جولتنا يوما وكان أحد زملائنا قد تلكأ في الركض ورأيناه ... وهو يدوس على وجهه ويأمره بتناول قطعة من الدهن قد تعفنت وأصابها الجرب ولم يرفع قدمه عنه إلا بعد أن أكلها ولم يبق منها شيء. كرهنا صوت الصافرات بكل أنواعها ودعونا الله أن يريحنا من صوت صافرة المدرب هذه ... وبعد عدة أيام شعرنا بالفرح والمدرب يقول يلغى الأمر الأول من هذه الدورة ويستبدل بنهيق الحمار . في البداية لم نفهم ما قال ... أو تجاهلنا و لكنه أكد لنا أن دور الصافرة قد انتهى و أن علينا الانطلاق و الجري متى سمعنا صوت نهيق الحمار ... نظرنا في وجوه بعضنا بعض ... وسمعنا همس بعضنا ، ربما آن لنا أن نستريح ... و فعلا تمددنا على أسرتنا كما لم نتمدد قبل ... و بدأنا نحلم من جديد ... فقد اصبح لدينا متسعا من الوقت لنحلم ... ومر اكثر من ثلاثة أيام ونحن لا نخرج إلى الجري سوى مرة في اليوم وشعرنا بالراحة ... وجلسنا الليالي ندرس حالة الحمير النفسية ، وما الذي يثير شهية الحمير للنهيق وهل النهيق فعل إرادي أو لا إرادي ... وان كان لاإرادي كيف نستطيع الحد منه وأوصينا بعضنا بعضا بالا تكون تصرفاتنا عشوائية مع ذلك الحمار حتى لا تنقلب الأمور علينا ، وحدث ما لم يكن يخطر في بالنا .... ووقع المصاب واختفى الدواء ... ، ففي إحدى جولات الركض اليومي حدث أن تأخر ثلاثة زملاء لنا ... وحاول المدرب معرفة سبب تأخرهم ولكنهم تعللوا بالتعب والإرهاق الذي أصاب أجسادهم النحيلة ، ولكنه لم يقتنع وصرخ بأعلى صوته بأنه مطلوب منه أن يموت 10% من المتدربين فلا داعي للشكوى ، لن ينتقل للمرحلة القادمة إلا من هم أكفاء لذلك ، هكذا هي الأوامر ... الأوامر من فوق ... وهمدنا في أسرتنا بعد تعب طويل .... وباح أحدهم من الثلاثة الذين تخلفوا وقال يهمس في آذان الفصيل... الحمار لن تسمعوا صوته بعد الآن... ليبحث هذا المدرب عن شيء آخر غير هذا الحمار، لن نتلقى الأوامر بعد اليوم من حمار آلا تشعرون بالإهانة من المثول لأمر الحمار .... انبرى أحدهم من تحت الغطاء وقال:
_ ماذا فعلتم ....هل ارتكبتم جريمة قتل .....هل قتلتم الحمار؟؟؟
_ أشبعناه قتلا ....ثلاثة عصي مدببة انغرست في جسده
أكثر من مائة مرة ، ضرب حتى لفظ أنفاسه الأخيرة .استرحنا أكثر من ثلاثة أيام ، ونحن لا نركض ، استرخت أجسادنا ، أصابها الخمول ، بقينا في انتظار نهيق الحمار....ولكن الحمار .... أصابنا الرعب والفزع ونحن نرى المدرب يهرول باتجاه الحفرة التي أودعنا فيها جثة الحمار المسكين ، الذي لا ذنب له سوى نهيقه...علمنا أن سياط من الويل والغضب ....من الذل ولإهانة ....من السخط والألم سوف تسقط فوق رؤوسنا بعد اكتشاف جثة الحمار.
ويعود المدرب وهو يلهث وينظر في وجوهنا ، كأننا المتهمون بقتل كندي ...أو رابين ... بدأت قلوبنا بالرقص ....وفرائصنا ترتعد والصفرة قد طغت على لون وجوهنا ... فشعرنا بالندم لموت الحمار ...وأي ندم ..ولكن المدرب لم يقل شيئا ، لم يوجه التهمة لأحد ، لم يحاول الاستفسار عن الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، اكتفى فقط بالنظر إلى وجوهنا ، وقال بصوت رخيم ، فيه الحزن والأسى ، سوف نضطر لاستبدال الأمر رقم (2) بالأمر رقم (13) ، وأضاف قائلا : وذلك أن من قواعد انضباط دورتنا أنه في حال انتهاك حرمة قانون ما نضطر بالقفز إلى الأمر (13). وسوف أخبركم غدا ما ينص عليه الأمر (13) ، والآن يمكنكم
الذهاب إلى نومكم .
وفي اليوم التالي كنا نقف أمام المدرب ونحن نفكر في الأمر الجديد ومدى صعوبة هذا الأمر.
وتلعثمت شفتا المدرب وهو يقول : بما أنكم قد خرقتم قانونا وأمرا من أوامر هذه الدورة فيجب أن تعاقبوا وعقابكم سيكون خلال بضع ساعات قادمة ، فحتى يجيء الأمر من القيادة عليكم الذهاب إلى أسرتكم وانتظار الأوامر .
وذهبنا نجر أقدامنا إلى أسرة قد ملت أجسادنا ...والقينا بجثثــنا على أسرتنا ورحنا نحدق في السماء ....لم يتكلم أحد منا .....لم نسمع كلمة ، فقط الصمت هو الذي يتكلم .....لقد وصل الأمر إلى القيادة ، والقيادة لن تكون أرحم من المدرب ، ....ما العقاب الذي سيحل بنا ...أي ذنب ارتكبنا .
إنها غلطة جزء فلماذا يعاقب الكل ، أحسسنا أننا لن نكمل هذه الدورة ....فهي تمتلئ بالصعوبات ....تمنينا لو فشلنا قبل وصولنا إلى هنا ...تمنينا لو أننا لم نثابر ونجتهد ، اشتقنا إلى وجوه أمهاتنا ، إلى لمس أيدي آبائنا ، إلى رؤية وجوه إخوننا وأخوتنا ، ولكن الأماني دائما لا تشبه الحقائق....استيقظنا من أحلامنا على أصوات كلاب ،كلاب كثيرة خيل لنا أنها ستملأ المعسكر ، اختلسنا النظر إلى الميدان الذي غص بالكلاب السوداء ، وقد أمسك بكل واحد منها جندي لم نره من قبل ، بل إنها سيارات كبيرة تنزل منها الكلاب ....لماذا هذه الكلاب؟؟؟؟ كنا لا نعلم حتى دخل المدرب وقال لنا ، بعد أن انتظمنا في صفوف متساوية ، جاءت أوامر من القيادة بأنه يجب عليكم مصارعة هذه الكلاب التي تسمعون أصواتها ، فهذه الكلاب بعددكم ثلاثون كلبا ، ستقابل ثلاثين جنديا ، وعلى كل واحد منكم محاولة القضاء على الكلب الذي خصص له أو وكلبه ، نظرنا إلى الكلاب من طرف خفي .... كانت تمد ألسنتها الحمراء وكأنها تريد ابتلاعنا .. وعيونها قد اتسعت واحمرت ... وشعرها الأسود قد انتصب وكأنه يعلن الاستعداد للمعركة ، تساقطت دموع بعضنا وهو يشعر بأنه لن يعود من هذه المعركة ، وعانق بعضنا بعضا ، تعانقنا أيما عناق وانتظرنا من جديد أمر المدرب بالخروج لملاقاة الكلاب .
كانت معركة عنيفة ...ضارية ...، فقدنا فيها الكثير من زملائنا وإخوننا ، وفقدنا فيها الكثير من أعضائنا الهامة...والضرورية ، الحساسة ... قل عددنا كثيرا ...وتذكرنا كلام مدربنا وهو يقول لنا ، أن من مؤشرات نجاح هذه الدورة ، أن نفقد 10% من المتدربين ولكن قد نكون قد فقدنا أكثر من ذلك عدنا ، كانت الدماء ما تزال تنزف من أجسادنا ، ووجوهنا قد مزقتها مخالب الكلاب الضارية ، كنا نجر أجسادنا المتعبة بإتجاه العنابر المخصصة لنا حين استقبلنا المدرب وقد وقف إلى جانبه مجموعة من الرتب التي تمثل مراكز حساسة في مثل هذا المكان ، حاولنا أن نقف في صف منتظم ، وقد حمل كل منا على كتفه الكلب الذي قتله أثناء المعركة أو الكلب الذي خصص له ... جاءنا الأمر من المدرب بإلقاء الكلاب الميتة المقتولة إلى جانبنا و التقدم إلى صاحب الرتبة الكبيرة الذي قلدنا وسام الشجاعة من الدرجة الأولى وهو عبارة عن صورة كلب شرس له أنياب حادة على قطعة من النحاس بحجم قطعة نقدية معدنية وعلقت الأوسمة على صدورنا ....وتمنينا لو أن رفاقنا الذين ماتوا واستشهدوا لو كانوا معنا ....قال المدرب وهو ينظر في وجوهنا وقد أصابها الإعياء و التعب لم يبق من الأوامر الكثير .....ولم يبق لسفركم إلى الخارج إلا بضع خطوات. في اقرب فرصة ستكونون على متن الطائرة المغادرة إلى حيث تمنيتم ..... وفي يوم آخر استيقظنا على صوت محرك حافلة كبيرة ،طارت قلوبنا من مكانها ونحن ننظر إلى هذه الحافلة ، إنها نفس الحافلة التي أقلتنا إلى الصحراء .... دخل المدرب علينا
وهو يبتسم وقال:
احزموا أمتعتكم ، سوف نغادر هذه الصحراء الآن ، وبعد أن سارت بنا الحافلة قليلا ، وقف المدرب ، وعبر الميكرفون الداخلي أعلن لنا ، أنه قد وصل إليه الأمر 72 من القيادة، والذي ينص على إلغاء الدورة أو تأجيلها إلى إشعار آخر، قد يصل إلى مائة سنة أخرى أو يزيد .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب