فتح خيبر
من الإجراءات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أن كتب وثيقة تحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، فقررت الصحيفة حرية الدين لليهود ولقبائلهم وبطونهم التي سبق أن تحالفت معها بطون الأوس والخزرج.
شريطة مراعاة حقوق المواطنة، ومما جاء في الوثيقة: "وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم…".
غدر اليهود ونقضهم للعهود
غير أن اليهود لم يحترموا نصوص الوثيقة التي تنظم الحياة في المدينة، ونقضوا العهود، وهموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فعصمه الله منهم، وسعوا بالوقيعة بين الأوس والخزرج .
وكادت تحدث فتنة بينهما، ونقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق ...
فعلقبهم صلى الله عليه وسلم فأجلى يهود بني قينقاع من المدينة ثم تبعهم يهود بني النضير، ثم قضى على يهود بني قريظة لخيانتهم له صلى الله عليه وسلم وتعريضهم المدينة للدمار.
ولم يبق لليهود سوى خيبر، وهي قرية كبيرة تقع شمال شرقي المدينة بنحو 180كم، يسكنها بعض اليهود الذين لم تبد منهم بادرة سوء للمسلمين، فاحترم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) موقفهم وحيادهم، غير أنهم تبدلوا وجعلوا من بلدهم مركزًا لتجمع اليهود.
فنزل عندهم يهود بني قينقاع وبني النضير، وصاروا يهددون المسلمين بمؤامراتهم، وأصبحوا خطرًا على الدولة الإسلامية، ولا سيما أن خيبر تقع على الطريق المؤدي إلى الشام، فلزم تطهير ذلك الطريق من خطرهم، والقيام بتصفية بقايا الوجود اليهودي في شبه الجزيرة العربية.
الخروج إلى خيبر
لم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يعود من الحديبية ويستريح بالمدينة شهرًا أو نحوه، حتى خرج إلى خيبر في ألف وستمائة مقاتل، وكان يهود خيبر من أشد الطوائف اليهودية بأسًا وأكثرهم مالاً، وأمنعهم حصونًا، وأكثرهم سلاحًا.
حتى إن قريش وعرب الجزيرة وقفوا ينتظرون ما يسفر عنه التقاء القوتين، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخرج معه إلا من شهد الحديبية، وهم صفوة المسلمين.
وكانت خيبر مكونة من ثلاث مناطق تضم قلاعهم وحصونهم، وتمتلئ بنحو عشرة آلاف مقاتل، والمناطق الثلاث هي:
ـ منطقة النطاة، وبها حصن ناعم، وعليه "مرحب"، وهو واحد من أبرز زعماء خيبر وفرسانها، فضلاً عن حصنين آخرين، هما: حصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير.
ـ منطقة الشق، وبها حصنان.
ـ منطقة الكتيبة، وبها حصن "القموص" لبني الحقيق من يهود بني النضير، وحصنان آخران.
خطة الفتح
أعاد النبي صلى الله عليه وسلم توزيع جيشه، فقسمه أربع فرق: واحدة بقيادة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والثانية بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والثالثة بقيادة سعد بن عبادة رضي الله عنه ، والرابعة بقيادة الحُبَاب بن المنذر رضي الله عنه ، وأمّر على الجيش علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) .
وكان حصن "ناعم" أول حصن يهجم عليه المسلمون، وكان محصّنًا تحصينًا منيعًا، ودار أمامه قتال عنيف دون أن يتمكن المسلمون من اقتحامه؛ نظرًا لاستماتة المدافعين عنه، واستمر القتال طوال اليوم دون تحقيق نصر، وجُرح من المسلمين خمسون.
واستشهد واحد منهم، وفي اليوم التالي خرج "مرحب" قائد الحصن مختالاً بقوته وسلاحه، ودعا المسلمين إلى المبارزة، فبرز إليه "محمد بن مسلمة" ونجح في قتله، وقيل قتله علي بن أبي طالب، وتمكن أبطال المسلمين من قتل إخوة "مرحب" وكانوا أبطالاً صناديد، وكان لقتلهم أثر في إضعاف معنويات المدافعين عن الحصن.
وبعد قتال دام خمسة عشر يومًا تمكن المسلمون بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فتح الحصن، والاستيلاء عليه، وفر من بقي من اليهود إلى حصن "صعب"، وكان حصنًا منيعًا هو الآخر، وأوكل النبي صلى الله عليه وسلم مهمة فتح هذا الحصن إلى "الحباب بن المنذر" رضي الله عنه الذي نجح في اقتحامه واستولى على ما في الحصن من أسلحة وعتاد، حيث كان يُعد هذا الحصن مخزنًا لأسلحة يهود خيبر، ومعداتهم الحربية من سيوف ودروع ومجانيق.
وبسقوط هذين الحصنين علت كِفّة المسلمين في الحرب، وأيقن اليهود أنهم لا قبل لهم بالمواجهة العسكرية، فطلبوا الصلح، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وعقد معهم معاهدة كان من بنودها أن يجلوا عن خيبر إلى الشام.
ويسلّموا قلاعهم وحصونهم إلى المسلمين بما فيها، لكنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يظلوا يعملون في أرض خيبر مقابل نصف ما تنتجه، وأن يكونوا في حمى المسلمين وتحت حكمهم، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى الرغم من تحقيق هذا النصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود معاملة حسنة، فرد عليهم صحفًا من توراتهم حين طلبوها منه، وكانت قد وقعت فيما وقع من غنائم للمسلمين، ولم يصنع النبي صلى الله عليه وسلم مثلما صنع الرومان حين فتحوا أورشليم؛ حيث أحرقوا الكتب المقدسة.
المراجع
www.alrashead.net/index.php?partd=2&derid=1783
التصانيف
سياسة