لست أدري.. لماذا تقفز إلى مخيلتي صورة الإفريقي الممتلئ الذي ينزُّ الزيت من وجنتيه المستديرتين، بينما يمتد انتفاخ بطنه إلى الأمام ساحباً معه القميص والحزام و السروال..تلك الصورة التي اعتادت المجلات الأجنبية أن ترسمها للساسة والزعماء الأفارقة الذين تعاني دولهم الفقر و الجوع و المرض..
تلك الصورة تقفز إلى مخيلتي كلما قرأت خبراً من شاكلة تلك الأخبار المقززة والمثيرة للزكام التي أصبحت نمطاً معتاداً منذ أن ظهر في الوجود شيء اسمه حكومة الجنوب.. فإذا كانت الفوضى الأمنية، و الرصاص الطائش و غير الطائش، والاختطاف واغتيال التجار قد أصبح جزءاً من المشهد اليومي في الجنوب.. فإن الفساد المالي صار كذلك أحد ملامح الإدارة في تلك الحكومة. العميد م.(مارتن ملوال)- العضو السابق بمجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، والمقرب من الحركة الشعبية حالياً- و (آيزك ماكور أتيم) مدير عام وزارة المالية بحكومة الجنوب، كانا بطلين لواحدة من قصص الفساد المالي تلك..فقد نقلت الأخبار (المقززة) أن سلطات حكومة الجنوب ألقت القبض على الرجلين و قامت بإيداعهما السجن بتهم تتعلق بفساد مالي تتجاوز مبالغه مائتي مليون دولار أمريكي..
و كلا الرجلين كان يقف على رأس بوابات المال في حكومة الجنوب..فالأول كان على صلة بالأعمال المرتبطة بالمشتروات الداخلية و الخارجية للجنوب، و الثاني بيده مفاتيح وزارة المالية في تلك الحكومة التعسة الموبوءة.. وسواءً كان الرجلان مذنبين أم بريئين، فالحقيقة هي أن الفساد في الجنوب قد اقتنص أموالاً كثيرة كان الأصل فيها أن تذهب للتنمية والتعمير حسب اتفاق نيفاشا المشؤوم.
و الأرقام المخجلة تتكرر كثيراً، فبين الـ25 مليون دولار في أرصدة الكبار..إلى 60 مليار جنيه التي اختفت حتى أعلن عن فقدانها خطاب الرئيس في مناظرته الشهيرة مع نائبه الأول في حفل ذدرى توقيع إتفاقية السلام بجوبا..و حتى هذا الرقم الأخير المذهل الذي يتهم به العميد التاريخي ملوال و صاحبه آيزك.. هذا بالإضافة إلى أشياء مخجلة من قبيل تولي بعض الكبار رئاسة إدارة شركة بترولية أجنبية تستثمر في الجنوب و تستغل الشركة سلطات ذلك الكبير للاستيلاء على حقول النفط و انتزاعها من شركات أخرى تملك الحق القانوني في الاستثمار فيها..
إنها ظاهرة تستحق الدراسة..(لماذا تتحول الحركات التي تتمرد من أجل التحرير و الإصلاح إلى عصابات للفساد، و أوكار لتفريخ النهابين)؟.. و هل كان المواطن في ذلك الجزء المنكوب من الوطن يتجرع 23 عاماً من الحرب والقتل والتشريد والدمار ليكون حصاده في خاتمة المطاف هي السقوط في وكر (لمصاصي الدماء و الأموال) لا يأبهون لمعاناته و آلامه؟ ..لماذا تقوم تلك الحركات أصلاً إذا كانت نهايتها على تلك الشاكلة؟.
و أخيراً فإن هذا النموذج ليس خاصاً بالجنوب فقط، بل هو متكرر في كل الوطن، و ما حوله من البلدان، و إن اختلفت الصور، و لكن المضمون واحد.



أ. أحمد إسماعيل
صحفي و كاتب سوداني

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية