جاك لاكان

نال جاك ماري إميل لاكان (ولد عام 13 نيسان (آبريل) 1901 ومات  في عام 9 أيلول (سبتمبر) 1981) مكانة هامة في فضاء الفكر بمدينة باريس معظمَ القرن العشرين. يشار إليه أحيانًا باسم “فرويد الفرنسي”، ويعتبر كذلك شخصية مهمة في تاريخ التحليل النفسي. كما سلطت تعاليمه وكتاباته الضوء على أهمية “اللاوعي” الذي اكتشفه فرويد في التحليل النفسي بشقيه النظري أو التطبيقي، وأهمية اكتشافه كذلك على جملة من التخصصات الكثيرة الأخرى. أعمال لاكان في هذا الصدد لا تقدر بثمن، سيما بالنسبة لأولئك المهتمين بالأبعاد الفلسفية للفكر الفرويدي، وعلى مدار ما يناهز الخمسين عامًا وأفكاره في التحليل النفسي تعد مركزية، خاصةً لدى الأوساط المهتمة بالفلسفة القارية (الأوربية).

لمحة تاريخية   

  وقت رُخص للاكان بمزاولة الطب النفسي، باتت باكورة كتاباته تبرز نهاية العشرينات من القرن العشرين (حين دراسته الطبَّ النفسي) غير أن نشاط لاكان الفعلي في النشر أنطلق في عقد الثلاثينات حيث شهدت عدة معالم بارزة في حياة لاكان: نشره أطروحةَ الدكتوراه في الطب النفسي عام 1932 بعنوان (ذهان جنون العظمة وعلاقته بالشخصية)، وتعاونه مع الحركات الفنية السريالية والدادائية وصحبته لها في حلها وترحالها، وخوض تجربة التدريب في التحليل، ويشمل ذلك تلقي الارشاد من أستاذه عالم النفس رودولف لوينشتاين، وحضوره الندوة الشهيرة لقراءة ألكسندر كوجيف أطروحةَ هيجل عن ظاهريات الروح، والعرض الأول للنظرية المشهورة حاليًا المسماة “مرحلة المرأة” الذي قدمه في مؤتمر الرابطة الدولية للتحليل النفسي مؤتمر IPA)  ) المقام في مارينباد عام 1936 (وذلك مع تقديم مختصر قدمه إرنست جونز، صديق فرويد وكاتب سيرته، ورئيس جمعية الرابطة الدولية للتحليل النفسي آنذاك)؛ ونشر مقالة قيمة في الموسوعة الفرنسية عام 1938 حول موضوعات شتى بعنوان (العائلة المعقدة الأواصر، في تشكل الفرد: محاولة في تحليل الوظيفة بعلم النفس).  وقد تميزت هذه الفترة الحرجة من تطور لاكان، بما مر بها من تضارب بالمصالح والتأثير الذي طرأ على فكره، وذلك لأنه انكب يقرأ في التحليل النفسي والطب النفسي والفلسفة والفن والأدب، وغير ذلك من مجالات أخرى.  وبتحديد أدق، قد تأتت له جملة من المعارف المتداخلة اثناء فترة اطلاعه على التحليل الفرويدي، بالإضافة إلى الديالكتيك الهيجلي، وبيداجوجيا كوجيف، وقد أطلع على تجارب مختلفة عن “الجنون” من مناظير متعددة؛ الأمر الذي ترك أثرا لا يمحى على بقية مساره الفكري. 

    لم يكن من الغرابة أن يحول نشوب الحرب العالمية الثانية بين لاكان والاستمرار بجهوده العلمية (وبالطبع ينطبق ذلك على حركة التاريخ عموما) لما تحدثه الحروب من اضطرابات وقلاقل، فتوقفت أنشطته في التحليل النفسي، وانقطع عن تدريبه فيها (فلم يتوصل إلى اتفاق مع لوينشتاين على ما إذا كان هذا التحليل قد أنجز بإتقان كما ينبغي، إذ قرر لاكان أن ينهي الأمر، ولم يعد لأريكة لوينشتاين مرة أخرى الأمر الذي أثار اللغط [عن أسباب ذلك]). لكن أتاح ذلك للاكان الفرصة في أن يتعرف على الطب النفسي العسكري في كل من فرنسا وإنجلترا، خاصة عندما زار إنجلترا ومكث بها خمسة أسابيع، وقد تعرف بها على التحليل النفسي البريطاني (سُردت ملامح هذه الزيارة في “الطب النفسي البريطاني والحرب”  1947). وقد كتب جملة من النصوص المهمة أثناء الحرب وبعدها، وأعيد طباعة كتاباته في نهاية المطاف في كراريس، هي: “ماغنوس أوبس، الكتابات” (1966) و”الزمن المنطقي وتأكيد اليقين المتوقع: صوفية جديدة” (1945) و”عرض عن السببية النفسية” (1946)، “العدوانية في التحليل النفسي” (1948)، و”مرحلة المرآة كتشكل لوظيفة الأنا كما تتجلى في تجربة التحليل النفسي” (قُدمت عام 1949 في مؤتمر الرابطة الدولية للتحليل النفسي IPA) ) في زيوريخ – بينما فقدت نسخة 1936 المقامة في مارينباد Marienbad، وهذا الإصدار هو النسخة الباقية التي اعتمدت في كتابه المعنون “الكتابات”).    

كما كان العقد اللاحق [الأربعينات] محوريًا في مسار لاكان العلمي، فقد أحتفي به محللا نفسيا جديرا بالاعتبار، واستطاع أن يشق طريقه كصاحب أطروحة مهمة وأصيلة. ونشط في هذه الحقبة، إذ عقد سبع حلقات دراسية سنوية، وكتب عدة مقالات نالت شهرة واسعة النطاق، وقد ضُمت لاحقًا في كتاب بلغ عدد صفحاته التسعمائة (كان عددٌ عصارةَ ما ورد في الندوات السنوية التي أقامها).  في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، بدأ لاكان يقارب أطروحة فرديناند دي سوسير في البنيوية وميراثه الذي حمل لواءه كتّابٌ كبار بحجم كلود ليفي شتراوس، ورومان جاكبسون. ساهم كتاب ليفي شتراوس “البنية الأولية للقرابة” عام 1949 في إطلاق الحركة البنيوية الفرنسية التي ازدهرت خلال الخمسينات والستينات، وقد نافست الوجودية على الصدارة في فرنسا آنذاك.  لقد أسس “ليفي شتراوس” علم الإناسة على أساس بنيوي، وفعل ذات الأمر رولان بارت في الدراسات الأدبية الثقافية، ولويس ألتوسر في الماركسية. وفي نهاية الخمسينات، [تحديدا] بين عامي 1959و1960، حدث تحول جذري في فكر لاكان، فقد نحى منحًى بنيويا كما في الأطروحات الأخرى التي ذكرتُها آنفا، إذ قد أسس التحليل النفسي الفرويدي على أساس بنيوي، وكان قد أسسه تحت شعار “العودة إلى فرويد”، وفق معتقد لاكان الشهير الذي يؤكد على أن “اللاوعي مصاغ بنيويا كاللغة”. قدم لاكان نفسه أنه المنافح الوحيد عن التقاليد الفرويدية عما يحدق بها من أخطار تهدد بزوالها؛ فقد زعم أن تقاليد فرويد قد هجرت وحرفت في حقبة ما بعد التحليل الفرويدي، خاصة لدى “علم نفس الأنا” الانجلو-أمريكي، كما عزز ذلك “الترويكا”[1] هم: هاينز هارتمان، وإرنست كريس، لوينشتاين الذي كان معلماً للاكان بالتحليل النفسي سابقا.  ظل لاكان يصر على أن استرداد أهمية اللغة الجوهري بحسب ما قدمها دو سوسير في خدمة التحليل سواء السريري أو الميتا-سيكولوجي هو السبيل الصحيح للسير قدما بنهج فرويد الثوري نحو الذاتية السيكولوجية، وأعلن عن كل هذا بالتفصيل في بيانه التأسيسي المطوّل الذي نشر في كتابه “كتابات” 1953 بمسمى: “وظيفة ومجال الكلام واللغة في التحليل النفسي” (يشار إليها غالبًا باسم “خطاب روما” نسبةً إلى مكان إلقائه). تزامن هذا البيان مع اشتراكه مع آخرين في مغادرة الجمعية الباريسية للتحليل النفسي (SPP)، وتأسيس الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي (SFP) ، مرد ذلك أساسا كان لتبني الجمعية الباريسية للتحليل النفسي (SPP) نموذجَ تدريب طبيّا يقارب النموذج العلمي السائد في المعاهد الناطقة باللغة الإنجليزية، الأمر الذي عجّل بمغادرة بعض الأعضاء، وتأسيس الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي ((SFP.   

  وكذلك في سنة 1953 أقام لاكان أيضاً أول ندوة سنوية له عن “أوراق فرويد في التكنيك”  (1953-1954)، واستمر لاكان في تقديم “السينمار” Le Séminaire لمدة سبعة وعشرين عامًا، ولم يتوقف عن ذلك إلا قبيل وفاته. تأثير لاكان يأتى بدرجة أولى -كما كان الحال مع كوجيف- بتعاليمه الشفوية، فقد ألقيت “سيمنارات” العقد الأول (عام 1953 – 1963 ) في “مستشفى سانت آن”، كان معظم روادها من المختصين في التحليل النفسي، وقد نقل، (وذلك لأسباب سأشرحها بعد قليل) عام 1964، مكانَ إقامة “السيمنار” أولاً إلى “المدرسة العليا للحكم الذاتي” من عام 1964 إلى عام 1969، ثم إلى كلية الحقوق على الجانب الآخر من البانثيون، وذلك من عام 1969 إلى عام 1980، ومن عام 1964 وصاعدًا، زاد عدد جمهور لاكان زيادة ملحوظة كما وكيفا في خلفيات المرتادين لها، إذ انضم فنانون وأكاديميون من مختلف التخصصات مع المختصين في الطب العيادي (الإكلينيكي).

صار “السيمنار” منتدى يلتقي به نخب المؤسسة الفكرية الباريسية، لقد أضحت بؤرة تستقطب ألمع النجوم في الثقافية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. ومن مرتاديها آنذاك فلاسفة مثل جان هيبوليت وميشيل فوكو وجيل ديلوز ولوسي إيريجاري وجوليا كريستيفا، كان لاكان في ندواته يخوض ببراعة بالعديد من الرؤى النظرية، ويتنقل من وحدة لأخرى بسلاسة، واضعاً التحليل النفسي في حوار مع تاريخ الفلسفة، والظاهراتية، والوجودية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، والنسوية، وكما أشير آنفا، كان يتعاطى تقريبا مع كل  التخصصات المعرفية التي تدرس في أروقة الجامعة، وقد انخرط جميع الفلاسفة الفرنسيين الكبار من الجيل الذي جاء في الستينات والسبعينات في التحليل الفرويدي بصورة أو بأخرى، طارحين رؤى متنوعة تنوعا شاسعا، تأثراً بتعاليم لاكان.    

اتصفت فترة الستينات من تاريخ نشاط لاكان الفكري بوفرة الإنتاج والصخب بنفس القدر؛ في ندوته السابعة المُعنّونة “أخلاقيات التحليل النفسي” (1959-1960)، اتخذ لاكان منعطفا مصيريا حدد بشدة مسار فكره لاحقا، فقد استهل ندوته هذه بالحديث عن الطرق التي تمتاز بها اللغة، كما قد أفصح عن ذلك في أطروحته عام 1950 المسماة “العودة إلى فرويد”، وما تلا ذلك من أعوام، أخذ يؤكد بلا كلل على الدور الجوهري للنظام الرمزي Symbolic، أي بروز مكانة الدوال بالمعنى الذي قدمه دو سوسير، لكن بنسختها المُعدّلة بمجال التحليل النفسي، وذلك بشرح الطرق التي تعمل هذه الدوال في بُنى وديناميات الذاتية اللاواعية والمتكلمة (في الثلاثينات والأربعينيات، أصبح الجانب الظاهري – البصري في النظام الخيالي في مقدمة الاهتمام، وذلك بفضل التركيز على نظرية مرحلة المرآة). 

في اخر الخمسينات، لمع النظام الواقعي Real في تفكير لاكان، (سوف أشرح ذلك في قسم نظرية النظم الثلاثة لاحقًا، انظر 2.1 أدناه) –وأصبحت الأشياء والظواهر أكثر مركزية من أي وقت مضى في أطروحة لاكان، سواء تلك التي تتملص من النظام الرمزي الذي يتمثل فيما هو اجتماعي لغوي أو الآليات المثبطة أو المحبطة، وانسحاب ذلك على “الآخرية”  Otherness والدوافع drives والتلذذ jouissance، والموضوع الصغير objet petit a، وذلك من بين مفاهيم أخرى قد سبق أن قدمها (انظر 2.3 ، 2.4.2 ، 2.4.3 أدناه).  ويمكن اعتبار هذه الندوة الدراسية التي عقدت في الفترة بين عام 1959 إلى عام 1960 عملا طلائعيا ممهدا لما طرحه لاحقا في أعمال حقبة “ما بعد البنيوية”.    

كما عصفت رياحٌ بتاريخ لاكان المهني والشخصي في عام 1963، خلفت تغيرات عدة؛ فبعد عشر سنوات (1953-1963) من تأسيس الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي (SFP)، التي كان تأسيسها بسبب انشقاقات عن الجمعية البارسية للتحليل النفسي، فحصت الرابطة العالمية للتحليل النفسي IPA) ) الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي فحصا مطولا، حين تقدمت بطلب للحصول على رخصة للتدريب، ومن دون الخوض في التفاصيل، انتهى الأمر بأن أصدرت الرابطة العالمية للتحليل النفسي للجمعية إنذارًا نهائيًا، مفاده أنه لا يمكن قبول ذلك إلا إذا استبعد لاكان من قائمة المحللين، إذ كانت جلسات التحليل النفسي التي يجريها لاكان متغيرة زمانيا بين جلسة وأخرى، ولا تخضع لقواعد الجلسات الثابتة الوقت التي تفرضها الرابطة العالمية للتحليل النفسي كشرط من قوانينها الصارمة، وهذا هو السبب الرئيسي وراء حجب الاعتراف به، وقبلت الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي هذا الشرط، وعلى أساس ذلك، جرّد لاكان من عضويته بها.  في أعقاب ما تعرض له من طعنة غائرة في ظهره كما وصفها لاكان، تخلى عن خططه الأصلية في ندوة 1963-1964 حول “أسماء الأب” (قدمت فقط الجلسة الافتتاحية في 20 نوفمبر 1963)، ونقل موقع تدريسه من مستشفى “سانت آن” إلى “المدرسة العليا الأهلية” ecole normale superieure ، وأقام ندوته الحادية عشرة التي ذاع صيتها بكل جدارة عام 1964، وكان عنوانها هو “المفاهيم الأساسية الأربعة للتحليل النفسي” (حددها بأنها اللاوعي، والتكرار، والانتقال، والدافع). أستهل لاكان الجلسة الافتتاحية لهذه الحلقة الدراسية بالحديث عن “حرمانه”Excommunication  من الجمعية الباريسية للتحليل النفسي SFP، بإيعاز من الرابطة العالمية للتحليل النفسي IPA) )، وشبه ذلك بما حدث لباروخ سبينوزا عندما طردته الجالية اليهودية بوصفه زنديقًا.  وعلى الرغم من هذه الضربة الموجعة، إلا أنها مدته بالعزيمة في أن يقدم طرحا أقرب إلى نفسه، وذلك بابتكار جملة من الأفكار والمصطلحات التي أصبحت علامة فارقة على طرحه الخاص، في مقابل الجهاز المفاهيمي واللغوي الأقرب إلى الفرويدية الذي طرحه في  “السيمنار”  le Séminaire في العقد الأول (1953-1963)، ورغم أنها لم تكن بدعة من البدع قياسًا بما طرحه في  أعماله السابقة إلا أن طرحه بدأ يتميز عن النزعة الفرويدية التي كان يقدمها في منتصف الستينيات. على أثر رفض الرابطة العالمية للتحليل النفسي له، ومغادرته الجمعية الباريسية للتحليل النفسي، أسس لاكان منظمته التحليلية الخاصة به، وهي “مدرسة باريس الحرة”، الأمر الذي أتاح له هذا الإطار المؤسسي الجديد بيئة حرة تمكن فيها من تجربة أساليب جديدة في التدريس والتدريب التحليلي.

 مفاهيم  أساسية

نظرية النظم   

  تكون نظرية النظم الثلاث “الخيالي” و”الرمزي” و”الواقعي” الهيكل العام للمفاهيم والمراحل المتعددة في معظم مسار لاكان الفكري. وقد مرت أطروحته عن سمات النظم الثلاثة، وعلاقة بعضها بالآخر، بعدة مراجعات وتحولات لسنين عديدة في الكثير من أعماله، (كما سيتضح لنا فيما بعد) ومعظم المفاهيم التي صاغها لاكان متصلة بهذه المفاهيم الثلاث جمعاء.  وفي السبعينات، قدم لاكان رؤيته عن الطابع الطوبولوجي للعُقدة البورومية (مشتقة من شعار لزي عسكري لعائلة بوروميو، مرسومة بصورة عبارة عن ثلاث حلقات مترابطة مع بعضها بطريقة تدل على أنه في حالة انفصال إحدى هذه الحلقات ينفرط العقد كله)، أرد بها أن يؤكد على أن كل نظام من هذه النظم الثلاث يعتمد اعتمادا متبادلا على الأخرى.  ومن هنا، يمكن القول بشيء من التخفف أن “الخيالي”، و”الرمزي”، و”الواقعي” بمثابة الأبعاد الأساسية الثلاثة للذاتية النفسية في فكر لاكان. علاوة على ذلك، يصنف الباحثون في بعض الأحيان تطور لاكان إلى ثلاث حقب رئيسة، مع تمييز كل حقبة بالتركيز على إحدى هذه النظم: تركز الحقبة الأولى على الخيالي (ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين)، والوسطى على الرمزي (الخمسينات)، والأخيرة على الواقعي (الستينات والسبعينات) لكن هذا التصنيف المقنن والمنظم لا يبدو مقنعا إلا بصعوبة، لأنه ثمة انقطاعات واتصالات في مسار تعاليم لاكان، لا تتفق مع هذا التحقيب الزمني عن المبكر والأوسط والمتأخر.

الخيالي عند لاكان   

  يميل لاكان إلى أن يربط (وإن لم يكن حصريًا) “الخيالي” بمجالاتٍ مقيدة مختصة بالوعي والوعي الذاتي، وهو النظام الأكثر ارتباطا بما يحس به الناس في واقعهم اليومي الروتيني الذي لا يتصل بالتحليل النفسي.  أن “يتخيل” أحدٌ أشخاصا آخرين ما هي صفاتهم أو من يكونون، يعني من ثم ما “يتخيله” هو عن نفسه عما هي صفاته أو من يكون هو، وذلك عند التواصل والتفاعل، ويندرج من ضمن هذا النظام الزوايا المُتخِيلة التي من خلالها ينظر إلى الآخرين، وما يتصل بذلك. ويشير هذا الوصف إلى السبل التي يتصل “الخيالي” بها مع الأفكار التحليلية الأساسية مثل الانتقال والهُوَام [1](الفانتازيا) والأنا، وبالتالي، فإن الخياليَّ أمرٌ أساسي في وصف لاكان لعملية تشكل الأنا (بحسب مرحلة المرآة – راجع 2.2 أدناه).  

   وبينما يجمع لاكان عمله المبكر في الثلاثينات والأربعينات في خيط واحد مع نظرياته المؤسسة على البنيوية في الخمسينات، فإنه كان يشدد على اعتماد “الخيالي” بـ”الرمزي”. ويعني هذا الاعتماد أن المزيد من الظواهر الحسية الإدراكية (تأثير تجارب الجسد الذاتية على خلجات النفس التي يعيشها الوعي، وعلى رؤى الأفكار، ومشاعر الآخرين، وغير ذلك) التي تشكّلها وتوجهها وتحددها (وإن بإفراط)، البُنَى والدينامياتُ الاجتماعيةُ اللغويةُ. ومع تزايد أهمية “الواقعي” في الستينات والعقدة البورومية في السبعينات في فكر لاكان، أصبح من الواضح أنه  يرى أن “الخيالي” مرتبط بكلا النظامين الآخرين (من باب المصادفة أنه عندما يندمج الخيال والرمزي برباط متكامل فإن ذلك يشكل فضاء الواقع الذي هو نفسه متباين عن “الواقعي”). 

حقيقةً، يمكن القول أن “الخيالي” على الدوام يحدث خطأ في التصنيف، وبشكل أكثر تحديدًا، إنه النظام الذي يخطئ به من بين النظامين الآخرين: فما هو “واقعي” يخطئ بالتعرف عليه باعتبار أنه “رمزي”. (على سبيل المثال، كما هو الحال في أنواع معينة من أعراض الوسواس العصابي وأعراض جنون العظمة، ويُنظر لبعض الأحداث العرضية العبثية التي تحدث على صعيد العالم المادي متمثلةً في موضوعات جامدة ليست ببشرية، كما لو كانت علامات ذات معنى عميق يجب تأويلها وتفسيرها)، وما هو “رمزي” يخطئ التعرف عليه باعتبار أنه “واقعي” (على سبيل المثال ،كـ”أعراض التحويل” في أنواع الأمراض النَّفْسَجِسْمِيّة التي تحدث بسبب صراع في اللاوعي العقلي يتخذ هيئة مشفرة في اللغة والأفكار تترجم إلى  ابتلاء وأمراض جسمانية).

الرمزي    

تنظير لاكان عن “الرمزي” في البدء انشئت على مصادر قدمتها البنيوية؛ إذ هو مرتبط باللغات الطبيعية التي وصفها دو سوسير وبالتحديد لدى الأطروحات المعينة في “ما بعد االسوسيرية”، كما يشير أيضًا إلى العادات والمؤسسات والقوانين والأعراف والمعايير والممارسات والطقوس والقواعد والتقاليد، وما إلى ذلك من أمور ثقافية ومجتمعية، تتشابك بصور عدة مع اللغة.  ويمكن فهم “النظام الرمزي”، شاملا كل ما ذُكر آنفا، على أنه يكاد يتماهى مع ما نعته هيجل بـ”الروح الموضوعية”. وهذا العالم الذي لا ينتمي إلى الطبيعي هو عبارة عن جملة معقدة من السياقات بين علاقة الذات مع بعضها البعض، وما يفارقها حيث يجد الكائن الإنساني الفردي نفسه ملقى به عند الولادة (على غرار عبارة هيدجر Heideggerian Geworfenheit) وهو نظام موجود قبل مجيء الناس، يهيئ لهم أمكنة مسبقا، ويؤثر لاحقا على التقلبات التي تعصف بحياتهم المطمئنة.

 

الواقعي    

لا يقبل النظام “الواقعي” أن يخضع للقوالب والتعريفات المحددة، ووصف لاكان له بالعديد من الأوصاف التي لا تستقر على حال هو السبب إلى حد ما وراء عدم الوضوح هذا؛ لكن ذلك، بدلاً من يكون حائلا عن استيعابه، فإنه بحد ذاته ينبئنا عن طبيعة هذا النظام، ولكي نكون أكثر دقة، فإن ما هو ليس متعلقا بـواقع “الخيالي” – “الرمزي” (وهو الواقع الذي ينطوي على مخاوف واعية، وعلى معاني يمكن التعبير عنها، وما شابه ذلك)، فإن جوهر “الواقعي” أن يكون متواريا، يقاوم بطبيعته أن يؤسر في تكوينات ذات معنى مفهوم تتشكل من علامات فيما هو “رمزي”-“خيالي”، إذ أن نظام “الواقعي”، كما يؤكد لاكان مرارًا وتكرارًا، هو “الاستحالة” في مقابل الواقع.   

  استعمل لاكان في بداياته مصطلح “واقعي” ليشير إلى الموجودات المادية، أي الموضوعات الفيزيائية، ويشير إلى معنى يقارب مصطلح كانط في “الأشياء- في – ذاتها”.  ومن ثم، فإن “الواقعي” هو أي شيء متعدٍ، أو فيما وراء، أو كامن تحت المظاهر التي تقع في المتناول الأولي لخبرات المرء المباشرة للوعي.  ألح لاكان على هذه الخاصية للواقعي في الطرح الأول لرؤيته عن نظرية النظم المكتملة، كما قدمها مبدئا طوال الخمسينات. أثناء هذا العقد في حقبة “العودة إلى فرويد”، اتصل “الواقعي” أيضًا بمفاهيم أنشأها لاكان عن الذهان و”ال-آخر”[2] (التي سوف اتناولها بعد قليل – انظر 2.3 أدناه). فضلا على ذلك، في الخمسينيات، كان لاكان يتقصد الحديث عن “الواقعي” على أنه امتلاء تام، وخاو من أي من سلبيات العدم، والتنافر، والثغرات، والفجوات، والانقسامات، وما إلى ذلك.  وبهذا فإنه يصور “الرمزي” على أنه المسؤول الأول لدس السلبيات في “الواقعي”، مثلا، يمكن أن يقال عن الوجود المادي في ذاته، وذلك فقط بواسطة قوى اللغة، أنه عبارة عن أشياء “مفقودة”، طالما أن هذا البعد الوجودي الخاص به لوحده مهما كان سذاجة وبساطة حضوره يعتبر مجرد وفرة، لا تسترعي المبالاة.   

  كما ذكرتُ آنفا، تبدل الاهتمام في الندوة السابعة لسنة 1959-1960 من “الرمزي” الذي ساد في الخمسينات إلى “الواقعي”.  كان تصوير “الواقعي” ينحو قبل الندوة السابعة إلى تصور لا-ديكالتيكي ويتجه إلى تصور شبه كانطي، على الرغم من أن هذا العام التعليمي قد أولى الاهتمام بفلسفة كانط، إلا أن لاكان كان على الدوام يعيد صياغة “الواقعي” في هذه الندوة ويضفي عليه طابع شبه هيجلي، وهو الأمر الذي تسبب بتعقيد لما قدمه من أفكار. ويتضمن “الواقعي” بهذا التصور الجديد مقاربات للأضداد، باعتباره أنه نظام يرصد التذبذبات والاهتزازات المتقلبة التي تتراوح بين حالات الزيادة والنقصان، والفائض والعوز، والحضور الغامر، والغياب الشحيح.  وكذلك في الندوة السابعة، قدم لاكان شخصية الأم كمرجع تحليلي رئيسي، يبرر هذا التفسير “للواقعي” (وهو يتعلق بشخصية أخرى، هي “السيدة” في تقليد الحب الغزلي). في بداية تاريخ نشأة الذات النفسية –الليبيدية [من ليبيدو]، تبدو مقدمة الرعاية الأمومية حاضرة حضورا غامرا أو قريبا جدا، وذلك بكل غرابتها وصدودها، وأيضا غائبة أو يتعذر الوصول إليها، بشكل يدعو إلى الخيبة، وفقدان التحكم؛ أي إما أن يكون هناك الكثير، أو القليل منها، لا توسط بين ذلك.  مع مرور الوقت والتحولات الزمنية للاقتصاد الليبيدي، تصبح الأم، مثلما هو الأمر مع هذا الـ-آخر الواقعي البدئي، “الخير الأسمى” Sovereign Good العصي عن التحقق للأبد، والثابت الذي لا يمكن أن يقبض عليه إذ يتلاشى دوما، وهو ما يعبر عن كل الرغبات (في ما يسميه لاكان، في حوار مع تاريخ الفلسفة وكذلك فرويد،  “das Ding” “الشيء”).

مرحلة المرآة ، الأنا ، والذات   

  ربما أن اطروحة مرحلة المرآة هي أكثر اسهامات لاكان النظرية شهرة (ربما أكثر شهرة من أطروحته المشهورة عن اللاوعي الذي وصفه بأنه مصاغ “كاللغة “). وقد تطورت في البدء بالثلاثينات، واشتملت على رؤى عدة مترابطة، قدم فيها لاكان تفسيرا خاصا عن نشوء وظيفية العامل النفسي الفرويدي للأنا (Ich، moi) .  وإحدى خلاصات التحليلات النفسية والفلسفية لمرحلة المرآة الحاسمة في نظر لاكان هي أن الأنا هي موضوع، وليست ذات.  بمعنى آخر، أن الأنا -على الرغم مما تحس وتعي بعكس ذلك- ليست عاملا مستقلا ذاتياً، أي أنها ليست مقرا لأنا تتمتع بالحرية، وقادرة على تحديد مصيرها بنفسها.  وتقع هذه الصورة للأنا-الموضوع في قلب الحجاج النقدي الذي تبناه لاكان طوال حياته ضدا لعلم نفس الأنا الأنجلو-أمريكي، حيث يسعى علماؤه إلى تعضيد “أنا” مرضاهم من خلال الاحتكام إلى ما يفترض أنه عوامل نفسية مستقلة، لا تنطوي أوجهها على أي صراع [داخلي]، وفي مقابل ذلك، ينظر لاكان إلى الأنا على أنها تتسم كليةً بعصابية فاضحة، ومتأصلة في صميم جوهرها، باعتبارها دفاعًا متقدا ينجم عن جهل تكويني حيال اللاوعي.  

   وللبقاء لبرهة في هذا المستوى الميتا-سيكولوجي العام، يميّز لاكان في نهاية المطاف، وذلك استنادا على أطروحة مرحلة المرآة، بين الأنا والذات، (وهي كلمة مشحونة فلسفيا حيث كان لاكان مدركا أنه يضيف هذه الكلمة بمفهومها الفلسفي إلى الخطاب التحليلي، على الرغم من أن فرويد لم يتحدث عن “الذات”، إذ كان يتوجس من الفلسفة). بخلاف ما يبدو، فإن الأنا، في المحصلة النهائية، عبارة عن حزمة خاملة وثابتة من الإحداثيات المُعيّنة موضوعيا، ككيان متجسد ومستثمر به ليبيديا. وبعكس الأنا والحس الوهمي بالنفس Selfhood المتخيلة التي تساندها، فإن الذات subject في مفهوم التحليل النفسي اللاكاني هي عبارة عن السلبية الحركية اللاواعية التي تقاوم الأسر في داخل البنى الهوياتية على مستوى الأنا، فالذات اللاواعية المتكلمة -بحسب طرح لاكان- تتكلم من خلال الأنا، بينما تظل متميزًة عنها، ولا تختزل بها.     وعودة إلى ااحديث عن مرحلة المرآة، افترض لاكان، وذلك بالاعتماد على بيانات تجريبية من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، أن الأطفال الصغار في السن، ممن تتراوح أعمارهم من ستة إلى ثمانية عشر شهرًا، يكتسبون بسرعة القدرة على تحديد هويتهم عبر أسطح مُنعكِسة، وبهذا العمر فإنهم يفتقرن إلى معظم القدرات البدنية والعقلية التي يمتلكها كبار السن، وسبق لفرويد قبل لاكان أن سلط الضوء حقيقةً على كيف أن عدم النضج البيولوجي لدى الأطفال، يجعلهم عرضة للوقوع في سطوة التنشئة الاجتماعية أكثر من سطوة الطبيعة المادية، ويعود ذلك إلى اتكالهم الكلي لفترة طويلة على غيرهم في تلبية المتطلبات الضرورية طلبا للحياة، واتقاءً من مواجهة خطورة الموت. وعلى هدي فرويد هنا، أبرز لاكان أهمية هذا العجز الذي يعاني منه المولودون حديثا بمجرد خروجهم للحياة. وقد وصف بالتفصيل الجوانب التشريحية والفسيولوجية والإدراكية والعاطفية والدافعية لهذه الحالة الطبيعية بعد الولادة حيث لم يكتمل بعد نموهم ونضجهم البدني.

لآخرية (Otherness)، وعقدة أوديب، والجنسنة (Sexuation)   

  ظلبقي لاكان يستعمل بانتظام المصطلحين: ال-آخر Other والآخر other، وبفهم نظرية النظم الثلاث، ومرحلة المرآة (انظر 2.1 و 2.2 أعلاه)، يمكن توضيح هذين المصطلحين بيسر ودقة إلى حد كبير؛ الآخر تختص بالأنا “الخيالي”، وما يرافقها من الأنوات البديلة alter-egos .  يؤكد لاكان ذلك في حديثه عن الأنا ذاتها على أنها “الآخر”، على غرابتها واغترابها، كما وُضح أعلاه (انظر 2.2). علاوةً على ذلك، عندما يتعلق الأمر بالآخرين على أنهم الأنا البديلة، فإن ذلك يتم على أساس ما يتخيله المرء عن هؤلاء الآخرين (وغالبًا ما يتخيل أنهم “مثله “، لأنه يشعر أنهم يشتركون معه بعدد من الأفكار، والمشاعر، والميول المشتركة بالحد الأدنى التي تصيّرهم مفهومين بالنسبة له). هذه التصورات المتحولة المنحى transference-style هي متخيلات fictions تقوم بترويض وتدجين طابع النفس الغريب الغامض والمزعزع لانتمائها الجمعي، مما يجعل الحياة الاجتماعية يمكن تقبلها واحتمالها.    

يدل مصطلح “ال-آخر” إلى نوعين إضافيين من الآخرية otherness متوافقة مع النظامين: “الرمزي” و”الواقعي”. النوع الأول من ال-آخر هو “الآخر الكبير” المتعلق بالنظام “الرمزي”، وهو “الروح الموضوعية” التي تشتمل على كل البنى الاجتماعية -اللغوية المتجاوز للفرد حيث تشكل الفضاء الذي به تتفاعل الذوات فيما بينهما (البينذاتية).  وبهذا الخصوص، يمكن أن يشير الآخر الكبير “الرمزي” أيضًا إلى أفكار (غالبا متخيلة أو خيالية) عن قوة السلطة و/أو معرفة الأشياء المجهولة (سواء كانت من الله أو الطبيعة أو التاريخ أو المجتمع أو الدولة أو الحزب أو العلوم أو المحلِل كـ”ذات من المفترض أن تعرف” حسب وصف لاكان المميز للتحويل التحليلي).  ولكن، كما اتضح بالفعل في الندوات السنوية الأولى القليلة التي عقدها لاكان في أوائل الخمسينيات، هنالك أيضًا بُعد “واقعي” في الآخرية؛ هذا التجسد الخاص بـ”الواقعي” الذي بسطه لاكان بأدق التفاصيل عندما تعاطى مع الحب والذهان، هو اللغز الذي يستفز ويقلق “الآخر” باعتباره أنه الغير معلوم كما يرمز له بالجبر بـ”س” ، وهو عبارة عن هاوية الآخرية القريبة، ومع ذلك بعيدة المنال، فلا يمكن من ثم إدراكها. ( في محاضرته عام 1895 بعنوان “مشروع علم النفس العلمي” ظل يشير مرارا وتكرارا أن فرويد صوّر هذه الآخرية على أنها تنكر الجار كشيء Nebenmensch als Ding).


المراجع

hekmah.org

التصانيف

علماء فرنسيون  علماء نفس   العلوم الاجتماعية   التاريخ  علم النّفس