أشاهدهم يتدافعون صوب الشارع، يتضاحكون يتقافزون وعلى وجوههم مسحة من تعب غير أن الرضا يطل من نظراتهم الودودة، يسكن عيوننا والشارع المزدحم بهم وبربيع أصواتهم.. من أمام المدرسة المتواضعة واجهتني ابتساماتهم وهم يحرّكون أيديهم بالحب والوداع، بينما أطيار القلب ترفرف حولهم وتمتد من احتراق روحي بالخوف عليهم حتى هدأة القلق..
يتحلّقون من حولي، ويتمادون في إظهار إصرارهم على حبسي داخل عيونهم ويضحكون.. وأحضن بالصدق أكفهم الصغيرة، فيتّسخ وجهي ببقايا رصاص أقلامهم حين أقبّلها، بينما يشيرون إليّ ببهجة أعرف كيف تخضرّ لها ملامحهم، وكيف تزهر وجوههم بالفرح
ينظرون إلى أصابعهم المتّسخة، ثم ينظرون إلى وجهي.. يتريّثون قليلا ثم يتدفّقون بالحب صوبي، يلوّحون بمناديلهم الورقية، فأفرّ منهم إليهم، وأجدني رغماً عني مسكونة بالبكاء والقلق
صغارنا إلى أين؟ إلى أي المرافئ تسير سفنهم المشرعة للغد، وأنّى لهم بشواطئ تحمل ملامحهم ولا تحمّلهم ملامحها؟
صغارنا إلى أين؟ ونحن لا نملك لهم غير الصمت ومراقبة عدوّهم يقتلهم من قبل أن يولدوا، يقاوم وجودهم، يقاوم اخضرارهم، وتغيظه الأرقام
يتتبّع نسبة الزيادة في مواليدنا، ويروّج لتحرّر الأم من إحساسها بقيمة الحياة داخل أحشائها لقلب ينبض، ويزيّن القبح تحرقه العروق الخضراء في زرعنا الكثيف حين تواجهه الشيخوخة في هشيم مجتمعه..
ينادي وبالباطل يعلو صوته يروّج للعري في الشوارع وفي الباحات المفتوحة لشراهة الأعين، يمزّق ستر الحياء من على الأجساد المرتعشة بالتخبّط، ويقلب الحقائق يريد زمناً له وحده، وطريقاً لا تتسع لغير قدميه، يريد انتصاراً سهلاً تبيد الضحية نفسها بين يديه، يميتها من الداخل، يجفف منابع ثقافتها، فتتلقّف ملامحه وتركن للعصا التي يلوّح بها.
اليد الصغيرة الدافئة لم ترتعش في يدي، لم تحمل برد أصابعي وإن تسلل إليّ دفؤها، اليد الصغيرة من يحميها إن تكوّم من حولها الجليد؟ من يجير بناره دفء عروقها..
في فلسطين طفولة تذبح وفي العراق براعم تقصف لتموت، وعصاً تفرض عدلاً ترسم ملامحه يد مغموسة بالدم، نركن لليد حين نعرف الرائحة ونميّزها، فالدم لنا واليد من أجلنا ترسم
ونتبنّى قاعدة قتل الطفولة قبل أن تتشكّل، بمقاومة التكاثر، بممارسة الإباحية وفق النموذج الغربي الذي لم يترك مكاناً للأسرة أو الفضيلة وذلك بمزيد من العري، ومزيد من الابتذال ومزيد التوغّل في عالم المتعة المجانية غير القابلة للانتهاء..
يبدأون من دائرة المرأة ودائرتها تحيط بكل شيء، فهي المسكن والملاذ، وهي الخصوبة للزرّاع الآملين بخير الحصاد..
يحاربون النطفة حين تَعِد بحملة القرآن والبندقية يحاربون الزهر حين يلوّح الدفء باقتراب القطاف، ويقاومون النور حين تطل به العيون.. يجرّحون بأموالهم الطائلة الأيدي الصغيرة وهي تحمل الكتب
يريدون لهم مناهج يفصّلونها هم، وبقياساتهم الخاصة يتمّ ضبطها يريدون لصغارنا ثقافة من صنعهم وملامح من رسمهم يريدونهم جميعاً معصوبي الأعين مقيّدي الأيدي وعلى أكتافهم العريضة عبارة (صنع في أمريكا، وتمّ تجميعه في تل أبيب)
فإن كان هذا حال صغارنا المهدّدين بثقافتهم التي لم تأخذ شكلها المكتمل بعد، ماذا نقول لمن صفق بكل أطرافه من أبناء جلدتنا في وادي عربة؟ ماذا نقول للذين داسوا الدم الفلسطيني ولم توقفهم الأشلاء، وهي ترتطم بخطواتهم بينما يتقدّمون صوب المركز العلمي المشترك بين كيان غذاؤه الدم، ودولة تقف عاجزة بين فكّي كماشة، غير أنها تراهن على ضعف شهية عدوّها وهو منها يتقدّم
وتأتي القرارات بتعديل المناهج، وفتح بوابات التطبيع لإحراج عدو لم يعرف الحياء ولم يفهم غير لغة الدم ويمهّد كثير من أقطارنا لتحرير القلب من نبضه، والليل من فجره، وذلك بتمزيق المرأة، وإحراق الطفولة، وإرباك أمة (إقرأ) بمناهج لا تنتمي لأصالتها.
إننا مسؤولون أمام الله عن أبنائنا، في بيوتنا تصنع ثقافتهم وبأيدينا نربيهم، وعلى أيدينا يكبرون، فلتكن الأيدي متوضأ، وليكن كتاب الله هو المنهاج


المراجع

fm-m.com

التصانيف

الآداب   العلوم الاجتماعية