تسلّلت شعاعات الشمس الأولى بخجل على أروقة دمشق القديمة مخترقةً أغصان شجر الصفصاف
والنارنج المحُيطة و مُعلنة انبلاج فجرٍ جديد .
بدأت المآذن في أرجاء المدينة النائمة تدعوا الناس للقيام ، للصلاة ، للسعي ، لذكر الخالق و اختلطت أصوات المؤذنين بتغريد طيور السنونو التي افتتحت صباحها بتحليقٍ استعراضيٍ ، سريعٍ ، و نشيط .
إنه يوم جديد ، كل فرد يَعُدُّ العُدَّة لاستقباله على طريقته ، روائح الخبز الشهية المنبعثة من الأفران القريبة تعلن بدء إنتاجها،وغناء فيروز القادم من إحدى الدكاكين ينعش في النفس أريحيّةٍ محُبّبة. أصحاب المطاعم القريبة من"باب الجابية"يتبادلون تحيات الصباح بذات الطقس الروتيني اليومي وبعواطف بلا حرارة ، باعة الألبسة المستعملة بدؤوا بنشر بضاعتهم والمُقعدون الذين يبيعون الدخان المُهرَّب احتّلوا أماكنهم المعهودة و قد سجّل كل واحدٍ منهم اسمه تحت كرسيه المتحرك وراسما مربعا على الإ سفلت مُعلناً بذلك أنَ هذا المربع مملكته ، عالمه ، مصدر رزقه ، حدوده التي يدافع عنها بكل تحدٍّ و قوة ضد أي متطفل،وأي كرسي متحركٍ آخر يحاول احتلال المكان،وعلى الرصيف المقابل المتُسخ ، كانوا هناك ، ُثلّة من أشباه الرجال ، الأكثرية كانوا من الجنود المتقاعدين وكبار السن يفترشون الرصيف،وإلى جانبهم معاولهم الصدئة و أدوات أخرى،يسترقون السمع لصوت فيروز الذي يرسل طمأنينة خادعة و مؤلمة في نفوسهم .
الجميع يحدقون بالإسفلت البارد فتنعكس النظرات التائهة الضائعة بحبيبات الرمل إلى وجوههم المصفرة الجائعة .
إنه يوم جديد ، و هؤلاء الناس يأملون بالحصول على عمل يسدُ رمقهم ورمق عيالهم.
تعدَّت الساعة التاسعة صباحاً،وإذاعة لندن تبدأ ببثّ أخبار العالم العربي،معظمها أخبار عن القتل والذّبح و الاغتيالات، والانشقاقات العربية العربية .
بدأ الضجر يتسلل إلى النفوس ، والعيون التي فقدت بريقها ، و فقدت الدهشة .
لحظات تمرُ ، وفجأة ، تنعطف سيارةٌ سوداء بسرعة كبيرة ثم تتجمّد في مكانها بعد أن صدر صوت حادّ من دواليبها الجديدة،كان بداخلها رجل بدينٌ،بارد النظرات،مزركش الثياب،وما ان أنزل زجاج النافذة حتى تجمهر الجمع حولها،وبدأ الكفاح من أجل الوصول إلى نافذة الرزق لإنجاز العمل الشاق مهما كان نوعه.
ثوانٍ معدودة اتفق خلالها صاحب السيارة مع أنيس ، الرجل المُسنّ الأشيب الشعر،وحين همَّ بركوب السيارة الفخمة،ناوله الرجل كيساً من النايلون ليفترشه تحته خوفاً على مقعد السيارة المخملي من أن يتسخ،كانت ثياب أنيس مهترئة رغم محاولاته الكثيرة لمعالجتها بالرقع الملونة .
لم يستغرق الطريق طويلاً للوصول ، كان المنزل قصراً مبنياً من الرخام الأبيض ومسقوفاً بقرميد أحمر على الطراز الفرنسي ، والحديقة المحيطة بدت وكأنها قطعة من الجنة ،و أفهم أنيس أن مهمته هي إصلاح بعض التمديدات الصحية في المطبخ .
دلف الرجلان من الباب الخلفي للمطبخ ، تأمل أنيس ما حوله ، تساءل في قرارة ذاته أمطبخٌ هذا أم جزء من متحف ، ما هذه الأجهزة الموزعة في كل مكان يا ترى ؟ إلا أنه كثيراً ما تعجّب عندما وقع بصره على جهاز تلفاز كبير الحجم،هل يعقل أن يوجد تلفاز في المطبخ ؟وتذكر كم يتوسّل له أطفاله يومياً لشراء جهاز ولو صغيراً،امتقع وجه أنيس حين تذكر أطفاله ، تحسَّر، بلع ريقه ثم استغفر ربه وبدأ العمل بصمت .
ثماني ساعات أمضاها في عمل دؤوب ، لم يُقدَّم له خلالها شيء من الطعام ، ولا حتى كوب شاي إلاّأن الخادمة حنَّت عليه أخيراً وجلبت له طبقاً فيه أرز من يوم فائت ثم قالت له بشيء من الخوف: "- كله بسرعة يا أخ،لأن ستي إذا رأتك تأكل في المطبخ ستطردني ، أرجوك ، كله بسرعة ".
احتار أنيس بادئ الأمر ، فكَر ، حاول أن يعيد الطبق للخادمة ، شعر ولسبب ما أنه يُهان ، كيف يأكل خلسة ، هل يسرق حين يأكل ثمن تعبه ؟ لكن لا بد من الاختيار الآن بين المشاعر النبيلة وبين المعدة الفارغة ،ثم شرع بتناول الطعام رغم صعوبة ابتلاع الأرز الناشف و البارد .
انتهى أنيس من عمله في الساعة الثامنة مساء،و بينما كان ينظف المكان،حدثت الكارثة ، فقد سقطت إحدى المزهريات القريبة بدون قصد منه، فتحطمت، وتناثرت أجزاؤها على البلاط الفاخر هرعت صاحبة المنزل ، شاهدت المنظر ، جُنَّ جنونها، نعتته بصفات كثيرة ، أهانته ، بصقت في وجهه ، لحق بها زوجها ، ارتجفت مفاصل أنيس لما رأى الزوج السمين الذي وبَخه بدوره ، صفعه لم يحترم سنه ، ثم التفت إلى زوجته وطمأنها بكلماتٍ رقيقة مؤكدا لها أنَ أنيسا سيدفع قيمة التحفة و أن لا تقلق بشأن ذلك ، ثم توجَه إلى هاتفه الخليوي و اتصل بقسم الشرطة .
اقتيد أنيس إلى مخفر الشرطة،كانت هناك توصيات كثيرةلتأديبه،وتعليمه كيف يتعامل ويحافظ على الأشياء عند الناس الأكابر،طلب رئيس المخفرمن أنيس أن يدفع قيمةالتحفة،ارتبك أنيس،تلعثم،صمت وقد لفَّهُ الذهول. دوَّنَ الشرطي في محضر التحقيق أن أنيسا امتنع عن دفع قيمة الأضرار التي سببها فأمر بحبسه .
بعد يومين ، جاء الرجل السمين إلى المخفر ، دخل مكتب رئيس المخفر الذي صافحه بحرارةٍ داعياً إياه للتفضل بالجلوس ، لكن الرجل اعتذر لانشغاله وكذلك لأنه لم يتسنَّ له الاتصال من أجل الإفراج عن العامل الموقوف،قال مازحا:
" – لقد أردت أن أُلقِّنَه درساً صغيراً ، و أردتُ أيضا أن أُهدّئ من عصبية زوجتي فقد كانت التحفة نادرة لكنني نسيت الموضوع لذا أرجو أن تخرجوه من النظارة فوراً وأن تعطيه هذه المائة ليرة إنه رجل مسكين على أية حال ، أبلغ الشباب تحياتي "، ثم رمى قطعة النقود على الطاولة و انصرف.
خرج أنيس من التوقيف ، كان منهاراً ، يائساً ، مقهوراً ، و علامات الحز ن واضحة على سحنة وجهه المُصفرّ ، أخذ المائة ليرة و مشى باتجاه المطعم المجاور، اشترى دجاجةً مشويةً ، ثم دخل إلى الصيدلية ، و حين خرج ، استقلّ الباص إلى بيته .
كان أنيس مُنهكاً لدرجة الإعياء ، وكان واقفاً وسط الزحام ، يحمل في يده كيساًويتحسّس في جيبه قارورةً صغيرةً فيها سُمُّ فئران ..



ربيع

لملم الدكتور المحاضر أوراقه المتناثرة على الطاولة ، وصفق بيديه محاولا إزالة ما تبقّى من آثار أقلام الكلس التي استخدمها في الكتابة على السبّورة ، ثم أغلق محفظته الجلدية السوداء الكبيرة ، و قبل أن يغادر القاعة ، تحلّقَ حوله بعض الطلاب مُستفسرين عن أفكار عالقة،سيما وان مادة الشعر الإنكليزي الكلاسيكي كانت عصية على الفهم وبخاصة قصائد الشاعر الوجودي المرهف "جون كيتس" .
تدافعنا نحو الخارج بشقاوة تلاميذ مدرسة ابتدائية، متُلهّفين للوصول إلى مطعم الجامعة،انفردنا عن بقية الطلاب،وجلسنا على طاولة في زاوية المطعم،كنا ُثلّة من زملاء السنة الأخيرة تجمعنا سنين دراسة طويلة،وتربطنا ذكريات مشتركة،منها المؤلم و منها السعيد،نعيش كشخصٍ واحد، نفكّر معاً،ندرس معاًوقد تآلفنا لدرجة أن أمهاتنا تعوَّدنَ على المضايقات الدائمة التي نحُدِثها حين كانت تجمعُنا مناسبة ما،لم نكن نكترث لنظافة السجاد أو لترتيب الأثاث أو لمطبخ زميلنا المضيف حيث نعبث فيه بكلّ ودّ نفتح الثلاجة،نصنع الشاي، نُقشّر البصل، نطهوا،وأحيانا،نأكل على أرض المطبخ،دون مبالاة، نحيا بفرح ، بسعادة ، نمضغ ساعات أيامنا بلذة شديدة ونستمتع حتى بأدق التفاصيل .
كان "ربيع " هو المميز بيننا ، هو الاستثناء اللافت للنظر ، فارع الطول ، جذّاباّ ووجهه السمح الطفولي يُضفي عليه براءة واضحة و عيناه الزرقاوان الواسعتان كلون البحر في يوم مشمس ،كم كنت أتأملهما ،كأن للعيون هوية تعطي لكل إنسان طبيعة خاصة ،كان أكثرنا حرية ، و مرحاً ودِعَةً متسامحاً لدرجة البساطة ، و تصرّفاته العفوية تجعل خدّيه دائمتي التورّد،وعلى الأخصّ حين يقرأ شيئاً من محاولاته الشعرية، إلا أنه أوفرنا حظاً فقد استحوذ على انتباه زميلتنا الجميلة " سندريللا ".
عندما زرناه للمرة الأولى ، عرفنا أنه وحيد وله خمس أخوات،لم تبدُ والدته كبيرةً في السنّ وعائلته من الطبقة الميسورة ، لكنهم بسطاء ، فوالده يملك مصنعاّ صغيراً للأدوات البلاستيكية يمضي به جُلَّ وقته كانت زيارة لا تُنسى ، بذل جميع أفراد العائلة قصارى جهودهم لإضفاء جوٍّ من المرح الذي تعودوا عليه دون تكليف ، أحسسنا وكأننا نعرف هذه الأسرة منذ زمن بعيد ، وحين غادرنا تعلّقت قلوبنا على جدران المنزل ، تماماكاللوحات الأنيقة المنتقاة بعناية ،أصبحنا ننادي أمه فيما بعد "بماما روز" وكم أعجبت بجمال زميلتنا "مها " التي اعتدنا أن نلقّبها بسندريللا "،كنا نتسابق للفوز بدعوتها لتناول فنجان قهوة ، أو قطعة حلوى ، دائما كانت لطيفة باعتذاراتها وبخفّة ظلها ، تبتسم لنا صباحاً ، فنشعر بنشوةٍ غريبة طيلة اليوم ،لكن ربيعاً فاز بها فقد كانت تحُبّه دون أن تبوح بذلك،حسدناه باديء الأمر حين علمنا، ثم ما لبثنا أن هنّأناه و باركنا علاقتهما وشجعناهما على الارتباط ، وبعد انتهاء الفصل الدراسي الأخير دعينا إلى حفلة الخطوبة .
كانا كعصفورين في الحفلة ، قالت لي أمه أن فرحتها تلك لا تعادلها إلا فرحة يوم ميلاده ،رقصنا حتى الفجر ، ثم أوصلنا والده بسيارته إلى بيوتنا ، سألته و نحن في الطريق عن مستقبل ربيع العملي فأجاب بصوت أبوي :
-" يابني ، لقد انتهى دوري الآن ، إنه دور الشباب ، سأسلمه المصنع ، وسأعاونه ان احتاج لذلك ، صحتي لم تعد كالسابق و لا بد لي من الراحة ، لهذا فأنا انتظره بفارغ الصبر".
بعد أشهر قليلة على نهاية الدراسة عدت من القرية وقد تعاقدت مع شركة خاصة للعمل فيها كمترجم ، رأيت شقيقته بالصدفة في إحدى الصيدليات ، و ما ان لمحتني حتى أجهشت بالبكاء كانت شاحبةًهزيلةً ، تقف بانحناءة بسيطة وقد أهملت زينتها، سألتها عن ربيع ، وعن مها، أجهشت ثانية بحُرقة ، وبعد أن هدأت ، همست بصوتٍ مفعمٍ بالحزن :
-ربيع يموت ببطء ، فقد تبين أنه مريض بسرطان الدم و المرض في مرحلته الأخيرة يستحيل علاجها و هو الآن يرقد في المشفى و قد غدا أشبه بالمومياء .
هزّني الخبر ،امتقع وجهي، انتابني دوار خفيف فاسندتُ رأسي للجدار، أجبتها بصوت مُتهدّج لا يخلو من الشكّ :
-مستحيل ؟ يا للصدفة ؟ يا للخبر ؟ يا للأقدار ؟ كيف ؟ متى ؟…
-إنه يسأل عنكم دائما ، الجميع أتوا ، لكننا لا نعرف عنوانك في الريف، و هو دائم الرعب الآن يخاف أن ينام ، يخاف أن يغفو.
-لماذا ؟؟
-لأنه يخشى أن لا يستيقظ ثانية ، يخشى أن يموت و هو نائم ؟
بلعتُ ريقي المُرّ بصعوبة ، تمالكتُ أعصابي كي لا أبكي أمامها،سألتها عن مها فلم تجُب، تناولت ورقة صغيرة من حقيبتها اليدوية و كتبت لي عنوان المشفى ، ثم مضت .
دخلت مبنى المشفى قلقاً،رائحة الكحول والأدوية تفوح من جميع الأرجاء وأشخاص يتجوّلون بألبستهم البيض الناصعة .
صعدت الدرج الدائري إلى قسم أمراض الدم ، ثم توجّهتُ إلى العنبر الذي يقيم به صديقي ، كان الممرّ نظيفا ، أبيض الجدران،والبلاط اللامع كان أبيض أيضاً،استوقفت إحدى الممرضات و سألتها عن الغرفة رقم"8" فأشارت لي بحركة آلية من إصبع يدها المُكفّنة بقفازٍ أبيض ُثم همست :
-" إنها في نهاية الممر على اليمين ، لكن رجاء عدم إطالة الزيارة ، فالمريض بحالة خطرة ثم طلبت مني أن أمشي و أتكلم بهدوء .
وقفت أمام باب الغرفة الأبيض ، كان الرقم "8" منقوشا على لوحة نحاسية مثبتة في الوسط ، انتابتني قشعريرة مفاجئة و أنا أطرق الباب ، أحسست بخفقان قلبي المتوتر،كانت صدى ضرباته ترتفع إلى أذني ، سمعت صوتاً نسائياً يهمس من الداخل :
-تفضل .
أدرتُ مقبض الباب بهدوء ، فاجأتني أمه بدمعتين لما رأتني ، ثم أشارت بحركةٍ يائسة من يدها نحو ربيع المُمَدّد على السرير و إلى جانبه طاقة كبيرة من الورود ، و العديد من علب الأدوية المتناثرة تقدّمتُ بهدوء، هالني وجهه المنتفخ،و رأسه التي أصبحت صلعاء تماما بفعل العقاقير المهدئة- لطالما تباهى بشعره الجميل أمامنا- نظرتُ إلى والدته بأسى ، لكن مشاعري فاضت حين رأيت صورة خطيبته بجوار السرير فبكيت، لقد كان يحُبّ صورتها تلك بالتحديد،و أذكر حين طلب من أحد الأصدقاء الذي كان يدرس فنّ الديكور أن يصنع له إطاراً مناسباً ، ففاجأه الأخير بأن نحت له صَدَفةً بحرية على شكل قلب ، ثم ثبَّتَ الصورة بداخلها فأصبحت كالعلبة .
كان جسده مغطى بشرشف أبيض ، سألت أمه عن حالته ، فقلبت شفتيها و أشارت بعينيها للأعلى و تمتمت :
-" إنه تحت ألطاف الله "، ثم صمتت من جديد ، غارقةً في جوّها الجّنائزي .
تحرك ربيع قليلا ، و كأنه شعر بوجود شخصٍ ما ، أخرج يده ببطء شديد من تحت الشرشف كانت صفراء ، ناحلة ، فتح عينيه و نظر باتجاه أمه ، فتحهما أكثر لما رآني واقفاً بقربه كالصّنم.
حاولت جاهداً أن ابتسم ، اقتربت منه أكثر لملامسة يده التي َمدَّها نحوي بعجز واضح،كانت أظافره زرقاء ، حضنت يده الباردة بيدي ،َأخرج لسانه المصفرَّ و بلل شفتيه الناشفتين،حاول أن يتكلم ثم ما لبث أن عضَّ شفته السفلى فأدركتُ أنه يواجه نوبة ألمٍ جديدة ، أردتُ تهدئته ، فأشاح بصره نحو الصورة و قد شقّت دمعة كبيرة طريقها باتجاه الوسادة .
أفاق ثانية بعد دقائق ، قالت لي والدته أنه حين يستيقظ يتّجه بنظراته نحو تلك الصورة ويُعلّقهما هناك إلى أن يفقد وعيه ثانية .
نظر إليَّ و قد صمّم على الكلام هذه المرة،جاء صوته مرتجفاً،سألني عن صحتي ، ثم طلب مني قطعة "شوكولاتة " من العلبة التي جلبتها معي – لا يزال مولعاً بالشوكولاته رغم مرضه فقد كانت القاسم المشترك بينه وبين مها،لم يكن يتناول شيئا في الجامعة سوى أصابع الشوكولا التي تجلبهاله يومياً- فتحت العلبة بارتباك،فاجأتني والدته حين رفعت حاجبيها للأعلى بحركة رفض،كرر طلبه ثانية تجاهلتُ رفض والدته و ناولته قطعة بعد أن أزلتُ عنها غلافها الورقي .
تَلمَّسَها بأصابعه المُرتعشة ، تنهَّد عميقاً ، ثم قضم قطعةً صغيرةً محاولاً مَضغها ، نبَّهَتهُ والدته بلهجةٍلا تخلو من الحزم :
-ألم تسمع ما قاله الطبيب ، إنها تَضُرُّ بصحتك كثيراً يا حبيبي ، لا تأكلها أرجوك .
َتمَلَّكهُ إحساسٌ بالإهانة عند ذاك فانفجر بوجه أمه :
-إلى متى يا أمي ، إلى متى ستكابرين ؟ ألا تعملين بأنني إنسان ميت ؟ ألا تعلمين ذلك؟
ثم أشاح بوجهه و قد تسمَّرت عيناه على الصورة وجاءني صوته واهنا :
-اسمع يا صديقي ، لقد فسختُ خطوبتي من مها ، أرجوك اذهب إليها و قل لها بأن لا تحزن فالحياة كلها أمامها لأنني إنسان ميت ، أتفهم ؟؟ ثم عضَّ شفته السفلى ثانية و قد تشنَّج جسده لشدة الألم.
غادرت المشفى مجرجرا قدمي ، تهزّني نسمات شباط الباردة ، لم أجرؤ على زيارته ثانيةً،لم أجرؤ حتى على الاتصال ، كنت أتابع أخباره من الأصدقاء و علمت أن خطيبته أصيبت بانهيار عصبي إثر تلقيها خاتم الخطوبة .
حاولتُ تهدئتها حين زُرتها مساء ذلك اليوم الشتائي الماطر ، شرحت لي باكيةً مقدار حبها له ،وأنها مقتنعةً بشفائه و ستبقى مخلصة لروحه،ورجتني أن أزوره لأخبره بذلك لأنه لم يسمح لها بزيارته بعد أن ساءت حالته في الأيام الأخيرة .
توجهت نحو منزل أهله ، و قد صمّمتُ أن أشرح الموقف ، مشيت بخطى وئيدة محاولاً ترتيب أفكاري وكلماتي ، قرعت جرس الباب،كان الجو ساكناً ، رطباً، و ثَمَّة رائحة ورود قوية تنبعث من أرجاء المكان ،فتحت امرأة لا أعرفها باب المنزل ، نظرت إلى عينيها ، كانتا محمرتان ،سألتها :
_ عفواً سيدتي ، أريد أن أرى ربيعاً إن أمكن ،أناصديقه، وقد علمت أنه عاد من المشفى .
طفرت دمعتان كبيرتان من عيني المرأة ، ثم انخرطت في موجة بكاءٍ حارّة ، و بعد أن التقطت أنفاسها بصعوبة ، أجابتني بصوت مرتجف :
لقد تأخّرتَ يا بُني ، إذهب لرؤيته هناك ، إنهم في المقبرة "

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب