فجأة ، ودون سابق إنذار، أو أية إشارات تحذيرية، ينفجر شيء في داخلي، في دماغي، في كياني في محيطي، هكذا، بكل بساطة وسخرية ، وسذاجة، ينفجر ذلك السؤال القنبلة؟..
سمعت من تجمهر حولي يهمسون فيما بينهم بعد أن رأوني وأنا أتهاوى، بأن الذي زرعها في رأسي إنما هو " ذلك الإرهابي " المحترف الذي يهوى زرع الأسئلة المفخخة في رؤوس بعض الناس.
تناثرت أجزاء أفكاري، وتطايرت فوق الأرصفة، على أعمدة النور، والتصقت بحجارة الجدران الأثرية، هرع أصحاب المحلات المتخمين نحوي ليروا كيف ينتفض جسدي على الرصيف وكيف يتحول نزيف رأسي إلى مادة بيضاء تنساب فوق الإسفلت وتذوب في بالوعة الصرف الصحي للمدينة.
أحاول فيما تبقى لي من تمسك بالحياة أن أرى هؤلاء الناس الشامتين ، و الذين أصبحت أ شكا لهم
رخوية، وبدأت أرى وجوههم مطاطية عجيبة التفاصيل، وآذانهم طويلة، وعيونهم بلهاء وأجسادهم انتفخت كالخنازير ، وذيولها القصيرة ، أستطيع تمييزها بوضوح ، و أسنانهم كأسنان الجرذان ، لكنهم كانوا بلا أدمغة ، يحدقون في ببلاهة ، وأنا أنتفض ، وأتلاشى ، وأتعجب؟ هاهو ذا الإرهابي الذي فجر رأسي يقترب، يقف بين الجمع، ينظر إلي ساخرا، وعيناه تقدحان شررا، يمسح يديه الملطختين بالسائل الأبيض، ثم يغادر ني بهدوء عجيب، بعد أن تأكد بأنه قد أفلح في فتح رأسي، ويدهشني أنه لا أحد يعتقله، لماذا لا يلقون القبض عليه ؟؟ لماذا يتركونه حرا، يمشي الخيلاء بين الشوارع الراقية ، والتي بدأت تكتظ بشتى أنواع الناس من الذين انتفخت أجسادهم ، وتطاولت آذانهم ، وقرونهم ليروا الضحية الجديدة بلا مبالاة ، يبدو أنهم قد اعتادوا على رؤية بعض الذين ينفجرون فجأة في وسط الشارع، لكن ، لماذا لا يأتيهم الدور؟؟ لماذا بعض الناس فقط من تضيق عليهم أجسادهم فجأة، وينفجرون إما جنونا، أو انتحارا ؟؟ هل لأن أدمغتهم فارغة أم لأن تلك الأدمغة لا يؤثر بها سلاح الإرهابي الذي يعرف كيف ينتقي ضحاياه، وكيف يضع سؤاله القنبلة، وكيف ومتى يبدأ الانفجار ..
تحلق حولي رجال الشرطة، والإسعاف، يحاولون نجدتي، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يا للرعب كيف سأستطيع إعادة أفكاري التي ساحت في بلاليع المدينة ؟؟ كيف أعيد التقاطها ، وجمعها ؟؟
هل يستطيع الأطباء ذلك ؟؟ هل يستطيع الطب الحديث أن يزرع لي أفكارا جديدة ؟؟ كيف ؟؟ وممن ؟؟ وهل ستنطبق على حجمي، ومقدار تفاعلي ؟؟ وهل إذا نجحوا في ذلك سأبقى أنا،أنا ؟؟ أم سأصبح إنسانا آخر ؟؟ أم ، أم ؟؟
يرفعونني على نقالة الإسعاف، أحاول تمييز رجل البوليس الواقف بقربي، وهو يهم بالتقاط بصمات، أو أدلة، أدقق في وجه الرجل، أدقق أكثر، يا للهول ، فلهذا الرجل نفس تفاصيل وجهي ؟؟ لقد تقمص وجهي ؟؟ كيف يحدث هذا ؟؟
يدخلونني سيارة الإسعاف ، تبدو طويلة ، طويلة ، كنفق بلا نهاية ، و يتابع الطبيب لف الأربطة حول رأسي محاولا وقف نزيف ذلك السيل من الأفكار البيضاء ، أنتفض بألم ، أصرخ ، أتمتم بكلمات غير مفهومة ، أشعر بها تخرج من فوهة ما في وجهي ، ولها صوت غريب، كصوت بوق مكسور في قبو تحت الأرض، أو كصفارة إنذار حادة الصوت ومرعبة، فوق بناء عال، ماذا أحاول أن أقول ؟؟.
أحدق في ذلك الطبيب ، رغم أن عيني كانتا مغمضتين ، إلا أنني و منذ أن انفجر رأسي بذلك السؤال القنبلة أصبحت أرى من خلال جفوني ، وأستطيع رؤية أدمغة الناس وأفكارهم شفافة كأحواض الأسماك ؟؟.
يا لهذا الذي يحدث، الطبيب أيضا له وجهي، وتقاسيمه المتطابقة، لكنه لم يلحظ ذلك لأن وجهي قد تغيرت تضاريسه .
تزعق صافرة الإنذار بداخلي ثانية، وذلك الإرهابي يطل بوجهه الغريب عبر نافذة سيارة الإسعاف التي انطلقت بسرعة لمحاولة إنقاذ رأسي المنفجرة ، أراه من خلال عيني المغمضتين ، يقترب مني كيف دخل السيارة المسرعة ؟؟ يقترب أكثر ، كيف لا يشعر الطبيب بوجوده ؟؟ هل هو غير مرئي ؟ يتسلل نحوي، ويقَرب فمه الذي يشبه جرس الكنيسة، ويهمس في أذني، لكن سرعان ما يتحول صوته إلى صفير حاد، وكأنه تقمص كل صافرات القطارات في العالم :
-" إني أضع أسئلتي القنابل في رؤوس من أحبهم ؟؟ لأنهم بعد الانفجار سيدركون الحقيقة الكبرى
ثم انسل بهدوء عبر النافذة المغلقة للسيارة المسرعة ، وتلاشى .
لم يلحظ الطبيب ذلك، وضع سماعته على رأسي النازف، لكنه سرعان ما نزعها عن أذنيه كمن أصابته صدمة قوية ، تراه سمع صفير القطارات المتعالي داخل رأسي؟ تراه سمع صوت بوق الإنذار الأجش الذي يبعث على القشعريرة ، ولا يزال ينعق في ذلك النفق المظلم ؟؟
لقد اختلطت الأمور على هذا الطبيب الذي يتقمصه وجهي، التفت سائق الإسعاف إلى الرجل ليعلمه بوصولنا للمشفى ، يا للغرابة ، حتى سائق سيارة الإسعاف له وجهي تماما ، ولم يفاجئني الأمر بقدر ما أثار استغرابي .
نظرت إلى أرصفة الشوارع ، كانت كل بلاليع المدينة قد طافت بسائل أبيض غريب له رائحة الربيع ، ولم يعرف عمال البلدية من أين جاء ، وكيف كلما حاولوا شفطه، وضخه بالآلات كلما ازداد .
عمال البلدية كلهم، كانت لهم وجوه كوجهي ، غريب حقا ما يحدث ، حتى داخل المشفى وفي السراديب الطويلة التي أخذوني خلالها ، كان كل من يعبر بجانبي ويراني، يتقمصه وجهي هل هذه هلوسة النهاية ؟؟ أم ماذا ؟؟ .
لا يزال صفير القطارات يتزاحم داخل رأسي المنفجر ، ولا تزال آثار السؤال القنبلة تملأ تلافيف دماغي الذي لم يتوقف نزيفه الأبيض بعد ، حتى أنه بدأ يتسرب على بلاط المشفى ، والمعدات الطبية القريبة ، هذا السائل الربيعي الرائحة ، أتعجب ، أين كنت أحتفظ بتلك الكمية الهائلة التي تتكاثر تلقائيا كلما رآها إنسان بعينيه ؟؟ وانتابني شعور جديد ، سرعان ما تحول إلى سؤال منفجر آخر ، " ماذا لو طافت المدينة بهذا السائل ؟؟" إذ لا يعقل أن يمشي الناس بعيون مغمضة ؟؟ لكنني أتعجب من تلك المخلوقات التي تشبه البشر ، والتي لها أشكال غريبة وأجساد خنازير وترتدي الثياب الحريرية ، والفرو ، والجواهر ، كيف لم تتغير ؟؟ يبدو أنها تمتلك نوعا من المناعة ضد هذه المادة ، فهم وحدهم من يسير في الشوارع بعيون مفتوحة غير آبهين بطوفان ذلك السائل الأبيض، بل وينتعلون أحذية عالية الساق ، تشبه الأحذية العسكرية الثقيلة ، ويهزون ذيولهم القصيرة وآذانهم المفلطحة مفتخرين بأنهم قد وجدوا الحل الأمثل للتخلص من ذلك السائل الذي يصيب من يراه بعدوى الانفجار .
وضعوني في المصعد الكبير ليتم نقلي إلى غرفة العمليات ، بجانبي أيضا سرير عليه بقايا رجل ، وقد انفجر رأسه مثلي ، ولم تزل تتدفق منه نفس المادة البيضاء ، قالوا إنه طالب جامعي .
حدقت فيه عبر نظرات متراقصة من عيني المغلقتين ، لديه وجهي أيضا ؟؟ لم أكترث هذه المرة بقدر ما دهشت حين نظرت إلى الممرضة الواقفة بقربي ،والتي تضغط بيدها على مكان النزيف الأبيض إنها تحمل وجهي أيضا ؟؟ واكتشفت أمرا مثيرا، "إن كل من ينظر إلي ، تتغير ملامحه فورا وبتقمصه وجهي دون أن يدري هو ذلك " ؟؟
صافرات الإنذار تزداد قوة ،والأبواق المكسورة التي لا تزال تنعق تحت أنفاق المدينة ، تتمرد على السكون أكثر ، و تمزق هدوء الرؤوس الراكدة ، أشباه البشر، أبدوا انزعاجهم ، رغم أن لديهم مناعة ضد هذه الأصوات ، فهم وحتى بوجود آذانهم الطويلة المفلطحة ، إلا أنهم صم كالأفاعي
واعتقدوا بأن زلزالا ما وشيك الحدوث جراء اهتزازات غامضة تحدث تحت أنفاق المدينة .
أعلنت الطوارئ في المشفى ، فقد ازدادت حالات الإسعاف المماثلة في الغرف المجاورة، وفي المشافي القريبة، واختلط الأمر بين المصابين بانفجارات في رؤوسهم ، وبين الأطباء والممرضات فكلهم يتقمصون نفس الوجه،وجهي،ولا تزال رؤوس أولئك المصابين تنزف مادة بيضاء لها رائحة الربيع يتغير وجه كل من يراها ، أو يلمسها ، أو يشم رائحتها ، ولا تزال في ازدياد .
تم عرض الحدث الغريب على شاشات التلفاز، وعقدت ندوات ومحاضرات في شتى أرجاء المدينة،بعضها يحذر، وبعضها يصف ويطمئن، والمدهش في الأمر، أنه لا أحد قد طالب با لقبض على ذلك الإرهابي الذي كان يحضر كل تلك المؤتمرات ، وفي أحدها وقف يحاضروا يفلسف
ويدافع عما يقوم به ، شارحا أنه قد ينتقي عاملا في فرن ، أو مطعم ، أو مقهى ليمنحه شرف أن يكون أحد ضحاياه على أن يختار أستاذا في الجامعة، أو تاجرا كبيرا، أو صاحب فندق ، لأنه يعرف تماما البشر الحقيقيين من أشباه البشر الخنازير، وأعلن أنه سيستمر في عمله هذا حتى ساعة الحقيقة الكبرى التي لن يحظى بها إلا ضحايا قنابله الخالدون ، ثم انسل بهدوء مثير كعادته تاركا القاعات كلها تضج بتصفيق حاد من أناس كانوا ضحاياه ، وجميعهم يحملون وجوها مطابقة لوجهي أما من أسماهم بأشباه البشر، فكانوا يكتفون بالاختباء في ظل مقاعد الضحايا، وقد حلوا ربطات أعناقهم الثخينة ، ونكسوا آذانهم الطويلة ، وأخفوا قرونهم تحت قبعاتهم الفاخرة المستوردة .
في غرفة عمليات المشفى، مددوني، بعد أن قيدوا جسدي المرتعش، وأوردتي إلى أجهزة معقدة كثيرة وأزاحوا الأربطة الجلدية التي تشبه السياط ، والتي كانت تثبت رأسي الذي لما يزل ينزف سائلا أبيض، دخل جراح كبير، رهيب الهيئة، ملثم الوجه، ثم فتح النوافذ، وأضاء الأنوارعلى غير العادة الطبية في غرف العمليات، وخاطب بلهجة صارمة أعضاء الفريق الطبي الذين يتقمصون نسخا من وجهي :
-" يجب أن يسمع أهل المدينة هذا الصفير الصادر من هذه الرأس المفتوحة ، يجب أن تدخل صافرات الإنذار كل نوافذ البيوت "، ثم اقترب مني وحدق مليا بوجهي ، وهمس بصوت يشبه تراتيل الكنائس :
-" أنا الذي سأشفيك الآن ، بأن أضع في رأسك قنبلة جديدة ليتعمد من نزيفها أهل المدينة ثانية"
لقد عرفته ، إنه ذلك الإرهابي الصارم ، فلديه قدرة عجيبة على تغيير صوته كما يريد ؟؟ ثم و قبل أن يذوب في فراغ المكان ، همس في أذني نغمتي اعتراف من فمه الجرس ، وتناثر وسط اندهاش الحضور .
-لم يكن ذلك الإرهابي سوى "الزمن "؟؟
-ولم يكن السؤال القنبلة إلا " ماذا أنا" ؟؟
-والقنبلة الجديدة التي بت أترقب بشوق لحظة انفجارها في رأسي ثانية " حرية .. حرية ".
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب