المطر هذا الرّحيق الإلهي الذي يُطهّر الطبيعةمن غبار الفصول ، ويغسل قلوب الناس ، يسقي ورود الحزن في نفوسهم ، ويفتح أمام المواقد الودودة أبواب الذكريات وحكايا الماضي ، يلمُّ شملَ العائلات ، وتنهمك الأمهات والجدات في تراثهنّ القديم المتجدّد ، يتفنّن في استعراض مأكولاتهن الممُيزة حين يلتمّ الأبناء والأحفاد حول الموائد التي تفيض منها نكهة البركة والبساطة .
يتحلّقُ الشبان حول مواقد الحطب ، ينُظفّون أسلحة الصيد القديمة الموروثة عن الأجداد ، ويضعون اللمسات الأخيرة لرحلات الصيد المبُكّر التي لا تنسى ، وينعكس لهب حطب اللوز والزيتون على وجناتهم التي احمّرت إثر تناول كؤوس النبيذ البيتي المعُتّق وحبّات العنب المجففة .
المطر ينهمر ، يزداد كثافة ، فتغتسل حجارة البيوت البازلتية في البلدة القديمة ، وتنبعث رائحة التراب المنعشة من الشوارع الضيقة والتي كوّنت فيها السيول جداول صغيرة .
المطر ، وأنا أمشي تحته بمتعةٍ غريبة ، لا شيء أجمل من السير تحت المطر حيث تنفتح آفاق التأمل فهذا المطر الذي يغسلني منذ ثلاثين شتاء ، قد غسل أجدادي وأجدادهم ،لكن العلاقة بين البشر والمطر أعمق بكثير ، المطر هو الذي كوّن البشر عندما امتزج بالتراب ، أليس الإنسان في نهايته حفنة تراب وكأس ماء؟
العلاقة أعمق ، أعمق ، وهذا ما يفسر الحنين الجارف لعشق الناس للمطر، نحن جميعا أبناء المطر ، أبناء التراب .
دفنت تلك الأفكار المطرية في ذاتي المتسائلة حين وصلت إلى مبنى مديرية التربية ، كان المطر قد بللني تماماً ، فلُذتُ تحت سقف مرآب السيارات القرميدي ، ورُحتُ أنفضُ عني قطرات الماء التي تحّولت إلى بللٍ حين امتصّتها ملابسي .
دخلت المبنى الجديد ، كانت الفوضى عارمة في الداخل ، فقد انحشر الموظّفون والمراجعون والطلاب في سراديب وممرات المبنى ، منهم من ينتظر توقف نوبة المطر، ومنهم من جاء ليراجع في أمر ٍما ومنهم من أتى ليرى نتائج مواده خصوصاً وأن قسم الامتحانات يضم كل نتائج المراحل الدراسية الجميع يدخلون خائفين ويخرجون بعد لحظات ، بعضهم يوزع ابتساماته على من حوله فرِحاً ، وقد ضاق به المكان لسعادته بنجاحه ، وبعضهم الآخر يخرج كئيباً ، يائساً، دامعاً ، وقد ضاق به نفس المكان لدرجةٍ يكاد معها أن يختنق .
سألت الآذن العجوز عن قسم الفرز فأشار بيده المتجعدة إلى نهاية الممر على اليمين، خُضتُ في الزحام ثانية ، وقد بدأت تساورني شكوك شتى ، ماذا لو لم تصل أوراقي بعد ؟ ماذا إن فضّلوا علي أحد الذين لديهم معارف أو نفوذ ، فنحن في زمنٍ لا حول للبسطاء فيه ، ولا مكان للذين يشقّون طريقهم دون مساعدة ، لقد تعقدت الأمور واختلطت ، وسادت بيروقراطية من نوع جديد بيروقراطية جيوبها المطاطية كبيرة ، بيروقراطية المحسوبيّات ؟
تتوالى الأسئلة على ذاكرتي كالمطارق ، لكنني سرعان ما أُبعِدُ تلك الوساوس ، فأنا الناجح الأول في المسابقة التي أجرتها مديرية التربية لانتقاء مدرسين للغة الإنجليزية
طرقتُ باب مكتب مدير الفرز ، فتحته بهدوءٍ والخجل يحتلُّ تفاصيل وجهي الذي أُحسّه مُلتهباً ولا أزال أعاني من عقدة الخجل من الأساتذة ، حتى الذين علّموني في المرحلة الثانوية ، كنتُ حين أراهم يسيرون في أول الشارع باتجاهي ، أهرع عائداً من حيث أتيت ثم أتوارى عن أنظارهم .
دون مقدمات ، ناولني مدير الفرز كتاب تكليف صغير ، و هنّأني ببر ود على قبولي مُدرِّساً جديداً في المدرسة الإعدادية لإحدى القرى النائية ، مُبارِكاً لي انضمامي لأسرة المدرسين ، متمنياً لي التوفيق وحين قلت له أنني قدّمت طلباً للتدريس في مدرسة المدينة التي تعلمتُ فيها صمتَ قليلاً ثم أجابني بلهجةٍ عصبيةٍ لا تخلو من الارتباك :
هل تعتقد أن الأمر بيدي يا أستاذ ؟ لقد نال زميلك فرصة التدريس بتلك المدرسة وفهمك كفاية تفضل ولا تحرجني أكثر ، مع السلامة .
وزميلي ذاك هو ابن أحد معاوني المحافظ في المدينة .
توقف الباص العتيق الذي عايش الحرب العالمية الثانية – والتي لا تزال آثارها واضحة على هيكله الصدئ - بصعوبة بعد رحلةٍ طويلة استمّرت أكثر من ساعتين صعوداً و نزولاً عبر الطرق الجبلية الوعرة .
كانت القرية هادئة ، والشوارع شبه خالية ، وكانت ثّمة آثارٍ رومانية تناثرت هنا وهناك وتلاحمت مع بعض البيوت الإسمنتية الحديثة البناء .
ترجّلتُ من الباص حاملًا كتبي وأشيائي الخاصة في كيس بحّارةٍ قديم كان لوالدي ، أهل القرية البسطاء يُميزون بوضوحٍ كل غريب يطأ قريتهم ، لكن وجوههم المُكتنزة والفيّاضة بالبراءة تبعث على الودّ فلا يشعر الغريب بالوحدة ، سألت فلاحاً مَرّ بقربي ممتطياً حماره عن المدرسة ، فأشار بعصاه إلى بيتٍ حجريٍ كبيٍر مؤلف من طابقين ، ولم ينس أن يدعوني بكرمٍ فطري للاستراحة في منزله رغم أنها المرة الأولى التي يراني فيها .
رحَّب بي مدير المدرسة الكهل،وهيئة التدريس القليلة العدد ، قال لي أستاذ مادة الرياضيات مازحاً :
-أهلا بك في منفانا السيبيري يا زميل
لكنني لم أفهم ماذا يقصد آنذاك ، رددتُ التحية بخجل طالبٍ ثانويّ ، فكم أنا صغير أمام خبرات أولئك الأساتذة القدامى .
كانت المدرسة " الحجرية " كنيسة رومانية قديمة في مملكة " سالي " ، هذا ما قاله لي أستاذ مادة التاريخ المهووس بالآثار الرومانية ، وبخاصة مملكة " سالي " فقد ترك زوجته وأولاده وجاء إلى هذه القرية البعيدة الجليدية ليتابع دراساته حول هذه المملكة التي لاتزال القرية تحمل نفس اسمها " سالي " ، ويُصرّ ذلك المعلم على أنه يسمع في كل ليلة خميس وقع الدواليب الحديدية وحوافر الخيل وصليل السيوف على البلاط الحجري المحيط بالمدرسة والنبع الروماني القريب ، والذي لا يزال أهل القرية يشربون منه حتى اليوم ، بل أنه يتمادى في حديثه لدرجة أنه يعتقد أن ملكة سالي تزوره في ليلة كل ليلة خميس ، وتأمره بالبقاء معها لذلك كان يمضي ُجلّ يومه بين أنقاض ديوان القصر الملكي الذي لا تزال أطلاله واضحة، ويعتقد أن سالي الملكة ستعود لتكرر المذبحة ، وكان ينتفض مشدوها حين نجتمع لتناول الشاي، صارخاً :
ستعود ، لابد أن تعود ، لقد قالت لي ذلك
وحين سألته عن هذه الملكة ، أجابني بشيءٍ من الخشوع :
-إن هذه الملكة قد خلّصت شعبها من الفقر والفساد الذي كان سائداً، فرغم أنها مملكةٌ غنية إلا أن البعض احتكر غذاء الكل ، واستفحل خطرهم ، ولما لم تستطع أن تُعيد العدالة والحرية ، دعت كبار قادتها وتجار مملكتها إلى وليمةٍ كبيرة، وذبحتهم هناك ، ثم انتحرت فكانت كبش فداء لشعبها المقهور الجائع.
وفوجئتُ أكثر حين علمت من مدير المدرسة أن أستاذ التاريخ هذا قد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس ، وكانت " سالي " أطروحته ، لكنه حين عاد وجد خطاب تعيينه هنا بدلاً من التدريس في الجامعة ، فانفصمت شخصيته .
كان طلاب المدرسة الوحيدة يأتون من عدة قرى كل صباح سيراً على الأقدام ، أو على الحمير ، أو يتجمهرون فوق أحد الجرارات الزراعية النادرة الوجود ، وما أن يبدأ الدرس الأول حتى يغطّ معظمهم في نومٍ عميق ، في البداية كنت أغضب كثيراً لعدم استيعابهم الدروس ، لكنني أصبحت أعذرهم فيما بعد واضطر لإعادة شرح الحصة عدة مرات سيما و أنهم يعتقدون أن مدرس اللغة الإنجليزية لا بد و أنه جاء من دولة أجنبية ، أو هبط من كوكب آخر ، و أغلبهم يظن أن الشهادة الثانوية هي أخر محطة في رحلة العلم .
لقد كان هناك الكثير من الأشياء التي لابد أن تفهمها تلك الأجيال المنفية البعيدة عن كل ما يسمى حضارة ، رغم أن سالي كانت هناك ، بأوابدها الشامخة ، و المسرح الروماني لا يزال يردد أصداء ملاحم " دانتي " و " جلجامش " و أشعار " هوميروس " و أساطير " عشتار ".
-لا بد أن نذهب للتعزية قال لي مدير المدرسة بلهجة حزينة في ذلك الصباح الناصع البياض
و قد كفّن الثلج القرية حتى النوافذ ، و سدت الطريق الوحيدة المؤدية إلى المدينة تماما .
بدأ يشرح لي الأمر ونحن في الطريق ، وقد امتطينا بعض الحمير ، فبينما كان الثلج يتساقط بغزارة منذ عدة أيام ، كان في القرية المجاورة ثلاثة أخوة يؤدون خدمة العلم ، و يتحتّم عليهم الالتحاق بمواقعهم إلا أن الثلج قد حال دون ذلك ، فقرروا أن يغامروا بالنزول إلى المدينة سيرا على الأقدام ، و في الطريق تاهوا، و غاصوا في تل ثلجي عميق لم يستطيعوا التخلص منه فماتوا ، و بعد يومين انتشلتهم صدفة جرافة البلدية التي كانت تفتح الطريق ، و تبين أنهم كانوا ملتصقين ببعضهم في محاولة فاشلة لنشر الدفء في أجسادهم المتجمدة .
عدنا إلى القرية بصعوبة ، و كانت السماء تنذر بعاصفة ثلجية جديدة ، و في تلك الليلة ، أصر مدير المدرسة على دعوتي إلى منزله لتناول "الدهن" ، قائلا بعد أن لاحظ دهشتي :
-إن تناول الدهن في الليالي الثلجية طقس نحرص على تطبيقه ، خاصة مع الأطفال خوفا عليهم من أن يموتوا و هم نيام لشدة الصقيع في الليل .
في الصباح التالي ، أفقت على أصوات بعيدة تناديني بأن أنهض ، وحين فتحت الباب كانت دهشتي بالغة حين لم أر شيئا ، سوى بياض ناصع يبهر الأبصار ، فمنازل القرية مغطاة تماما بالثلج ، و بعض الأهالي يحاولون فتح سرداب صغير بين هذه التلال الثلجية لإنقاذي من الحصار ، كان مستوى الثلج أعلى من سطوح المنازل ، وقد خشع قلبي و بصري لهذه اللوحة الطبيعية المستحيلة ، البيوت
و المدرسة و مركز البريد ، و أعمدة النور التي أصبحت مجرد أوتاد بعد أن غادرتها الكهرباء منذ زمن بعيد ، كل شيء قد اختفى ، ابتلعه الثلج ، و لم ينقذ أهل البلدة سوى حوامة عسكرية ، رمت أكياس الخبز و الشاي الجاف و بعض المعلبات فوق منزل المختار ، ثم غاصت في الغيوم الرمادية المنخفضة ، و لم تعد .
في ذلك المساء ، و قد اجتمعنا حول موقد الحطب في منزل مدير المدرسة ، أعلن أستاذ التاريخ أن سالي الملكة غاضبة جدا ، و قد أمرته أن يتعمد بماء نبع القرية لأن وقت عودتها قد حان لتمنحه شرف الحرية من منفاه ؟
لقد كانت كلماته المرتجفة ممزوجة بإصرار غريب ، و نظراته المتراقصة تؤكد اقتناعه بما يقول ، لكننا و قد اعتدنا على أفكاره الرومانية تلك لم نُعر للأمر أهمية بقدر ما أشفقنا عليه .
في صباح يوم الجمعة التالي ، أيقظني آذن المدرسة باكرا ، كان منفعلا ، وطلب مني أن أذهب إلى المدرسة فورا ، فالمدير يريدني ، و رغم أنه يوم عطلة ، فقد ارتديت ملابسي وذهبت ، كان جميع الأساتذة هناك ، و أهل القرية ، و المختار ، و كانت المفاجأة حين طلب منا مدير المدرسة الذي بدا حزينا ، كئيبا ، و كالح الوجه أن نتبعه ، ثم سار بنا بين تلال الثلوج باتجاه أنقاض القصر الروماني ، و هناك كان أستاذ التاريخ طافيا فوق مياه النبع المتجمدة ، و كان عارياً .. ..

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب