رنّ جرس الهاتف على مكتبي في الوظيفة الرسمية عدة مرات قبل أن أجيب ، كنت مشغولا بتنظيم البريد اليومي الذي سيدخل جناح الوزير للتوقيع عليه ، رفعتُ السمّاعة،جاءني صوته بعيداً ،ضعيفاً،مرتبكاً، ممزوجاً برجفةٍ واضحة :" أنا انتظرك في المطار
| ".
المطار ؟؟ ما الذي جاء به إلى المطار ؟؟ ما الذي يريده من المطار ؟؟ لم بد ا صوته هكذا ؟؟
ارتجفت مفاصلي لمجرد التفكير بأي أمر سيء ، فقد كنت قد أفقت للتوّ من صدمة وفاة أحد الأصدقاء ، و لم أزل أعاني من دواماتٍ مفاجئة تكتسح رأسي ، و من كوابيس و ذكريات تؤلم نفسي .
رميت القلم من يدي ، نهضتُ كالملسوع ، ناديت الآذن العجوز الذي أتى مهرولاً كعادته ، طلبت منه الانتباه للمكتب ، ثم أخذت محفظتي و نزلت الدرج بسرعة ، لم اكترث للتحيات الصباحية التي ألقاها علي زملائي ، و ما أن خرجت من مبنى الوزارة إلى الشارع ، حتى لسعتني شمس تموز ، وأربكني ضجيج السيارات و فوضى الحركة. قفزت إلى الرصيف المقابل ، تلمَّستُ محفظتي ثانيةً ، أشرت لسيارة أجرة سرعان ما توقفت، و طلبت من السائق الانطلاق إلى المطار بأسرع ما يمكن .
بدا لي الطريق طويلا جدا ، و كأن المطار في بلد آخر ، حاول السائق أن يحادثني لمجرد التسلية و لكنه عدل عن فكرته ، حين لاحظ أنني أنظر إلى الأشجار التي تعبر بسرعة جنونية من النافذة .
عجيبة هذه الدنيا ، عجيب هو الإنسان ، أتساءل كم عيناً تعلَّقت على هذه الأشجارو هي تغادر الوطن ؟؟
كم نظرةٍ عشّشت بين الغصون تستجدي البقاء ؟ | ..
طعم فنجان القهوة الصباحي المر لا يزال عالقاً بفمي ، تلمّست رقبتي ، فأدركتُ أنني نسيت ربطة عنقي على مشجب المكتب ، ِلم َ هذا الشعور بالاختناق رغم أن رقبتي حرة
أعلنت إذاعة دمشق في المذياع تمام الحادية عشر و الربع ، غيرّ السائق الإبرة نحو إذاعة أخرى، جاءني صوت فيروز الرّطب " يا جبل اللي بعيد ، خلفك حبايبنا .." طلبتُ من السائق أن يرفع الصوت قليلا ، لا أدري ما الذي يدفع عواطف الإنسان كلّها لأن تثورَ دفعةً واحدة | | أهو الحنين ؟ أهي الذكريات ؟ أهو الحزن الساكن نقيّ عظامنا ؟؟ أم السعادة التي أوهنت قلوبنا من كثرة الحلم بها ؟؟
أحسُّ ، وكأنّ بحراً من الدموع تحجزه عيناي و كم أخشى أن يفيض .
أيقظني شرطي المرور على باب المطار من شرودي ، طلب هويتي الشخصية ، قلَبها ، ثم أعادها ، تابعنا المسير حتى باب القاعة الرئيسية ، نقدت السائق الأجرة ، كانت كبيرة لكنني لم أهتم كثيرا لذلك شكرته و نزلت .
دلفتُ القاعةَ،فاجأني الضّجيجُ ثانيةً،جميع مَن في القاعة يتحركون بكل الاتجاهات وكأن مسَا قد أصابهم و أصوات مكبرات الصوت تُعلِن إقلاع طائرات،و هبوط أخرى ، تارةً تأمرُ المسافرين للتأهّب،وتارة أُخرى تتمّنى للقادمين السلامة ، و طيب الاقامة .
ُجلتُ بنظراتي في أنحاء القاعة الدمشقية الفسيحة ، رأيته ، بطوله المميز ، واقفاً هناك بجانب حجرة الهاتف العمومي ينظر مثلي ، كان واهناً ، ضعيفاً ، و عيناه معلّقتان على باب الخروج ، شعرتُ بأنه خائف ، ركضتُ نحوه ، رآني أركض باتجاهه، تعانقنا ، ربطتنا تلك الرّحم ، و ذلك الدم الواحد الذي يجري بجسدينا ، أحسستُ بالارتواء لما عانقته،حاول بحر الدموع أن يفيض ، أسكته حين مسح بيده المرتعشة دمعتي ، امتزج طعم الدموع بطعم المرار في فمي ، بلعتُ ريقي بصعوبة ، جلسنا على أحد المقاعد ، تأ مّلتُهُ ، رجوته أن يتراجع عن سفره إلى " ليبيا " ، أجابني بحرقة ، طلب مني أن أدعه ليُجرّب حظّهُ بالسفر ، تأمّلتهُ ثانيةً ، رأيتُ إصراراً ممزوجاً بالخوف في عينيه الزرقاوين رجوته ثانيةً لأن يبقى و يُكمِلَ دراسته ، ابتسم و صمت ، تناول محفظته الصغيرة ، فتحهاوأعطاني بعض الأوراق
وجواز سفره ، و طلب مني إكمال المعاملة في مكاتب المطار فهو لا يحُسِن التصرُّف،سيما و أنها المرة الأولى التي يأتي بها إلى هنا،نظر بعضنا إلى الآخر بصمت،أحسسنا سوياً بمرارة الغربة،أخذتُ الأوراق وطلبت منه أن يتبعني .
بدأتُ أتنقَّلُ ِبخفّةٍ بين أروقة المكاتب الحكومية ، ختمٌ هنا ، و توقيع هناك ، استرقُ النّظر إليه و هو يمشي خلفي بتثاقل ، يجوب بنظراته التائهة على الناس ، و اللوحات الإلكترونية ، آه ، كم هو صغيرٌ على السفر ، أتعجَّبُ من نفسي ، كيف أُنجز معاملةَ سفره بهذا الحماس ؟ بهذه الروح المنُفعلة ؟ما الذي يجري ؟ إني أُبعِده عني بيديّ ، إني أُعجّلُ في رحيله عن أمه،عني ، عن هذا الوطن ، آه ، كم هو واسع و ضيق هذا الوطن ؟؟
استرقتُ النّظر إليه ثانية ، وجهه مُصفرٌّ ،ضبط نظراتي هذه المرة، ارتبك،حاول أن يبتسم ففشل .
أمام مكتب التأشيرة وقفنا ، ناولتُ الموظف الأوراق و جواز السفر ، لا أدري لماذا تلمَّستُ الجواز ، فَرَكتُهُ بأناملي أحسستُ أنه غضٌ ، طريٌ جداً ،وحين فتحه الموظف على إحدى الصفحات أمسكَ ختماً كبيراً،وختم الجواز شعرت إذ ذاك بوخزةٍ قاسيةٍ في صدري وكأنَّ الختمَ كان على قلبي ؟ .
رمى الموظف الأوراق أمامنا ، وطلب منا التوجّه إلى باب المغادرة دون أمتعة،كانت أمتعته حقيبة صغيرة، توجّهنا مع بقية المسافرين إلى باب الخروج ، وهناك أوقفني شرطي إذ لا يُسمَح لي بالمتابعة إلى باحة المطار .
وقفنا بصمتٍ ، بدهشةٍ ، كأننّا تمثالان من شمع ، أمعقول أننا سنفترق ؟؟
أمسكتُ بيديه ، كانتا باردتين ، بلعَ ريقه ، لم أستطع أنا ذلك ، فتح لي ذراعيه النّاحلتين و ضمّني بقوة ، شعرت بأنفاسه المتُسارعة السّاخنة على عنقي ، سمعتُ قلبه المتُعب يبكي، أحسستُ بأوردته تحاول التّشبث بدمي ، لم أُرِد تركه إلا أن الشرطي نبّهنا بضرورة الإسراع،أبعدتُ نفسي عنه بصعوبة، فاضت دمعتان ، مسحهما بيده ثانية ، قال بأنه سيراسلني حين يصل ، طلب مني الاهتمام بصحتي وزوجتي ، و الأولاد ، ثم انخرط وسط الناس ، و ابتعد طيفه عني رويدا ، حتى بدا صغيراً أمام ضخامة الطائرة .
أدركتُ الآن كم فقرنا كبير ، و أنه و القدر ، مُتّفقان على حياتنا،شعرتُ و كأنّه لا أحد في المطار سوانا ، عيناي التائهتان ، تنظران للأشياء و لا تريان شيئا ، تنهّدتُ فخرجت تنهيدتي من صدري كالجمرة،طعم حريق في فمي ؟ و الغربة تسكن روحي منذ الآن .
صعد أخي سلم الطائرة ، لم أعد أراه ، فاض بحر دموعي ، لقد غلبني و فاض ، أغرق روحي بفيضانه وأصبحت الدموع حاجزاً بيني ، وبين الرؤيا ، أقلعت الطائرة ، أٌقلع أخي و أقلع معه قلبي .. ؟ ..
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتب, مصطفى حمزة-الإمارات العربية المتحدة
-
الكاتبة, فاطمة عزت محمد البرماوي-الأردن
-
الكاتب, ضمد كاظم وسمي-العراق هواجس
-
الكاتبة, تسنيم عادل حسون-الكويت
-
الكاتب, حسان محمود الحسون-السعودية زوجتي أخت تحسين
-
الكاتب, محمود إبراهيم الحسن-روسيا
-
الكاتبة, ليانة بدر-فلسطين جارة855
-
الكاتب, سامر خالد محمد منـى-الإمارات مشيئة القدر
-
الكاتب, عدنان علي نزهة-الإمارات العربية المتحدة الأصدقاء الأربعة
-
الكاتب, عدنان علي نزهة-الإمارات العربية المتحدة الغد أجمل
|