القلق يسيطر على كياني كلّه، فالزاوية لم تزل محبوبة هادي، والتكوّر صفة متلازمة به. وكم قد شعرتُ بمفاجأة غريبة عندما تقدّم لمحادثتي ذلك الخيال الصامت أبداً. وانتبهت لأول مرة أن هذا الخيال المحشو طالب في مدرستي بل هو مداوم في صفّي نفسه. وكيف لي أن أراه وهو يمضي الدرس تحت مقعد الدراسة لا أعرف ماذا يفعل. أما في الفرصة فينتحي إحدى الزوايا المستورة من الباحة ويبدأ يدخن بترقب وشراهة وتخوف، وهو مطرقٌ وقد لامس ذقنه الصدر. كانت المفاجأة كبيرة فعلاً لأنه قال دون مقدمات بصوت هامس يدبّ كدبيب النملة: ما رأيك أن تزورني لندرس سوية؟ وقبل أن أستجمع أفكاري الذاهلة ابتسم ابتسامة شاحبة ألهتني عن مراقبة البقع الزرقاء الكامدة على خدّه الأيسر وقال: اليوم الساعة الخامسة.
لم نكن قد بدأنا بالدراسة فعلاً عندما دخل أبوه الضخم الجثة وسلم علي بحرارة. أخذ نفساً عميقاً من سيجاره الضخم ثم نفخ بقوة وبدأ تهاطل الكلام. ولكنني لم أكن أستمع إلى قوله لأني لم أستطع منع نفسي من المقارنة بينه وبين الباب الذي دخل منه والتساؤل أيهما أضخم، وقررتُ أن أدقق النظر لأرى كيف سيخرج، وصار انتظاري المتلهف ضباباً أعمى بصيرتي عن إدراك كنه ما يقول ولم يتسرب إلى فهمي سوى بضع كلمات تصف ما سمعه عن تفوقي و و و. وقبل أن أهيم في العالم الضبابي أكثر وأكثر نبهني بسؤاله: هل ترى أنني حرمتُ هادي من أي شيء؟
ينساب شيء من الحسرة من غرفة رفيقي الواسعة الفخمة ويتسلل إلى ناظري، وأنا أتذكر نفسي هارباً من صراخ أخوتي الصغار وضجيجهم الذي يخنق بيتنا الضيق وقد حرتُ أين أخبئ دفاتري وكتبي التي لم يتبقَ فيها صفحة سلمت من التمزق إلا وقد امتلأت بعشرات الخطوط المتعرجة الجارحة. وأخذتُ أمعن التفكير فيما حرم منه رفيقي وأنا أنظر إلى وجهه المطرق في الأرض وقد وضع يده على خده الأيسر المبقع وكأنه يعرقل أقدار الزمن. أحسست أن ألف عام قد مضى وأنا أفكر. هل سأسقط في الامتحان إذا فاتتني الإجابة عن هذا السؤال الضخم المعقد. يا ويلتي لم يترك لي الأب مزيداً من الفرصة للإجابة بل قال بلهجة آمرة: اعتباراً من الغد سيجلس هادي معك في المقعد نفسه، إن امتحان الشهادة الإعدادية لم يعد بعيداً وعليكما أن تتساعدا.
القلق يسيطر على كياني كلّه، فالزاوية لم تزل محبوبة هادي، والدخان ينبعث بتسلل حذر عابقاً، والنصائح أشباح وهروب. قلتُ: هل يعلم أبوك بالأمر؟ وما إن سمع لفظة (أبوك) حتى احتبس تنفسه وغدا لونه شاحباً كأنه الشمع. بلع ريقه بصعوبة وحسبتُ نفسي أسمع ضربات مدفع تتفجر في قلبه وهو يقول: أتوسل إليك ألا تخبره. عرفتُ وقتها ما سر البقع المتلونة التي تنتقل من مكان إلى آخر في جسد صديقي، وعرفتُ أيضاً جواباً على سؤال ضخم معقد أربكني.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب