الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .وبعد :
لقد شكلت مساعي تكوين الأسرة السعيدة هاجسا كبيرا لدى العديد من الكتاب والمفكرين؛ إيمانا منهم بأن الأسرة هي القاعدة الأساسية التي يستند إليها أي سلوك إنساني , فالفعل الإنساني بذرة تطلق جذورها ابتداء في جدار الأسرة ثم بعد أن تستقر وترسخ تستقبل العالم بأغصان متفاوتة في خضرتها وتماسكها .حيث تظل درجة قوة معانقة الجذر بالتربة الأساس- والمتمثلة بالأسرة - هي الشاهد الأمثل على مدى نجاح هذا السلوك الإنساني أو فشله .
ولا يمكن أن ندعي بأن كل من كتب في هذا المجال قد أتقن فمنهم من أبدع في التأليف فكان كرسام مبدع أتقن مزج الألوان ؛ فعلى الرغم من أن الألوان واحدة إلا أنه رفض أن يتشابه مع غيره ما دام أن هناك إمكانية للتغيير . وفي المقابل آخر ما عرف إلا التكرار فبدت ملامح كتاباته وكأنها حروف لا وطن لها  تتناثر تائهة هنا وهناك وكأنها تبحث عن شخصية حقيقية تنتمي لها.
وبما أن الأسرة السعيدة الطموح الأكبر الذي تسعى البشرية لتحقيقه فإنني آثرت الاهتمام بقراءة الكتب التي تتناول هذا الموضوع ومن بين تلك الكتب التي اتسمت بحسن الصياغة وإسلامية الطرح وتوازن العرض كتاب الدكتور ماجد الكيلاني "ثقافة الأسرة المعاصرة " .
ولا أنكر أنني عندما بادرت بقراءة هذا الكتاب خيّل لي انه سيتناول العلاقة الزوجية على صورة معادلة معينة كأن تقول (2س2 =س)  وقد يتساءل البعض عن مرادي في تصوير علاقة الرجولة والأنوثة على صورة المعادلة المذكورة سلفا .
وتفسير ذلك  أن الله سبحانه وتعالى أكرم المرأة بأن رفع قدرها وعظّم مكانتها بشكل يجعلها تماثل الرجل في الحقوق والواجبات , ولكنه وفي الوقت ذاته وبحكمة إلهية معجزة أوجد بين الطرفين الكثير من الفروق من بينها أن المرأة المخلوقة من ضلع الرجل يجب أن تكون تابعة له في النفقة بدلالة قوله : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ) وبقوله تعالى : ( للرجل مثل حظ الأنثيين ) ومزيد تفكير يمنحنا فرصة شكر الله على هذه التبعية الاقتصادية التي تريحنا من أعباء هي في حقيقة الأمر ثقيلة جدا لدرجة أنها قد تسلب المرأة أنوثتها وسكونها وكيف لا وهي تصارع الأرض والصخر لتخرج منها لقمة العيش ,ومع هذه الآيات الكريمة تنطلق بعض الأفهام الخاطئة التي تستخدم هذه النصوص الربانية في أفهام بشرية ناقصة لتعلن بأن الرجل أفضل من المرأة في كل حال وفي أي حال بحجة أن المرأة ناقصة عقل ودين .
وهذا النقص يوجب عليها أن تظل دوما خيالا تابعا لشخص الرجل , خيالا لا يمكن أن يجاوره أو يتقدمه, بل مكانه دوما في الخلف , ودوما في الظل حيث لا تعيش سوى الأوهام والخرافات .
وهكذا توارث هذا الفهم لينتج عنه تطرف في العلاقة بين الطرفين رجل يساوي امرأتان فهو 2س ونظرا لأن قوته أكبر فهو ضعفها أي س2 إذا نقول
(2س2 = س) التي يتشابه هو وإياها بأنهما من أدم وحواء .
ولكن الحقيقة بأنني ما بادرت الولوج في اعترافات الكاتب وأفكاره حتى بدا لي التوازن في الطرح والموضوعية الهادفة وكأنهما شعار يأبى الكاتب إلا أن يرفع سواه , مما يجعلني اجبر على الاعتراف بتنازلي عن هذه الصورة الذهنية المسبقة والاعتراف بأن تلك الحماسة الواثقة في الكتابة  فضلا عن المزج البارع بين الرحمة والجدية بالطرح تأسر القارئ مجبرة إياه على متابعة قراءة الكتاب حتى أخر فكرة فيه , وكأن الكاتب بذلك يعلن للقارئ وبثقة كبرى بأن بين يديه دستورا أسرياً , تطبيق قواعده كفيل بإيجاد حالة سلمية تسودها أنغام المودة والاستقرار في أركان البناء الأسري .
وفي بداية الكتاب بيّن الدكتور ماجد مكانة الأسرة وأهميتها التربوية لعله أراد بذلك أن يبين للقارئ بأن هذه الآية الربانية المتمثلة بالأسرة هي المحور الأساس الذي ترتكز عليها مسالة الخلق والتزاوج في هذا الكون , وهذه المكانة تدفع المرء منا عندما يدرك حقيقتها إلى محاولة تجسد كل نصيحة أو فكرة أو خبرة تساهم في الوصول إلى السكن والمودة والرحمة .
وأضاف الدكتور الكيلاني عددا من الشروط الواجب توافرها في الأسرة وهي :
§   تحديد الذات أو الهوية : والمتمثل بسؤال : من أنا ؟ ومشاعر الطفل وعواطفه التي يستقيها من عناصر أسرته المتمثلة بالأم والأب هي التي تتكفل بالإجابة وهي التي تحدد ملامح ذات الطفل فإما أن تصنع منه بما فيها من سكن ومودة ورحمة  وحدة متكاملة مستقرة وإما أن تنتج طفلا ممزقا خائفا لفقدها أساسيات الأسرة المتمثلة بالمودة والسكن والرحمة .
من أنا ؟؟                  تحتاج إلى السكن والمودة            لتؤدي إلى تحديد الذات أو الهوية
§   تقبل الأنا : وهو تساؤل الطفل عن تكوينه وهيئته ومدى ملاءمتها وتقبلها وعن تقبل من حوله له .وهذا يحدده مقدار الحب والحنان الذي تمنحه الأسرة والمحيطين بها لهذا الطفل .
ما مدى تقبل الآخرين لي ؟؟                    تحتاج إلى الحب والحنان         ينتج عنها  تقبل الأنا
§   تمييز الطفل للسلوك : والسؤال متمثل ب كيف اسلك ؟ وتشكل القدوة الأخلاقية والاجتماعية المرشد الذي يتكفل بإرشاد الطفل نحو بناء سلوكه الإنساني .
 كيف أسلك ؟؟  ---------   تحتاج إلى القدوة الأخلاقية والاجتماعية  ---------    ينتج عنها تمييز الطفل للسلوك
§   تطوير ضمير ناضج : ويكون على صيغة السؤال : ما هو الصحيح الذي يجب أن افعله وإجابة هذا السؤال لا تكون إلا عندما تشكل إجابة الأسئلة الثلاثة السابقة قاعدة ومنطلقا أساسيا تتفاعل معا لينجم عنها ضمير ناضج يقيس الأفعال من حيث قبولها أو رفضها معتمدا في ذلك على خلفية الفرد الدينية .
ما هو الصحيح الذي يجب أن أفعله ؟؟        تحتاج إلى الثقافة الدينية المستمدة من الوحي الإلهي
ينتج عنها تطوير ضمير ناضج
§   الانجاز والنجاح : والسؤال ببساطة يتمثل ب ما قيمة الذي افعله ؟ حيث يحتاج الطفل إلى أن يبرهن له احدهم عن نسبة نجاحه وانجازه من خلال العطاء المادي تارة أو المعنوي تارة أخرى مما يشعره بان له قيمة ومكانة لا يمكن أن يحل محله فيها سواه .
ما قيمة الذي أفعله ؟؟        تحتاج إلى العطاء المادي والمعنوي        ينتج عنها الانجاز والنجاح
وأكد الدكتور الكيلاني أن الأسرة المتمثلة بالأم والأب هي الأقدر فعليا على تنفيذ هذه الشروط المكونة للأسرة السليمة .
ولكنها لن تتمكن فعليا من تحقيق هذه القدرة إلا عندما يتوافر لديها قدر كاف من الثقافة الأسرية الواعية التي تشكل قاموسا قادرا على تفسير وتحليل مظاهر السلوك الأسري بالاعتماد على الفروق الفردية بين أفراد الأسرة أنفسهم , والتي عند تفسيرها تفسيرا صحيحا فإنها وعلى الرغم من كونها فروقات إلا أنها تصبح اختلافات جامعة لا مفرقة ؛ حيث يدرك كل فرد بأن حياته بناء ينقصه عدد من الطوب الذي لن يكتمل إلا بأيدي آخرين سواه .
فمثلا الرجل والمرأة مختلفان , وفي اختلافهما يكمن سحر الكمال, فالرجل لن تكتمل نقائصه إلا بما انحصر وجوده عند المرأة , والمرأة في المقابل لن يتمكن احد من لملمة بعثرتها سوى الرجل , لذلك ترى كلا منهما محتاجا للأخر لا يطيق العيش دونه , ولكن ومع ذلك تظل هناك حالة من الفظاظة في التعامل بين الطرفين , ولا تلبث أن تعرف بان ذاك السكون المصطنع بين الطرفين ما كان سوى هدنة مؤقتة يسعى كل طرف فيها لاكتساب مزيد وقت وجهد لمحاولة كسب الأخر إلى جانبه دوما ودون شروط , ولكن يبدو أن في الطرفين من العناد والكبرياء ما يجعل المعركة سجال تارة لهذا وتارة لذاك , ولا أنكر أن في هذا الوضع نوع من الطرفية البغيضة التي يعلن الدكتور ماجد  وبجرأة فريدة عن إمكانية التوفيق بينها للوصول إلى حالة من الوسطية التي لا تجرح أحدا أو تذل كبرياءه ؛ مستندا في ذلك إلى  ما فتح الله عليه من فهم لنصوص القران فضلا عن الخبرة العلمية والعملية التي اكتسبها على طول السنين.   
وقد اعتبر الدكتور الكيلاني أن الفروق بين الرجل والمرأة هي بحد ذاتها تشكل الأصول الأساسية التي تقوم عليها الأسرة وبالتالي ترتكز عليها مضامين الثقافة الأسرية , ومن هذه الفروقات الاختلافات النفسية بين المرأة والرجل واختلاف أساليب الاتصال والتواصل بينهما فضلا عن الاختلاف في ردود الفعل والاهتمامات والحاجات والأولويات حتى الحوافز والدوافع مختلفة عند كل منهما ,  وينبغي علينا الاعتراف بأن حقيقة الصراع بين الطرفين قائمة على أساس جهل وتجاهل الآخر به وله , حتى بات كل منا يؤمن أن الآخر مجهول جاء من عالم آخر كله غموض ونقص وشر فبات كل طرف خائفا قلقا من التعرف على حقيقة ذاك المجهول .
ولكن يظل هناك بعض متيقظ يرفض أن يعلن الاستسلام لقواعد واهية , ومنهم الدكتور الكيلاني الذي يصر على رفض اعتبار أن الرجل والمرأة من عالمين مختلفين , فهم من عالم واحد وواحد فقط وليس هذا وحسب , بل حتى أن هذا العالم طريق واحدة يسير فيها الرجل جنبا إلى جنب مع المرأة .
والاعتراف بالاختلاف بين الجنسين إقرار نظري بحق كل منهما في تقرير مصير الحياة المشتركة بينهما والذي يتجسد عمليا من خلال مشاركة جميع أفراد الأسرة برئاسة الوالدين في إعداد الرسالة المستقبلية للأسرة , والتي تساهم في تبيان المعالم الرئيسية للحياة المستقبلية , التي يقرر أفراد الأسرة أن يعيشوها مراعين في ذلك اهتماماتهم وحاجاتهم , فضلا عما بينهم من فروق واختلافات فردية تجعل الوالدين يحسنا توزيع الواجبات بين الأفراد بشكل يجعل مهمة معينة تنطلق لفرد لديه من الرغبة والقدرة على أداءها ما يجعل هذه المهمة حقا له واجب على الغير احترامه . والحقيقة أن هذا التوزيع المدروس يساعد الأسرة في الحفاظ على استقامتها والتزام مضامين رسالتها .
ولو أمعن كل منا بالنظر إلى محيط أسرته لوجد أن هناك فجوة كبيرة بين أفراد الأسرة  ورسالتهم المستقبلية ,التي تصير مع الأيام أحلاما بعيدة المنال ما أن يتذكرها أصحابها حتى تتحول إلى وجع مر, ناجم عن العجز عن تحقيقها , فمثلا تجد (س) من الأسر تضع لنفسها قائمة من الأهداف فتمضي الأيام وتمضي دون أن تسطر هذه الأسرة أي انجاز يذكر, ولما تحاول البحث عن أسباب فشلها تجدها قد بنت أهدافها على شفا حفرة ؛ لأنها لم تحدد اهتماماتها وفقا لقدراتها , فضلا عن أنها لم تمنح هذه الأهداف الوقت الكافي, أضف إلى ذلك ما قد يفعله البعض من الاستئثار بمهمة إصدار القرارات وتوزيع المهام وفق ما يراه مناسبا لا بأس في ذلك إن ناسب الغير أم لم يناسبه , وليس هذا ناجما في حقيقة الأمر إلا بسبب تلك العلاقة الهشة القائمة على عدم القدرة على التواصل الناجح بين أفراد الأسرة : فالأب لا يسمع الأولاد ولا يفهم الزوجة , والأبناء لا يحترمون الأباء أو أنهم يخافونهم , والزوجة تخشى المواجهة وتخجل من المطالبة بحقوق أبناءها وواجبات زوجها خوفا من أن يقال امرأة ناشز فتجد الدموع وسادتها والصراخ طموحها وما أن تجد الفرصة المناسبة حتى تتحدث بل تثرثر كثيرا جدا , لعلها بذلك تصمت تلك الرغبة الكامنة في صدرها والمتوقدة شوقا للاعتراض على كل ما لا يعجبها في محيط أسرتها والمضحك في ذلك أنها تتحدث عن كل شيء إلا عن الشيء الذي يدور في بالها ويشغل فكرها مما يجعل الرجل يشتاط غضبا فينعتها بالثرثارة ويغضب خارجا من المكان الذي توجد فيه إما ليغلق الباب على نفسه في غرفة أخرى أو ليرحل خارج المنزل في محاولة لإيجاد حل لما يعانيه من مشاكل في جو يسوده الهدوء النسبي , ولكنه لا يعلم  ما قد خلّفه وراءه من أمواج هائجة تصارع الرياح غضبا وكأنها تكتم لعنة غاضبة .
ثم يعود هذا الرجل إلى المنزل وفي يده حل لا يرى في سواه النجاة فيدخل المنزل ونشوة التفوق ترافقه ليعلن قراراته بصورة أوامر تتصادم مع رغبة المرأة في المشاركة في الوصول إلى الحل واتخاذ القرار, وما هي إلا لحظات حتى ينشب في المنزل صراع جديد تحت عنوان " أريد حقي " , ومن هنا وهناك , المعطيات واحدة والمطلوب واحد ولكن لا حلول أما الضحايا فهم كثر ابتداء من أثاث المنزل الذي قد يتحطم من حين لآخر, مرورا بالجيران الذين لا يعرفون الراحة فالصراخ والبكاء يعم الحي بأكمله , أضف إلى ذلك بيت الحما –أهل الزوج وأهل الزوجة- الذين تتوارد إلى آذانهم سباب اللعن والقذف والشتم إلى أن تشمل شجرة العائلة بأكملها ,حتى كاتب عقد الزواج يناله من اللعن والشتم ما لا يحسد عليه.
ولن أنسى أولئك الأبناء الذين تتشتت عواطفهم بين هذا وذاك , ليبدو كل منهم كتائه في طريق مظلمة تغزوها عواصف البرد والمطر فيلتجئ هنا وهناك دون أن يجد ملجأ يؤويه بينما ثيابه ممزقة لا تكاد تستر ذاك الجسد الشاحب لتعلن  بخجل عجزها عن منحه الدفء والحنان , وهكذا لا يجد هذا البائس إلا أن يبكي ويبكي... لعل تلك الدموع الساخنة تشعل ذاك الوجه حرارة تتناقل إلى سائر جسده فتسكن تلك الرجفة الموجعة.
ولا أدري ماذا يستفيد الزوجان من حالة الطوارئ تلك ؟ لما لا يعلم كل منهما ما له وما عليه ؟ لما لا يعرف الأخر؟ ولما لا يحاول تعريف الأخر به ؟!..., لا أظن أن في الأمر صعوبة ,ولو تخيل كل منا الخسائر الناجمة عن جهله بالأخر لأسرع إلى هذا الآخر راجيا إياه أن يعرِّفَه نفسه بدلا من أن يظل يتخبط حيرة , ثم فليدرك كل من الرجل والمرأة بأن الله خلقهما من نفس واحدة إذا فكيف لك أيها الرجل أو أنت أيتها المرأة أن يكمل أحدكما حياته وهو يجهل الطرف الأخر, لا بد أنها ستكون حياة مرة لا حلاوة فيها .
لذلك فلتقبلا على الحياة معا وليسارع أحدكما إلى الآخر فحياتكما أجمل وبالأخص عندما تشتركان سوية في انتقاء ألوانها ورسم نقوشها وأشكالها وهو ما سماه الدكتور الكيلاني بالتلاحم الأسري , والذي أكد فضيلته على إمكانية اللجوء إلى هذا التلاحم الأسري كوصفة سحرية قادرة على تفجير الطاقات الهائلة في الأسرة وتأهيلها للنجاح في مواجهة التحديات التي تثور من آن لآخر في حياتها , بل انه قادر على استغلال هذه التحديات في إيجاد مزيد من التماسك وعمق الخبرة وقوة المقاومة ؛ حيث يكسب الأسرة مناعة وقائية ضد السرطانات الأربعة التي تفتك البناء الأسري إلى ان تهدم جدرانه وتحطم أركانه فيصير ركاما هشيما وأما هذه السرطانات فهي النقد اللاذع الذي يفرز اللوم والاتهام , والتذمر الذي يفجر شكوى أفراد الأسرة ضد بعضهم بعضا .والمقارنة السلبية التي تفاضل عضوا عن عضو,والتنافس الذي يفرز الأنانية البغيضة .
ومصداقية واعية تدفعنا للبوح بأن أغلب مشاكلنا مع أسرنا تعود لتغلغل احد أو كل هذه السرطانات في كيانها لكأنك ترى أسرنا في حالة توجع دائم وكأنها تستعد للموت بين الحين والأخر.فتارة يخنقك ذاك النقد والتأفف الدائم من كل ما تفعله فأبواك يريدان منك نسخة عنهما أو لعلهما يريدان منك نسخة معدلة تعوض نقائصهما ويكأنهما يريدان أن تكون تمثالا صامتا يجسد رغبته القائلة أريد أن يكون ابني صورة عني .
لا ادري لماذا يجهل آباؤنا وأمهاتنا بأن لكل منا اهتمامات وطموحات تختلف عن الأخر ليس بالضرورة أن تتمرد عليها بل لعلها تكمّلها لتعلن في النهاية حالة من التكامل البناء بين الأب والابن بين الأصل والفرع بيني وبينك.
ولكنني عندما لا أجد سوى النقد فتأكد انك لن تجد مني سوى التذمر والشكوى لن افرق أمام من أشكوك المهم أن افرّغ تلك الصرخات الدفينة في أعماقي المهم أن أعلن للجميع بأنني لن استسلم لدكتاتورية متسلطة لن أكون تكرارا لغيري لن أئد أحلامي وآمالي في قبر من التقليد والتبعية سأتمرد على كل ما كان وكل ما يكون حتى دون أن أفكر إن كان في حقيقته مصلحة لي سأرفض لأنني لم اعد أرى أن هناك وجودا لي إلا عندما ارفض وأتذمر وأشكو واصرخ .
 ثم مع هذا الوضع الرافض دوما ينظر الوالدين ليجدا ازدواجية في أسرهم فأحد أبناءهم طائع صامت لا ينقد لا يشكو لا يتخذ قرارا في شيء ينفذ وحسب وفي المقابل آخر متمرد يرفض كل شيء يطرح عليه وعلى الرغم من أن كلا النموذجين مخطئ إلا أن الأهل يميلون بعاطفتهم واهتمامهم إلى الأول الطائع وينبذون الأخر لعصيانه ولا يفتئون يعلنون ذلك في جلساتهم مع الآخرين فتتوارد الأخبار لذاك الأخر المهمل فتتوالد مشاعر الغيرة والحسد بل الكره والحقد على أخيه بوصفه الولد المدلل عند والديه  فيتنافسان على والديهما من خلال محاولة كل منهما الإيقاع بالأخر للحصول على القرب من والديه ولكن الغاية في ذلك ليس الحب الحقيقي بل الانتصار ودحض الأخر .
وهكذا تتحول الحياة الأسرية إلى ساحة حربية تخشى الدخول إليها لان ألغام الحقد والكراهية تسكن فيها وكأنها تنسج كفن الموت لصلة الرحم في تلك الأسرة , فلا تراها تجسد سوى حكاية الخوف والتفكك والضياع  .
لذلك علينا أن نتخلص من هذه الحالة الوبائية من خلال الحرص على بناء مستوى اسري قوي مانع قادر على تحقيق رسالة أسرية مستقبلية كفيلة بتحقيق النجاح والسعادة لسائر أفرادها من خلال وضوح الأهداف الأسرية بالإضافة إلى كفاءة الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف .
وقد قولب الدكتور الكيلاني المستويات الأسرية في أربعة نماذج لكل أنموذج خصائص وأهداف وسلوكيات معينة . وتتمثل هذه النماذج بالتالي ذكره :
اسم المستوى
 أهداف رسالة الأسرة
وسائل تحقيق هذه الأهداف
صفات الأفراد في هذه الأسرة
مستوى توفير المعيشة
الكفاح في الميدان الاقتصادي فضلا عن الميادين العقلية والنفسية والاجتماعية
العمل والكد مع الحذر الشديد وكأنهم بذلك يطبقون المثل " امش الحيط الحيط وقول يا رب الستيرة "
أعضاء الأسرة يتصفون بالخوف والحذر الشديد وعدم الاستقرار ويعيشون يوما بيوم في عالم مليء بالاضطراب والتقلب والافتقار إلى المبادئ وعدم النظام وعدم الإحساس بالمستقبل وغالبا ما تسعر اسر هذا المستوى أنهم ضحايا الظروف القاسية وعرضة للظلم وتكاد أحاديثهم وثقافتهم تنحصر في شحذ المهارات التي توفر لهم المعيشة اليومية ,وغالبا لا تتوفر للناشئة أسباب الصحة الجسدية والنفسية والنمو  العقلي والاجتماعي والأخلاقي السليم . 
مستوى توفير الاستقرار
الالتزام بمنظومة من التقاليد والعادات التي تكفل لهم الاستقرار المطلوب
لابد من إضفاء مزيد من التنظيم على الأسر الملتزمة بهذا النموذج وذلك ليتمكنوا من معرفة ما يجب عمله في المستقبل , كما أنها بحاجة إلى زيادة معارفها وتعليمها لكي تتضح أهدافهم زيادة أضف إلى ذلك حاجتهم إلى مزيد من التواصل الأسري وذلك للتخلص من السأم والتشتت الذي يعانيه أعضاء هذه الأسر مما يحجز عنهم فرصة الشعور بالانجاز المشترك والسعادة الحقيقية فضلا عن الحب والأمن .
أصحاب هذا المستوى تسير حياتهم طبقا لبعض التقاليد والعادات ولكن ينقصهم التنظيم ولا يعرفون ما يجب عمله في المستقبل ويستسلمون للواقع والإحساس بالعجز ,وهم مستقرون ولكن لم يحققوا النجاح بعد وعاجزون عن حل المشكلات لذلك يواجهونها بمنطق قاتل او اهرب ,
مستوى النجاح
تتمثل رسالتها في تحقيق أهداف معقولة في الدخل الاقتصادي وتنظيم الإنفاق والتوفير لتعليم الأبناء ورحلات السفر وتحصيل معرفي وثقافي مناسب وتوفير لقاءات عائلية يتخللها تواصل وتقاليد راسخة وقد تتضمن التخطيط لمستقبلها والعناية بمعتقداتها وثقافتها
وسائلها تتمثل في توفير التعليم المناسب لابناءها وبناتها وبالدخل الاقتصادي الكافي فضلا عن الروابط الأسرية الموثقة
أعضاؤها يفكرون بالإنسان ورقيه فتراهم يشاركون بالنشاطات الاجتماعية والثقافية ويسهمون في تحسين الحياة العامة وتجديدها
مستوى توفير المكانة العالية
رسالة الأسرة مركزة على تحقيق الذات وتطوير تراث اسري في ميادين الصالح العام
من خلال المشاركة في الانتخابات المؤهلة للمراكز القيادية وفي المشروعات الخيرية والدينية والاجتماعية وتتعدى اهتماماتها تحسين معيشة أفرادها ونجاحهم إلى تحقيق مكانة عالية للأسرة وسمعتها  
أعضاء الأسر في هذا المستوى يشعرون بالمسؤولية تجاه المجتمع والإنسانية عموما
هذا مع الاعتراف بأن النموذج الأول هو الأوسع انتشارا في بلادنا العربية لعل هذا عائد لتلك السياسات المتبعة لإبقائه على هذه الحالة من السبات والغفلة .
وإلا لو تخيلنا تمثل أسرنا أهداف النموذجين الرابع والثالث .هل ترانا سنظل أذنابا تابعة لغيرنا ؟ هل سيظل شباننا يدورون في دائرة مغلقة من الضياع والتبعية والانكسار ؟ هل سنظل نربي أبناءنا على الأنانية وتجاهل الأخر ؟ هل ستظل قيمنا ومبادؤنا محكومة بلقمة العيش لا بالدين والأخلاق ؟؟
لا ادري !!!
وربما أن جوابي التائه والمتمثل "بلا ادري" هو احد نتائج هذا النموذج الأسري السائد .
وللتخلص من حالة الضياع هذه علينا وإياكم معاودة تنشيط القوى الحافزة للنمو الأسري والمتمثلة بقوتي المعرفة والأمل ؛ وهما قوتان تدفعان نحو مستوى الاستقرار والعلاقة بينهما علاقة طردية أي كلما زادت معرفة أعضاء الأسرة ب" الثقافة الأسرية " زاد أملهم في التغلب على المشكلات وتحقيق الطموحات ومظاهر المعرفة متنوعة منها معرفة الوالدين بوظيفة الأسرة ومراحل النمو الأخلاقي والنمو العقلي والاجتماعي فضلا عن النمو الانفعالي عند أبناءهم وبناتهم ...الخ .
أما القوتان الأخريان فهما قوتا الشعور بالمسؤولية والعطاء وهما قوتان تدفعان نحو مستوى المكانة العالية والعلاقة بينهما طردية أي كلما زاد الشعور بالمسؤولية زاد العطاء وما ذاك إلا لكون القيام بالمسؤولية أمر يسعد الإنسان ويفجر طاقاته في العطاء أكثر مما يسعده في الأخذ , وإن كان الأمر يبدو معكوسا في المرحلة الحاضرة حيث بات الإنسان حريصا كل الحرص على المطالبة بحقوقه لا بأس في ذلك إن كان ثمنها استنزاف حريات الآخرين وهضمها بين فكي المصلحة الذاتية وأنانية الأنا.
والحقيقة أن هذه القوى المحفزة يقابلها على الصعيد الآخر قوى معوقة تقيد حركة الأسرة وتوقف نشاطها وتعرقل طريقها في الوصول إلى أهدافها وتتمثل أولا  ب"نقص المعرفة والشعور بالعجز أمام المشكلات" وهاتان قوتان يعوقان الأسرة عن بلوغ مستوى الاستقرار وما ذاك إلا لأسباب كثيرة كشيوع الأمية التعليمية بين أعضاء الأسرة خاصة الوالدين وينتج عن ذلك أمية في العلاقات حيث تبدو ردود الفعل تلقائية وكأنها فرس رعناء لا تبصر معالم الطريق التي تجري فيها لعلها لا تدرك أنها تحمل على ظهرها الهائج مؤونة أسرة بأكملها فإن استمرت في هيجانها هلكت وهلك بهلاكها سائر أفراد الأسرة أضف أن الأمية التعليمية قد تتخصص عند التحدث عن الأسرة لا سيما إذا أدركنا سوية أهمية الثقافة الأسرية فلا بأس من الاعتراف بواقع الثقافة الأسرية المنقوصة عند آباءنا فهم يعتبرون أن ثقافتهم الأسرية تنحسر بتأمين المأكل والمشرب والملبس والمسكن لعلهم لا يدرون ما قد غرسوه فينا من ضيق أفق وخنق للطموحات فقد تربى كل منا وصار وصوّر من بعده من أجيال على أن يعيشوا حياتهم للحصول على هذه المتطلبات وحسب , بات كل منا يحلم بملبس حرير وطعام لذيذ يفرش على مائدة كبيرة في بيت واسع يطل على حديقة تتزاحم فيها رائحة الياسمين ,بات الجميع يعمل ويعمل لكي يسابق غيره في الحصول على مظاهر الترف والغنى فهو يستهلك صحته وعافيته وأهل بيته ينفقون ماله في أسواق التجارة ومظاهر العولمة .
ولن ننسى ثاني معوقات النمو الأسري وهي الشعور بالاضطهاد والخوف  وهما قوتان يثيران الذعر في الأسرة ويصبح هم كل فرد فيها توفير مستوى معيشته وتدبير شؤونه الخاصة وهذا الاضطهاد نوعان :
1-   اضطهاد خارجي : تثيره الأخطار الخارجية الجارية خارج إطار الأسرة .
2-   اضطهاد داخلي : يثيره الوالدان أو احد أعضائها
 وكلا النوعين يسهمان في رمي الطفل بين مخالب التشرد والانحراف ليجعلا منه فردا ممزقا تحركه رغبات طائشة وأحلاما مفككة , وهكذا تنتهي حياته دون أن يعلم انه ما كان سوى حجر شطرنج في لعبة يقودها لاعبان لا تكافؤ بينهما لاعبان أحدهما ذكر والأخر أنثى ولكن كلا الطرفين يسعى لقتل الملك دون أن يدري أن كلمة كش ملك تعنى طرد الأخر من حياته مع إضافة ضحايا جدد إلى اللعبة وهما الأولاد اللذين لا ذنب لهم سوى وجودهم مع أباء وأمهات غير متكافئين علميا وعقليا واجتماعيا .
أما ثالث هذه المعوقات فيتمثل بالسأم والنكوص وهاتان قوتان تعيقان عن بلوغ مستوى النجاح وما ذاك إلا نتيجة إهمال الثقافة الأسرية أما أخر هذه العوائق فهو الدوران حول الأنا وشهوة التملك وهما قوتان تعيقان عن بلوغ مستوى المكانة العالية ويعود ذلك لعجز صاحب هذه الصفة عن التعاون والعمل الجماعي ولو كان مع أعضاء أسرته مما يجعله عاجزا عن حل المشكلات الأسرية التي تواجهه وأعضاء أسرته .
وان تكون ربانا عاجزا أمر يثير القلق والألم لا سيما أن من تبحر بهم هم أولادك وفلذة كبدك وحلمك المنتظر, فإما أن تبني هذا الحلم وتوصله إلى القمة وإما أن تهدمه فلا يكون إلا حطاما تدوسه الأقدام .
لذلك لا بد من التركيز على طرق تقوية القوى المحفزة من خلال دور القدوة الايجابية الشاملة التي تتقن القول والعمل وتتصف بالقوة والأمانة , وأيضا نقوي الحوافز من خلال شعور الشفقة والعلاقات الحميمة التي تجعل أوامر رب الأسرة تدور في فلك المودة والرحمة فتأخذ شكلا لطيفا يجذب باقي أفراد الأسرة نحو تطبيقه , وأيضا يضيف الدكتور الكيلاني إلى هذه الطرق أسلوب التنظيم والتخطيط لمواقف أسرية تمكن رب الأسرة من ترجمة توجيهاته ومودته إلى ممارسات عملية يعبر من خلالها لباقي أعضاء أسرته عن مودته واحترامه ومحبته وبالذات عندما يحصل موقف سلبي من احد أعضاء الأسرة يستغله رب الأسرة في إرسال توجيهات تربوية تعليمية في ظل الحوار الهادئ والنقد البناء . 
وفي هذا إنقاذ للعلاقات الأسرية من الاضطرابات التي قد تهز أمنها وتعرقل تطبيقها لرسالتها الأسرية لا سيما أن الثقافة المعاصرة التي توجه مجتمعات اليوم تستمل على ستة عناصر تعمل ضد الأسرة وأمنها وهي :
1-  انحراف مفهوم العمل : حيث صار الهدف من العمل يتمثل في جني المال دون النظر إلى ما يترتب عليه من أثار اجتماعية وإنسانية فالمال هو الهدف وحوله تتمحور قيم العمل وعلاقاته كما أن المحصلة النهائية هي تجمع المال في أيدي من لا يعملون من الأقوياء الذين يتقنون لعبة الاقتصاد والتجارة  .
2-  شيوع قيم الاستهلاك : وكأنك لا تعيش إلا لتستهلك فالأب والأم والأبناء يعملون ويعملون حتى يتحولوا إلى آلات لا تعرف الهدوء وفي النهاية هم يدورون في قالب العبيد والجواري الذين وجدوا لخدمة صناع العولمة وقادة الاقتصاد الدولي .واسمحوا لي أن اعرض لكم بعض نماذج الاستهلاك في العالم العربي على سبيل التمثيل :
* المرأة الأردنية مثلا تقتطع من دخلها الشهري 20% في المتوسط للإنفاق على مستحضرات التجميل، مستوردات الأردن السنوية من مستحضرات التجميل تقدر بـ 55 مليون دينار سنويا، اللافت حسب التقديرات أن يسجل حجم مبيعات مستحضرات التجميل في المنطقة العربية ثلاثة مليارات دولار عام 2010، الأردنيون ينفقون أكثر من سبعمائة مليون دينار سنويا على مكالمات الهاتف نصفها ينفق في مكالمات غير مفيدة حسب جهاز الاتصالات الأردني، إضافة لمليوني دينار تنفق على الرسائل النصية القصيرة لبرامج الفضائيات. المنطقة العربية استهلكت ثمانين مليون جهاز هاتف محمول عام 2007 لتعد من أكثر مناطق العالم استهلاكا لهذه الأجهزة.
**. في السعودية مثلا ينفق الناس خمسين مليار ريال سنويا على الطعام وحده هو رقم سيرتفع إلى ثمانين مليارا عام 2012، ليأكل الناس بالهناء والشفاء لكن اللافت أن نصف كميات المائدة السعودية تهدر ولا تؤكل أي أن نحو 25 مليار ريال سعودي ستصبح أربعين مليارا بعد قليل تذهب إلى مكبات القمامة، هذا التبذير الشديد يمثل هدرا للإمكانيات الاقتصادية فالثروات ينبغي في الدرجة الأولى أن تتوجه لصالح المجتمع وهذا دور للناس لا يجب إغفاله.
*** ، نحو 520 مليون دولار ينفقها أكثر من خمسة ملايين مدخن سوري سنويا وهي مبالغ تكفي لو وظفت بشكل مدروس إلى بناء مئات الوحدات السكنية.
يبدو ان هذا يدعم نتائج التقرير الصادر عن الصندوق العالمي لحماية الطبيعة  (WWF)  الذي مقره في سويسرا  فيما يتعلق بمستوى استهلاك البشرية للموارد الطبيعية حيث أشار إلى أن مستوى استهلاك سكان الكرة الأرضية للموارد الطبيعية يفوق بثلاثين بالمائة ما تستطيع الطبيعة تجديده من موارد، وهو ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة.
3-  انحسار مفهوم التنمية حيث حصرت مفهوم التنمية في الميادين الاقتصادية متجاهلة تنمية قدرات الإنسان الخيّرة وفضائله النبيلة مما ساهم في تدمير سعادة الإنسان واستقراره وأمنه وسلامه .
ومن باب الأمانة في الطرح ولغاية توضيح الحقيقة فإني أود أن أبين للقارئ بان تركيز دولنا على الميادين الاقتصادية لم يجعلها في المقدمة فالبلدان العربية تستورد نحو ستين بالمائة من مواد وسلع غذائها اليومي الأساسي، (وبالتالي لم تعد بلداناً زراعية إلا من جهة عدد العاملين في قطاع الزراعة). وفيما تفوق المديونية الخارجية لبلداننا إجمالي الدخل السنوي لهذه البلدان مجتمعة، فهي، بالقيم النسبية، أكبر سوق في العالم لتصريف السلع أو المصنوعات الأجنبية، الخفيفة منها والمتوسطة والثقيلة، (وبالتالي لم تغد بلداناً صناعية منتجة)، وإذ لا تتعدى نسبة التجارة العربية البينية الـ (5%) من إجمالي التجارة الخارجية للبلدان العربية، فإن الاقتصاديات العربية أكثر الاقتصاديات في العالم انكشافاً على البلدان الأجنبية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى أن إجمالي الدخل السنوي لبلدان الوطن العربي مجتمعة هو أقل من نظيره لبلد أوربي متوسط النمو كإسبانيا أو إيطاليا مثلاً. وفيما يبلغ معدل النمو السكاني السنوي في الوطن العربي نحو3%، مقابل 1.3% للدخل القومي، فإن الدخل الفردي في الوطن العربي هو، حتى بالقيمة الحسابية، في انخفاض دائم أو مستمر. والأخطر من ذلك هو أن توزيع الثروة أو الدخل يتم في بلداننا العربية، الثرية منها بشكل خاص، بنسبة (1/500000) لصالح الطبقات السياسية الحاكمة، فيما هو في البلدان الأخرى المتقدمة بنسبة (1/3) لصالح الطبقات الحاكمة بالطبع. وكنتيجة عامة لذلك، فإن نحو أربعين بالمئة من سكان البلدان العربية هم تحت الخط العالمي للفقر، الأمر الذي يظهر في مظاهر الجوع والبؤس والعوز أو المرض والحرمان.
4-  فساد فلسفة الاقتصاد الحديث : فصار ارتفاع الأسعار الدعامة الأساسية التي تقوم على أنظمة الاقتصاد الحديث وما ذاك في حقيقته إلا نتيجة لتبني النظام الربوي في سائر المعاملات الاقتصادية ولا يمكن لنا الادعاء بأن مستوى الأجور والدخول يتناسب وهذا الارتفاع , فكل منهما يسير في خط يوازي الأخر ويأبى الالتقاء معه في نقطة واحدة مما يجعل الوالدان  يغادرا بيئة الأسرة إلى المصانع والمتاجر وأسواق العمل باحثين عن فرصة تجعلهم يؤمنون لقمة العيش لأفراد أسرتهم وكأننا بذلك نترجم مؤامرة اقتصادية دولية تقوم على حصر النظام الأسري في النموذج الأول الذي يهدف إلى توفير لقمة العيش  وهذا مما يجب الحذر منه .
5- اثر قوانين الأسرة المدنية : التي أهانت رباط الزوجية من خلال وسائل عدة يشكل الإعلام قمة الهرم فيها حيث بات الزواج يفقد تلك الهيبة والجلالة ويصير مجرد وسيلة لتفريغ شحنات ثائرة من الشهوة بين الذكر والأنثى وفي هذا نكران وقلة احترام لإنسانية الإنسان وكرامته بل إنه محاولة لغرس حالة من الثورية على أي نوع من الانضباط الأسري لدرجة أن أي خلاف بين الرجل وزوجته يجعل الطلاق الخيار الأول لهما . ولا أنكر تأيّدي لما صرحت به الدكتورة "عزة كريم"، الرئيسة السابقة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة بقولها : " تشعر المرأة أنها في حالة ظلم اجتماعي وعاطفي؛ ما يدفعها إلى اتخاذ أساليب شرعية وقانونية لإنهاء حياتها الزوجية، وذلك عن طريق اللجوء إلى المحكمة لطلب الطلاق أو الخلع دون الرجوع إلى الزوج، فالطلاق يزداد طرديًا مع انتشار الأغاني الراقصة والخليعة والأفلام والمسلسلات، خصوصًا المدبلجة".
وأضافت في دراستها أن الدراما الفضائية تغرس الصراع السلطوي بين الزوجين، وتنمِّي الشعور بالفردية داخل الأسرة، ويؤدى زيادة حدة الصراع بين الزوجين إلى زيادة نِسَب الطلاق.
وأود عرض بعض إحصائيات الطلاق التي تبدو مثيرة للقلق والرهبة :
في مصر تؤكد دراسة لمركز المعلومات بمجلس الوزراء أن الطلاق في تزايد مستمر حتى وصل إلى 40% من نسب الزواج في كثير من المحافظات، وكان نصف هذه الحالات في السنة الأولى وحوالي 70% منها في الزواج الأول ومعظم الحالات من الشريحة العمرية التي تتجاوز 30 سنة وقد زادت هذه النسبة بعد قانون الخلع الذي يعد الوسيلة السريعة لإنهاء الزواج من جانب المرأة التي جاء تعليلها في بعض الحالات مثيرا للضحك مثل عدم اقتناعها بزوجها لأنها لم تجد فيه فارس أحلامها أو أن شخيره أثناء النوم يزعجها، في حين تعلل بعض الأزواج بأن زوجته ليست جميلة مثل مشاهير الفنانات والراقصات فيلجأ إلى الطلاق.
أكدت دراسات خليجية أن نسبة الطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي وصلت إلى حوالي 47% معظمها بين الشباب وأعلى معدلاتها في الكويت حيث بلغت قرابة ال 48% وفي السعودية 35% وفي الإمارات 26% وفي معظم الحالات تم الطلاق في السنة الأولى من الزواج.
تؤكد الدراسات الاجتماعية في دول المغرب العربي أن نسبة الطلاق 25% أغلبها خلال العامين الأولين من الزواج.
وأكد تقرير صدر مؤخرا عن وزارة العدل السعودية أن واحدة من كل أربع زيجات انتهت بالطلاق وأعلاها كان في جدة والرياض والمنطقة الشرقية.
6- وأخيرا سوء استخدام التكنولوجيا المعاصرة : التي باتت أسلوبا في ترويج فكرة الاستهلاك من خلال طرح العديد من الإعلانات التجارية التي تستثير تلك الرغبة الإنسانية في اكتساب المزيد من متع الحياة وملذاتها , فضلا عن ذلك محاولتها لقطع التواصل الوجاهي واستبداله بمكالمة هاتفية سريعة أو ايميل ذي حروف صامتة ويوما يعد يوم تموت المشاعر وتحترق تلك العلاقات الأسرية لتتحول إلى مجرد رماد لا حياة له  .
وأخيرا أشكرك أستاذي الدكتور ماجد الكيلاني على هذه الكلمات الصادقة , التي دفعتني إلى اقتناص فرصة تمثلها , لأحصل من خلالها على شيفرة اتصالية تجعلني أحسن الاتصال والتواصل مع الأخر الذي لم يعد بعد اليوم مجهولا بالنسبة لي .
ولن ابخل على الآخرين بدعوتهم لقراءة هذا الكتاب لما فيه من فرصة قوية لتفتيت تلك الضغوطات والمشاحنات حتى لا تتحول مع استمرار تجاهلها إلى تراكمات ضغينة يصعب معها استمرار الحياة الأسرية ,أو حتى لا تؤدي إلى مزيد من الخوف والقلق من الجنس الأخر الذي سيؤدي استمرار النفور منه إلى زيادة الفجوة بين الرجل والمرأة وبالتالي يعتبر ذلك نذير شؤم لا سيما عندما نعترف بان القلق من الجنس الأخر وخشية القرب منه احد الأسباب المؤدية إلى زيادة نسبة العنوسة التي تبدو مطردة عاما بعد عام فمثلا :
§       في مصر كشفت دراسة رسمية أعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء:
"ارتفاع نسبة غير المتزوجين بين الشباب المصري إلى 37%، وأن إعداد العوانس الذين تجاوزوا الخامسة والثلاثين دون زواج وصل إلى أكثر من 9 ملايين نسمة من تعداد السكان، منهم 3 مليون و 773 فتاه، وما يقارب 6 مليون شاب غير متزوج!".
§   وفى سوريا تكشف الأرقام الرسمية المنشورة: 
إن أكثر من 50 % من الشباب السوريين الذين وصلوا إلى سن الزواج عازفون عن الزواج، أو عاجزون عنه
§        وفى الكويت، وحسب بعض الإحصائيات الرسمية: 
بلغت نسبة العنوسة بين الفتيات الكويتيات 30%.
§        وفى الجزائر أعلن الديوان الجزائري للإحصاء:
أن أكثر من 51 % من النساء في الجزائر يواجهن خطر العنوسة، وأنّ هناك 4 مليون فتاه لم يتزوجن، رغم تجاوزهن الرابعة والثلاثين عاماً.
§       وفى المملكة العربية السعودية، أوضحت إحصائية لوزارة التخطيط السعودية: 
إنّ عدد البنات اللاتي تجاوزن سن الثلاثين دون زواج قد بلغ مليوناً وتسعين ألفاً وثماني عشرة بنتاً.
وهذا يا سادة أمر مقلق لا سيما أن الزواج هو السبيل الوحيد لحفظ نسل البشرية والإحصائيات المذكورة سلفا موجودة في دول إسلامية إذا لو جمعنا أولئك الذين عزفوا عن الزواج- بسبب الخوف من الجنس الأخر- وافترضنا انه لو تمّ زواجهم لأنجب كل منهم طفلا واحدا فقط ...فكر أخي المسلم كم فردا داعية لرسالة التوحيد ستخسر .. بل كم ستخسر البشرية أفرادا ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
هذا العدد الكبير والمثير للقلق يستحق محاولة جادة لفهم الأخر والتعرف عليه . وأظن أن هذا الكتاب الصغير سيعينك على هذه المهمة بل سيجعلها بأسلوبه العذب رحلة لطيفة مع آخر محبوب عندك بالفطرة .
واختم كلامي بدعوة الله الذي لا يسأل سواه بأن يحفظك ويرعاك ويكرمك بعفوه ورضاه أيها المفكر الحر والعالم الجليل . وليكرمك بمن ينشر علمك ويدّعم أفكارك لتظل مشعلا ينير درب من يسير في ميدان التربية الإسلامية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  
*ماجستير تربية إسلامية
جامعة اليرموك

المراجع

odabasham.net

التصانيف

شعر  شعراء  أدب  مجتمع