من الحقائق التي حملها إلينا التاريخ , وسرت مسرى الأمثال قولهم " العرب أمة شاعرة " , وكذلك قولهم " الشعر ديوان العرب " . ولا مبالغة في ذلك : فالشعر هو الذي حفظ تاريخهم , وأيامهم, ومسيرة حياتهم.
***
 لقد قال ابن المعتز في حديث له عن القلم : " القلم مجهِّز لجيوش الكلام , يخدم الإرادة ولا يمل استزادة , يسكت واقفا , وينطق سائرا , على أرضٍ بياضها مُظْلم , وسوادها مضيء ... "
 ويقصد ابن المعتز بالأرض ذات البياض المظلم : الصفحات البيضاء التي تخلو من علم يخطُّه القلم , فلا تحمل بياضها إلا ظلام الجهل , أما السواد المضيء , فهو سواد الحبر , تصوغه الأقلام على بياض الصفحات علوما وحقائق , تنير الطريق , وتغذي العقول والأرواح , وتنهض بالأفراد والأمم .
ومن عجب أن يأتي المفكر الغربي الشهير : ول . ديورانث فيردد فكرة ابن المعتز فيقول " إن شمس الحضارة لا تشرق إلا من سواد الأوراق " . الدقائق التالية فلنعش هذه الحلقة من برنامجنا (ديوان العرب ) مع القلم ... القلم بسواده المضيء , لنرى ماذا قال فيه الشعراء :
 إن الشاعر أبا الفتوح البستي يرى أن القلم أشرف وأعظم من السيف , ويعلل رأيه هذا إذ يقول :
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم             وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى  قلمَ  الكتاب عزا ورفعة            مدى  الدهر  أن  الله أقسمَ بالقلم
 وهو يقصد بذلك قوله تعالى " نون . والقلم وما يسطرون " .
 ونقرأ في أول ما نزل من القرآن " .. اقرأ وربك الأكرم , الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم " .
 وقد قال القدماء " العلم علمان : علم الصدور ، وعلم السطور ، ولولا السطور ، ما وعت الصدور " فالعلم المكتوب هو أساس أبقى وأخلد مما يُنقل شفاهة على الألسنة .
***
 إن القلم هو ترجمان النفس , والناقل الأمين لما يجول في الخواطر .. يقول الشاعر علي محمود طه :
من عبراتي صُغتُ هذا المقال         ومن لهيب الروح هذا القلم
ملأتُ  منه   صفحات  اللَّيالْ         فحملت  كلَّ  معاني .. الألمْ
***
 ويقول ابن نُبَاتَة السعدي عن القلم :
يرنو إلى الأفكار غَير مُلاحظ           ويخاطبُ القرطاسَ غير مُحابي
ويعلِّم  الآداب   أفهامَ  الوَرَى           وفـؤادُهُ  صِـفْرٌ مـن  الآداب
***
 ويقال " ربُّ السيف والقلم " لمن جمع بين صفة الجندية , والموهبة الشعرية أو الأدبية , ولعل أشهر هؤلاء في العصر الحديث محمود سامي البارودي باعث النهضة الشعرية في العصر الحديث , وأحد قادة الثورة العرابية .
 ولكن ابن الرومي يشيرنا إلى معنى بارع طريف , وهو يصور قدرات القلم وإمكاناتِه , فهو أقوى من السيف , بل أقوى من الموت نفسه . ويقول ابن الرومي :
إن يخدم القلمَ السيفُ الذي خضعت
فالموت  - والموت لا شيء يغالبهُ
كـذا قـضى الله للأقلام مُذ بُريتْ
 
لـه الـرقاب , ودانت خوفه الأممُ
مـا زال يـتبع ما يجري به القلم
أنَّ الـسـيوف لها مُذ أرهِفَت خدمُ
***
 وعلينا أن نشير إلى أن القلم الذي عرفه العرب , ومَجَّدوه في شعرهم : كان يصنع من نبات البوص , ويبري من أحد طرفيه بطريقة معينة , وهو ذلك النوع الذي يستخدمه الخطاطون في وقتنا الحاضر . وما تحدث شاعر عن " القلم " إلا وشخَّصه بمنحه صفات وملامح إنسانية : من فهم وإدراك وقوة وقدرة .
 ونرى المتنبي يبرز ما في القلم من " مفارقات " :فهو النحيف القوي , وهو لا يجري إلا على رأسه , وقطع ما حفى منه يزيدهُ قوة وسرعة في جريه على الصفحات التي يُسوَّد بياضها , ويسمع خواطر صاحبه ويسجلها , فهو بذلك أقدر من البشر . يقول المتنبي :
نحيف الشَّوى يعدُو على أُم رأسه           ويحفَى فيقوي عدوُهُ حين يُقطعُ
يمُجُّ  ظلاما – في نهار –  لسانُهُ           ويَفهَمُ  عمن قال ما ليس يُسمعُ
***
 وعن القلم يقول الشاعر محمود بن أحمد الأصبهاني :
أخـرس يُـنـبـيك بإطراقه
يُـذري  عـلى قرطاسه دمعة
كـعـاشق  أخفى هواه . وقد
تُـبـصـره فـي كل أحواله
يُـرَى أسـيرا في دواةٍ . وقد
أخـرقُ لـو لـم تَبْرِه لم يكن
كـالبحر  إذ يجري , وكالليل
 
 
 
 
 
عـن كـل ما شئت من الأمر
يُـبدي  بها السر ، وما يدري
نـمَّـت عليه عبرة .. تجري
عُريان  يكسو الناس أو يُعري
أطـلَـقَ أقـوامـا من الأسر
يـرشُـقُ  أقواما , وما يَبْري
إذ يَغشَي , وكالصارم إذ يفرِي
 فالقلم هو الأخرس الناطق , وهو الكتوم البائح , وهو العريان الكاسي . وهو الأسير المحرر .
***
 ويرى أحمد بن عبد ربه : أن من أهم سمات القلم أنه لا يعرف النفاق , ومن ثم كان من حق الصحف أن تفخر به وتزدهي . يقول الشاعر :
يخاطب  الغائب البعيد بما         يخاطب الشاهد الذي حضرا
مهفهف تزدهي به صحف         كـأنـما  حـليت به دررا
***
 إن ما عرضه علينا ديوان العرب من أشعار قدمناها , إنما كانت في تصوير ملامح القلم وآثاره – بصفة عامة , دون تحديد قلم معين . ولكن ديوان العرب يزودنا بمزيد من الأشعار نظمت في أقلام خاصة " افتن الشعراء في مدحها , وهم في الواقع إنما يمدحون " صاحب القلم " من خلال قلمه . فابن المعتز يقول في قلم الوزير : القاسم بن عبيد الله :
قـلـم  مـا أراه أم فـلكٌ يجـ
خـاشـع  فـي يديه يلثم قرطا
ولـطيف المعنى , جليل نحيف
كم منايا , وكم عطايا, وكم حتـ
نـقـشَـتْ بالدجى نهارا فما أد
 
 
 
ري بـمـا شاء قاسم ويسير ؟!
سـا , كـما قبَّل البساط شكور
وكـبير  الأفعال , وهو صغير
فٍ  وعـيش تضم تلك السطور
رِي أخَـطٌّ فـيـهن أم تصويرُ
***
 أما أبو تمام فيقول في قلم " محمد بن عبد الملك الزيات " :
فـصـيحٌ إذا ما استنطقتَه وهو راكب
إذا ما امتطى الخمس اللِّطاف وأفرغت
أطـاعـتهُ  أطراف القنا , وتقوَّضت
 
وأعـجـم إن خـاطـبتَه وهو راجلُ
عـلـيـه  شعابُ الفكر وهى حوافلُ
لـنجواه – تقويضَ الخيامِ – الجحافلُ
***
 إن " ديوان العرب " حافل بالكثير والكثير مما قيل في القلم من أشعار , وكلها تلتقي في إبراز قيمته , وخطورته , وآثاره الجليلة في نشر العلم والفكر , وبناء الحضارة , والبَوْح عما في النفس من خوالج وخواطر , وتوجيه الأوامر , وتسيير الأمور ...,
 وإلى اللقاء في حلقة جديدة من ديوان العرب .
 

المراجع

odabasham.net

التصانيف

شعر  شعراء  أدب  ملاحم شعرية