لا شك بأن الوضع في لبنان يشغل الرأي العام العربي خصوصا بعد انسحاب وزراء حزب الله والمعارضة اللبنانية واسقاط حكومة سعد الحريري ، هذا الانسحاب الذي سببه المباشر تداعيات المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري وتوجيه الاتهام الى بعض رموز حزب الله بالوقوف وراء عملية الاغتيال.
الآن بعد أن أرسل مدعي عام المحكمة الدولية القرار الظني الى قاضي الاجراءات في هذه لمحكمة فان الأمور بدت أكثر تعقيدا وصار لبنان يقف على طرف الهاوية بل ان بعض التحركات الاستعراضية قد بدأت بالفعل يوم الاربعاء الماضي عندما نشر حزب الله مجموعات من شبابه غير المسلحة على طريق المطار في استعراض للقوة.
المراقبون السياسيون يشيرون الى أن الولايات المتحدة تصر اصرارا غير مسبوق على استمرار المحكمة الدولية في عملها من أجل الضغط على سوريا وعلى حزب الله الذي تصنفه على أنه من أخطر المنظمات الارهابية كما أن هؤلاء المراقبين يؤكدون بأن نفس الولايات المتحدة هي التي أجهضت المبادرة السعودية السورية التي كانت تحاول ايجاد صيغة للخروج من الأزمة اللبنانية هذه المبادرة التي توقفت فجأة بعد أن وصلت الى مراحلها الأخيرة مما دعا سوريا الى الاستعاضة عنها بمبادرة أخرى تشارك فيها كل من تركيا وقطر وهذا ما دعا الرئيس اللبناني ميشيل سليمان الى تأجيل البدء بمشاوراته النيابية من أجل الخروج من الأزمة السياسية الحالية حتى لا يستبق المبادرة السورية التركية القطرية.
القمة السورية التركية القطرية أرسلت رئيس وزراء قطر وزير الخارجية حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزير خارجية تركيا داوود أوغلو الى بيروت لاجراء مشاورات مع كافة الأطراف اللبنانية في محاولة للخروج من الأزمة السياسية التي بدأت تعصف به والتي قد تتمخض عن نتائج غير معروفة وقد تكون مأساوية عليه وعلى المنطقة من حوله.
المراقبون السياسيون يتساءلون عن سبب تشكيل محكمة دولية من أجل محاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ولماذا لم تشكل محكمة ممائلة لمحاكمة القتلة الذين اغتالوا عددا من الرموز اللبنانيين المهمين لكن يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية كما يعتقد هؤلاء المراقبون هي التي تقف وراء ذلك من أجل الضغط على سوريا لأن الاتهام الأول وجه الى سوريا لكن لم تتوفر الأدلة التي تدين سوريا في هذه الحادثة ثم وجه الاتهام الى الضباط اللبنانيين الأربعة الذين وضعوا في السجن لمدة أربع سنوات ثم تبين أنهم أبرياء وبعد ذلك وجه الاتهام الى حزب الله في محاولة لضرب هذا الحزب الذي يهدد اسرائيل ومن أجل ذلك تعتبره الولايات المتحدة منظمة ارهابية.
على كل حال ، فلبنان ما زال يضمد جروحه من آثار الحرب الأهلية التي عصفت به وبشعبه لمدة خمسة عشر عاما وكل المراقبين يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من حدوث ما لا تحمد عقبه لكنَّ هناك أملا في أن يبقى الحوار هو اللغة السائدة بين الأطراف اللبنانية وأن يغلبوا لغة العقل حتى لا تعود الأمور الى المربع الأول ويدفع اللبنانيون ثمنا باهظا أكثر مما دفعوه في المرة الأولى.
في انتظار قرار المحكمة الدولية نتمنى أن لا تتفاقم الأمور وتزداد المشاحنات بين الفرقاء اللبنانيين ومهما كان شكل هذا القرار ومضمونه فان الكلمة الأولى والأخيرة للبنان نفسه ولا تستطيع الولايات المتحدة أو فرنسا المؤيدة بقوة للمحكمة الدولية أن تفعل شيئا في هذا المجال. ويجب هنا أن نذكر هاتين الدولتين بالثمن الباهظ الذي دفعتاه من دم أبنائهما عندما أرسلت قواتها الى لبنان خلال الحرب الأهلية وكيف هربت هذه القوات خلال مدة قياسية فاللبنانيون حتى وان اختلفوا الا أنهم سيكونون يدا واحدة وقلبا واحدا عندما يشعرون أن وجودهم مهدد من أي جهة خارجية حتى لو حاولت التدخل عن بُعد.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة نزيه القسوس جريدة الدستور