المبادرات الايجابية مهما كان نوعها تبحث دائما عن شخص هو الذي يبدأ باحدى هذه المبادرات ويتحمل النتائج مهما كان نوعها وقد لا يكون هذا الشخص قاصدا لأي ردود فعل بعد أن يقوم بمبادرته لكن هذه المبادرة قد تحقق العجائب وهذا ينطبق تماما على محمد البوعزيزي الشاب التونسي الذي حرق نفسه بسبب الفقر وبسبب الاهانة التي وجهت له في الشارع عندما قامت شرطية تونسية بصفعه أمام الناس في الشارع.

بعد حرق البوعزيزي لنفسه وأثناء تشييع جثمانه بدأت شرارة الثورة التونسية وانتفض الشارع التونسي ضد الظلم والطغيان وضد القهر والفقر وضد الممارسات التي كان يمارسها الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وأجهزته القمعية وقد نجح شباب تونس في خلعه وازاحته بعد ثلاثة وعشرين عاما من الحكم الديكتاتوري ولم تستطع كل أجهزته القمعية حمايته من غضب الشعب التونسي.

بعد خلع الرئيس التونسي بدأ الزلزال التونسي يتمدد وبدأ شباب مصر يتململون ويتواصلون على الفيس بوك وعلى تويتر فرئيسهم يحكم بلادهم منذ ثلاثين عاما وخلال هذه الأعوام تراجع الاقتصاد المصري وعدل الدستور بحيث لا يستطيع أي مواطن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية سوى مبارك أو أحد أبنائه وكانت الطامة الكبرى ما جرى من تزوير غير مسبوق للانتخابات النيابية التي فاز بتسعة وتسعين بالمئة من مقاعد مجلس الشعب فيها أعضاء من الحزب الوطني الذي هو حزب الرئيس اضافة الى بعض الممارسات الأخرى من قمع للحريات العامة وتسلط فئة قريبة من الحكم على مقدرات البلاد وبيع الغاز لاسرائيل بسعر لا يعرفه أحد في مصر سوى صاحب الشركة التي أسسها أحد أصدقاء الرئيس مبارك.

شباب مصر الذين كما قلنا يعانون من الفقر والبطالة ويتابعون ما يجري في بلادهم من نهب للثروات ومن تحكم فئة قليلة بمقدرات بلدهم الضخمة ومن بعض المؤشرات التي تقول بأن الرئيس المخلوع حسني مبارك ينوي توريث ابنه جمال من بعده تواعدوا على القيام بمظاهرات سلمية يوم الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني الماضي وبالفعل خرجت المظاهرات السلمية لكن وزير الداخلية أوعز الى قوات الأمن بقمع هذه المظاهرات بمنتهى القسوة والشراسة واعتقد بأنه من خلال هذا العمل سيوقف هذه المظاهرات وسقط عدد كبير من الشهداء لكن المارد خرج من القمقم ومن المستحيل اعادته واستمر الشباب في مظاهراتهم بالرغم من الرصاص الحي الذي كان يتساقط عليهم وهبت معظم المدن المصرية لدعم أبنائها الشرفاء وبدأ المواطنون على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم ينضمون الى الثورة الشبابية وبدأ الاعتصام الخالد في ميدان التحرير الذي هو من أهم ميادين القاهرة وقام رجال النظام بتجنيد الآلاف من رجال الشرطة السرية ومن البلطجية للاعتداء على الشباب في ميدان التحرير وهم يركبون الخيول والجمال ويحملون الأسلحة النارية والسلاح الأبيض وقتلوا وجرحوا أكثر من ألف مواطن من المحتجين لكن كل ذلك لم يثن شباب مصر عن هدفهم وهو اسقاط الرئيس مبارك وقد نجحوا في تحقيق هذا الهدف.

الآن الزلزال التونسي والمصري بدأ ينتشر في عدد من الدول العربية حيث بدأت جماهير هذه الدول بالتحرك للمطالبة بحقوقها المهدورة والمطالبة بتنحي الحكام الذين يجثمون على صدورهم منذ عشرات السنين وها نحن نشاهد كل ليلة على شاشات المحطات الفضائية هذا الحراك الجماهيري الذي يقابله القمع من هؤلاء الحكام ومحاولة اسكات هذه الأصوات التي تطالب بحقوقها الدستورية وبثرواتها المنهوبة وسترينا الأيام القادمة أن الشعوب هي التي ستنتصر في النهاية مهما مارس بعض الحكام من قهر وقمع لهذه الشعوب لأن الله يقف دائما مع الشعوب المظلومة والمقهورة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   نزيه القسوس   جريدة الدستور