في شهر كانون الثاني من عام 1969 أنهيت دراستي في الجامعة السورية وكنت قد عملت آخر سنتين من هذه الدراسة في وزارة المواصلات بسبب الظروف المالية في ذلك الوقت وفي العاشر من شهر تموز من نفس ذلك العام غادرت الى ليبيا بعد أن تعاقدت مع مجموعة كبيرة من الزملاء مع بعثة ليبية قدمت الى عمان للعمل في مؤسسة البريد الليبية وكان عملي في مدينة طرابلس.
في الأول من شهر أيلول من عام 1969 حدث الانقلاب الذي تزعمه الملازم أول معمر القذافي مع أربعة عشر ضابطا من نفس رتبته تقريبا وكان عمره سبعة وعشرين عاما حيث رفع الى رتبة عقيد بعد الانقلاب مباشرة.
استمر العمل بعد هذا الانقلاب لكن بوتيرة مختلفة لأن الفساد كان معشعشا في كل الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات العامة لكن مدينة طرابلس كانت من أجمل العواصم العربية بشواطئها الجميلة ونواديها الرياضية والسياحية وكانت هناك حركة سياحية لا بأس بها وعشرات الشركات الأجنبية التي تعمل في ليبيا وكان لا يزال هناك بقايا من المستعمرين الايطاليين الذين يملكون مزارع حول مدينة طرابلس من أجمل ما يمكن أن يتصوره المرء من هذه المزارع لكن العقيد القذافي طردهم بعد حوالي السنة والنصف ولم يبق منهم أحدا.
بعد حوالي سنة من الانقلاب العسكري استدعى مجلس قيادة الثورة مسؤولي الشركات التي تستخرج البترول الليبي وجرت معهم مفاوضات شاقة انتهت برفع سعر برميل البترول الى عدة أضعاف مما كان عليه وبأثر رجعي وهذا الاجراء حقق لليبيا عائدات مالية كبيرة جدا وبعد ذلك حذت باقي الدول العربية المنتجة للبترول حذو ليبيا ورفعت أسعار بترولها بعد أن كانت تقبض خمسة دولارات فقط ثمنا لبرميل البترول الخام.
في العام 1971 تركت العمل هناك وعدت الى عمان لكن قبل حوالي ست سنوات ذهبت في زيارة صحفية الى ليبيا وقد فوجئت بما حدث في مدينة طرابلس بعد حوالي ستة وثلاثين عاما فهذه المدينة الجميلة عادت الى الوراء سنوات طويلة وكأنها أصبحت متقدمة في العمر فلا بنية تحتية ولا نقل عام وبعض الشوارع القديمة التي من المفروض أنها أصبحت حديثة وجديدة بعد كل هذه السنوات ما زالت على حالها بل أسوأ مما كانت عليه والمزارع الجميلة حول مدينة طرابلس أصبحت عبارة عن مزابل والأهم من هذا أن الرواتب ما زالت متدنية جدا ولا تتناسب مع الغلاء الذي أصبح مستشريا والموظفون الذين التقينا معهم كانوا يشكون بمرارة من تردي أوضاعهم المعيشية وقد فكرت بشراء هاتف لاسلكي من هناك لأنني أذكر أن الكهربائيات كانت رخيصة جدا لكن المفاجأة كانت أن سعر التلفون حوالي مائة دينار أردني بينما نفس هذا التلفون في عمان بخمسة وثلاثين دينارا.
أما الأوضاع المعيشية للمواطنين الليبيين فكانت متردية وهنالك نسبة من المواطنين الليبيين الذين يعيشون على أطراف طرابلس وعلى أطراف بعض المدن الليبية الأخرى ما زالوا يعيشون في أكشاك من ألواح الزينكو التي يعلوها الصدأ.
تنتج ليبيا مليوني برميل يوميا من النفط الخام ويبلغ دخلها السنوي حوالي أربعين مليار دولار تنفق منها أربعة وعشرين مليون دولار اضافة الى بعض الصناعات مثل البتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب كما تصدر كميات كبيرة من الغاز.
قبل حوالي ثلاث سنوات عدت الى ليبيا في زيارة صحفية مماثلة ولم ألحظ أي تغير قد طرأ على العاصمة طرابلس سوى بعض الورش لبناء فنادق جديدة لأن هذه العاصمة تفتقر الى الفنادق من فئة الخمس نجوم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة نزيه القسوس جريدة الدستور