في فضائها الممتد زمانيا لم يقرب من مئة عام ومكانيا لم يتخطى جغرافية فلسطين وحدودها، استطاع غريب عسقلاني من خلال رواية أولاد مزيونة، أن ينقلنا على أجنحة الحكاية إلى عوالم شكلت في مجملها سيرة ملحمية لأشد الفترات تعقيدا وإرباكا في حياة الفلسطينيين، مستندا في ذلك على تجربة ابداعية خلاقة وإرث ثقافي واضح في ثنايا النص، ففي هذه الرواية التي تقع في مئة وخمسة وسبعين صفحة من القطع المتوسط، يطوف بنا غريب عسقلاني على محطات متعددة، تبدأ من أواخر الحكم التركي لفلسطين، حيث كان اللقاء الأول بين الشاب طه، صاحب الطلة البهية والنفس التي تعشق الحياة وتحبها والنورية نرجس، نرجس التي أسره حسنها وجمالها، فترك الأهل والخلان وجاب معها الموالد والأفراح، تسحره مفاتن جسدها وجمال الروح فيها، فتسري في أصابعه إيقاعات تلهب الحواس فيها وتشعلها غنجا وطربا يسلب العقول ويأسرها، فتقتاده الخطى والمسافات خلفها إلى القدس بحارتها وأسواقها وأماكن العبادة فيها، يجمعهما بيت واحد، تملكه عجوز من ذات السلالة، خبرت بحس المجرب ماتملك الفتاة من أسرار الحياة وجمالها، فتسعى لاستغلالها على النحو الذي يعود بالنفع عليها، دون إحساس بالعاشق الذي بدا في نظرها مجرد عائق أمام طموحات لايمكنه القبول بها، فيقع الفراق الذي يدفعه إلى أحضان المنجد المغربي ومن ثم العودة من جديد إلى المجدل نقطة البداية الأولى .
ثم ينقلنا الراوي عبر خطوط السرد المتعرجة إلى شخصية أخرى ومكان آخر، إلى مزيونة ابنة جبل الخليل، مزيونة التي تعنونت الرواية باسمها، وللاسم هنا دلالات لا تخفى على القارئ، إذ جاء اختياره عن قصد وترصد، لم فيه من معاني الحسن والجمال التي تشي بأن المقصود به فلسطين نفسها .. فلسطين الأرض والانسان .. فلسطين التاريخ والمكان ، فمزيونة الجميلة الفاتنة التي رفضت أن تأخذ غرة لرجل هفية وآثرت أن تتمرد على طقوس القبيلة وتقاليدها وواقعها المهين، هي ذاتها التي تجد ضالتها في مطلق الشاب المتمرد الثائر على هذا الواقع المزري ، وتقبله زوجا على سنة الله ورسوله، يعود بها إلى أهله، فتظل في نظرهم الغريبة التي تحوطها الأسرار والخبايا حتى بعدما أنجبت منه طفلين ولدا وبنتا يحملان اسم العائلة ويجري في عروقهما ذات الدم، وفي واحدة من سياحاته المتعددة يأخذه الوباء ويتركها وطفليها لتواجه مصيرها القاسي عند زوجة أخيه المتسلطة، فتقتادها المسافات هروبا من ظلمها إلى أحد المخاتير في شمال في فلسطين، تعيش في كنفه حياة تشبه حياة الرق والعبودية هي وطفليها الصغيرين ولعلنا هنا نشم لمزا عن حياة اللجوء والتشرد التي عاشها الفلسطينيين في الداخل والخارج ، ثم تلقي بها الخطى في طريق الراعي سلمان، الذي تدفعه نخوته وشهامته إلى عرض الزواج منها، كنوع من الحماية والستر أولا وإعجابا بالمرأة وجمالها ثانيا، لتبدأ معه رحلة جديدة .
ثم ينقلنا الكاتب مرة أخرى إلى المجدل ، لنرى طه وإلى جواره شخصية جديدة ، صفية التي مات زوجها وهي عروس وتركها عازفة عن التفكير في غيره، هذه الشابة التي يعاودها الأمل من جديد بعودة طه إلى المجدل واختياره للعمل في مهنة التنجيد التي خبر اسرارها من المنجد المغربي أثناء مكوثه في القدس وإصراره على العمل فيها رغم معارضة الأم الشديدة لهذه المهنة، التي رأتها مهينة إلى حد كبير لكرامة ابنها، كونها مهنة تمارسها النساء وتنافي على نحو فاضح تقاليد المدينة التي توارثت أجيالها ركوب النول، جيلا بعد جيل، فتجد صفية نفسها بالبقاء إلى جواره، متعشمة أن يكون طه الزوج القادم، لكن هذا العاشق الذي لم يبرأ من سحر نرجس وفتنتها بعد ، أختار أن تكون أخته في الله وبايعته على ذلك.
ثم يمضي بنا الكاتب عبر مسالكه المتشعبة ، فنرى ابنة مزيونة " زانة" عروسا تزف لابن عمها في عودة جديدة إلى المجدل مركز الحدث وعودة مزيزنة التي تزينت كما لم تتزين من قبل ورقصت كما لو أنها لن ترى الفرح بعد ذلك، وكأنها تستقرأ قادم الأيام ، فما هي سوى أيام أو أسابيع قليلة حتى يبدأ الرحيل، الرحيل الذي تعددت أسبابه ومسبباته ، حيث أورد الكاتب إشارات لبعضها، خصوصا في حديثه عن رحيل أهل المجدل عام 48 موجها اصبع الاتهام للبعض منا " الجيوش العربية وبعض الفلسطينيين " ، سواء جاء ذلك منهم عن قصد وسوء نية أو عن جهل وسوء تخطيط، لتبدأ رحلة اللجوء الأولى والشتات في المنافي، من مخيم صيدا في جنوب لبنان حتى مخيم الشاطئ في جنوب فلسطين، ومن تونس إلى فلسطين، رحلة تعمدت بالدم والعذابات ، عبر حيز زماني ينتهي مع دخول السلطة الوطنية إلى أرض الوطن. رحلة تعددت فيها الوجوه والأمكنة وتخللتها الكثير من الأحداث،على مساحة من السرد القصصي امتدت زمانيا لم يقرب من قرن من الزمان ومكانيا لمسافات تتعدى حدود الجغرافية الفلسطينية، أرارد من خلالها الكاتب أن يوصل رسالة مفادها، أننا ملح هذه الأرض وطينهاـ لنا فيها من الجذور ما يمتد إلى آلاف السنين وأن ما حدث في القرن الأخير، رغم مافيه من قسوة وجور، لم يكن سوى عارض لن يدوم، وذلك كله من خلال رؤية واضحة للفكرة التي أراد إيصالها للقارئ وأسلوب قصصي متعدد المسارات والأوجه.
فالفكرة قامت لديه _ أي الكاتب_ على تسليط الضوء على هذه الحقبة الزمنية المغيبة تقريبا عن التناول الأدبي والروائي تحديدا مستعينا في ذلك بتجربة غنية، استطاع من خلالها نقل القارئ من واقعه إلى ماضيه أو بمعنى آخر، إعادة بعث الماضي ووضعه أمام ناظري القارئ ليعيد قراءته من جديد وكأني بالكاتب يقول ها نحن أمامك، هكذا نحب وهكذا نكد وهكذا نحلم وهكذا نحيى، هكذا قاتلنا وهكذا قوتلنا.. هكذا ثابرنا وهكذا خدعنا وذلك كله من خلال توظيف دقيق ومحسوب للمضامين التي تم طرحها، فحين يعرض للأمكنة نرى أنفسنا نجوب فيها " جاب طه المدينة ، دار حول الحرم وقطع طريق الآلام صعودا وهبوطا ، يخرج من أبواب القدس مع الفجر ، يمسح مناطق الجوار، يتسلى بعد بلاط الطريق وإحصاء المطاعم والمخابز والحمامات والأسبلة.. " وحين يعرض للشخوص نراه في وصفه لمزيونة يوم زفاف بنتها على ابن عمها فيقول " فاجأت مزيونة الجميع بزينتها وكحل عينيها وضفائرها المحلولة وقد شكت فيها نوار الفل والياسمين .. تثير عبقا حول حورية تحزمت بزنار من خرز، شد وسطها على ثوب الجنة والنار، الذي لم تلبسه منذ رحيل مطلق " .
و حين يعرض للحرف نراه يصف العجوز المغربي وهو يتابع عمله في حرفة التنجيد " توقف أمام عجوز قليل اللحم والعظم، على سمرة وقفت عند حدود السواد، يتخذ قرفصة عجيبة ، يتكئ على إليته ويضرب بمدقة من خشب البلوط وترا مشدودا على قوس من خيرزان ثخين، فيما يحرك القوس صعودا وهبوطا، في الهبوط يلامس الوتر سطح كومة القطن ، ينتش منها شيئا وفي الصعود ينثر ما نتش غيمة بيضاء مثل ندف الثلج، تهبط في فضاء قريب.. عجيب من جلد الرجل على القرفصة "
أما الأساليب التي اعتمدها الكاتب في الرواية فقد جاءت عديدة ومتنوعة، حيث ابتدأ بالتبويب والعنونة، أي أن كل فصل من الفصول حمل عنوانا محددا مثل " عن الصبي طه والنورية نرجس.. من حكايات ساري ليل..بين المخيم وسدرة الخروبي .. ما بعد الهجيج الأكبر .. الخ، ثم اتكأ بشكل واضح على توظيف الحكايا الشعبية اسلوبيا، بمعني انه اتخذ من تقنياتها في القص متكئا، مكنه من تخطي الكثير من العقد الكتابية وخصوصا أن العمل يتحدث عن الكثير من الأمكنة والشخوص والأحداث التي يصعب التعامل معها ضمن الأساليب القصصية المتبعة ، فتوظيف الحكاية بهذه الطريقة، مكن الكاتب من التحليق في مجالات وفضاءات لاحصر لها دون التأثر بالتسلسل الزماني والمكاني أو تأثيره على النص، ناهيك أيضا عن التوظيف التراثي للحكايا والنهل منها لخدمة المضمون، كالحديث عن الغرة مثلا والتعريف بها، كما استخدم الكاتب الجمل القصيرة الرشيقة بشكل مكثف وهذا ساعد بدوره في الاستغناء عن الكثير من التفاصيل المرهقة مثل " اضطربت أحوال المدينة واحتدت المناوشات حول الحرم ، وعند حائط البراق وظهر الخطباء والأشياع في المساجد والأسواق وتمنطق الرجال بالشباري والخناجر والسيوف والبنادق وشكل الملثمون ظاهرة في الليل والنهار وتواترت الاخبار عن ثوار في السهل والجبل وعن مناوشات بين عرب وانجليز وبين عرب ويهود وبين عرب وعرب ..الخ ، ففي هذه الفقرة التي لا تتعدى الأربعة أسطر استطاع الكاتب أن يرسم لنا مشهدا قد لاتتسعه مجموعة من الصفحات لو أسهب في السرد والتفصيل، لكن جمله القصيرة المكثفة أغنته عن ذلك وأدت الغرض المرجو منها.
كما نراه مال اإلى الفنتازيا في بعض المواقف والسخرية في مواقف أخرى، السخرية النابعة من قسوة الواقع ومرارته، خصوصا حين يصف لنا لحظة اللقاء الأول بين محمد العابد .. الفدائي العائد إلى أرض الوطن بعد اتفاق أوسلو والجندي الاسرائيلي على المعبر :- أخلا وسخلا ، الاسم رباعيا من فضلك .
- محمد العابد سليمان الصالح .
- مكان وتاريخ الولادة ؟ .
- مخيم عين الحلوة صيدا 1948
- البلد القادم منه؟ .
- كل البلاد.
- العمل السابق ؟ .
- العمل السابق واللاحق فدائي .
- انت هنا شرطي لحماية عملية السلام حسب الاتفاقية .. اخلا وسخلا. اعبر.
في النهاية استطيع القول أن غريب عسقلاني قدم لنا عملا ابداعيا مميزا من حيث الشكل والمضمون وظف فيه الكثير من الجهد والخبرة وحمل الكثير من نواحي التجريب التي تبدو واضحة جلية في العمل، وحين أقول التجريب أقصد عدم الخوض في المسميات الأخرى كالحداثة وما بعد الحداثة.. الخ وأن أجملها أو أختصرها في كلمة واحدة هي التجريب وهذا أمر يستطيع كاتب بقامة غريب عسقلاني أن يخوض فيه وهو الروائي المجرب ، الذي كتب القصة القصيرة والرواية والدراسة الأدبية والنصوص النثرية المفتوحة على مدار اربعة عقود، فأجاد وأبدع فيها جميعا، وعليه فإن هذا العمل الذي لم تحط به هذه القراءة ،ـ إلا باليسير اليسير من جوانبه،هو بحاجة أيضا إلى مزيد من البحث والدراسة في الكثير من الجوانب الأخرى

للكاتب / محمد نصار

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

تصنيف :فنون   تصنيف :أدب  تصنيف :أدب عربي  مجتمع   قصة