أما بعد؛ فقد كثر الكلام من قبل بعض المتعصبين وذوي الأهواء أن الإسلام ظلم المرأة، ولم ينصفها وسلبها حقوقها، ولم يضعها في الدرجة التي تليق بها، ولو نظر هؤلاء بعين الحق والعدالة إلى ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، والسلف الصالح من المسلمين، لأقروا واعترفوا بغير تردد أن الإسلام قد أنصف المرأة كل الإنصاف.
وأعطاها حقوقها كاملة، وجعلها في مكانة عالية، بعد أن كانت تباع وتشترى وتملك في أوربا وتعد رجساً من عمل الشيطان عند الإغريق (اليونان) القدماء.
ومتاعاً يورث في الجاهلية عند العرب، ولا يعرف لها قدرا بين الفرس، وتحبس في الصين، وتجعل خادماً عند اليهود والغريب أنه في سنة 586م عقد مجمع في فرنسا لبحث هذا الموضوع «هل المرأة تعد إنساناً أو غير إنسان».
والأغرب من ذلك أنه بعد نقاش طويل، قرر المجتمعون أنها إنسان، لكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب.
وبهذا جعلوها بمثابة خادم، في حين أن الإسلام جعلها مساوية للرجل في المجتمع الإنساني، وفي المعاملات المالية، وفي طلب العلم الخ...
ومنحها حقوقاً ووضع عليها واجبات تجاه المجتمع.
ولتوضيح مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية لابد من استعراض سريع لحالة المرأة في العصور التي سبقت الإسلام في مختلف الحضارات والمجتمعات والشرائع خاصة «اليهودية والمسيحية»، ثم نقارن من خلال النصوص الصحيحة عندنا وعندهم لنرى من الذي أهان المرأة ومن الذي أكرمها، وسأتبع في هذا البحث الخطوات الأتية:
أولاً: المرأة في العصر الفرعوني-OQ
OP-1-CPCQ-
الحضارة المصرية هي الحضارة الوحيدة التي خولت المرأة «مركزاً شرعياً» تعترف به الدولة والأمة، تنال به حقوقا في الأسرة والمجتمع، تشبه حقوق الرجل فيها.
فكان لها أن تملك وأن ترث وأن تتولى أمر أسرتها في غياب من يعولها، وقد وصلت بعض النساء إلى مراتب عالية في السلم الكهنوتي. وكانت المرأة قادرة على إجراء كافة التصرفات القانونية دون إذن وليها سواء كان والدها أو زوجها، وكان لها ملكيتها الخاصة، ويمكنها التعاقد باسمها وكانت كاملة الأهلية، ولها الحق أن تختار من تشاء زوجاً لها.
وكان المصريون يعنون بتعليم الفتيات الصغيرات العقائد الدينية، وآداب السلوك ودامت هذه الحقوق للمرأة المصرية إلى أن زالت الحضارة المصرية وزالت شرائعها معها، قبل عصر الإسلام.
ولكن لا ننسى ظاهرة عروس النيل التي كانت يأتون فيها بفتاة جميلة مزينة بالحلي، ثم يلقونها في نهر النيل، ظناً منهم أنهم بهذا سيفيض ويعم النماء. وظل هذا التقليد سارياً حتى جاء الإسلام وألغاه على يد «عمرو بن العاص» في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- -OQ
OP-2-CPCQ-.
ثانياً: المرأة عند البابليين والآشوريين
في بلاد العراق كان وضع المرأة مضطرباً ومتناقضاً: حيث أعطاها القانون حقوقاً تساوي حقوق الرجل، وأعطاها نصيباً مثل الرجل في الميراث.. لكن من جانب آخر حكم عليها بالموت غرقاً إذا أقدمت على الطلاق. ولها الحق في مزاولة أي نوع من أنواع التجارة ولها الحق في اختيار زوجها ولكن للرجل الحق أن يبيعها أذا ثبت له خيانتها، أو أن يستبقيها عنده كجارية.
كما للرجل الحق في أن يرهن زوجته عند دائنه مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وفاء لدينه-OQ
OP-3-CPCQ-.
وفي شريعة حمورابي: كانت المرأة تحسب في عداد المواشي المملوكة، وكانت تفرض على من قتل بنتاً لرجل أخر أن يسلمه أبنته ليقتلها أو يملكها إذا شاء أن يعفو عنها، وقد يضطر إلى قتلها لينفذ حكم الشريعة المنصوص عليها.
وإن لم تطع الزوجة زوجها في كافة الأمور، فله أن يخرجها من البيت، أو يتزوج عليها وتعامل حينئذ معاملة ملك اليمين وتفقد حريتها. وإذا حكم القاضي على المرأة بأنها مسرفة أو أهملت شؤون البيت تم إغراقها بالماء كعقوبة لها. ولا يحق للزوجة أن ترث زوجها بعد موته لا من ماله المنقول أو غير المنقول. وكان الإناث في شريعة حمورابي لايرثن أبائهن، ولم يكن لهن نصيب معلوم في تركته، وذلك لأن التركة كانت للذكور وحدهم-OQ
OP-4-CPCQ-.
ثالثا: المرأة عند الهنود والصين واليابانيين
في الهند: دانت الهند لشريعة «مانو» الذي كان يعتبر المرأة مخلوقاً نجساً يجب التحرز منه، وفرض عليها أن لا تهجر زوجها في أي حال حتى لو أصيب بالجنون أو الشلل، واعتبر أن الزوجة التي تعصي زوجها فمآلها أن تتقمص روحها جسد ابن آوى في خلقها التالي. وجاء في تشريع «مانو» أيضاً أن المرأة تكون تحت رعاية أبيها في صباها وتحت رعاية زوجها في فتوتها، وتحت رعاية أبنائها في شيبتها فلا ينبغي لها أن تسير كما تريد-OQ
OP-5-CPCQ-.
ولم يكن للمرأة في الهند حق في الحياة بعد موت زوجها. فإذا توفي الزوج جيء بها لتحرق على جثة الميت وهي حية ويشار إلى إحراق النساء مع أزواجهن المتوفين بلفظ (السوتي).
وقد دامت هذه العادة من أبعد عصور الحضارة البرهمية إلى القرن السابع عشر، وبطلت بعد ذلك على كره من أصحاب الشعائر الدينية.
أيضاً كانت المرأة حسب الشريعة الهندوسية تقدم قرباناً للألهة حتى ترضى عنهم-OQ
OP-6-CPCQ-.
وأما: بوذا «فله أراء عجيبة في المرأة من ذلك قوله: " خير للإنسان العاقل أن يقع بين فكي نمر مفترس أو تحت سيف الجلاد من أن يساكن إمرأة ويحرك من نفسها الشهوة"-OQ
OP-7-CPCQ-.
في الصين: عرف الصين النظام الطبقي بين الرجال والنساء إلى حد أن الأب ما أن يُخبر بأن زوجته قد ولدت مولوداً أنثى، حتى كان يسارع إلى حمل هذا المولود إلى السوق ليهبه لمن شاء، أو يحمله إلى مكان مهجور لخنقه أو دفنه بالتراب وهو حي.
وكان سلطان الأب مطلقاً في جميع الأمور في عهد «كنفوشيوس» وكان في وسعه أن يبيع زوجته وأولاده ليكونوا عبيداً، وكان له الحق في أن يطلب من زوجته أن لا تتزوج من بعده أن يطلب منها أن تحرق نفسها عند موته تكريماً له، وظلت حوادث حرق الزوجات تقع في الصين إلى أواخر القرن التاسع عشر-OQ
OP-8-CPCQ-.
أما في اليابان: كانوا يعلمون الفتاة منذ نعومة أظفارها الطاعة العمياء لأبيها قبل الزواج، ولزوجها عندما تتزوج، ولابنها الأكبر بعد موت زوجها، وكان للرجل الحق في أن يبيع بناته في سوق النخاسة، أو الدعارة.
وكان للرجل الحق في تطليق زوجته إذا رفعت صوتها، وإذا مات كانت العادة تقتضي أن تحلق المرأة رأسها، وإن تلبس الملابس الكئيبة وتظهر بمظاهر البؤس-OQ
OP-9-CPCQ-.
رابعاً: المرأة في بلاد فارس واليونان والرومان
عند الفرس: كان على الرجل إذا ولد له مولود ذكر أن يقدم القرابين شكراً لله ضمن مراسيم دينية معينة، وأن توزع الهدايا والأعطيات والصدقات، أما إذا كان المولود أنثى فليس عليه شيء.
وكان الفرس ينظرون إلى المرأة نظرة كلها احتقار فكانت مهضومة الحق، مظلومة المعاملة، وكانت حياتها تتعلق بإرادة الرجل فإذا أراد إعدامها أو سجنها أبدياً في البيت فله الحق في ذلك، وكان للرجل الحق أن يتنازل عنها لرجل آخر-OQ
OP-10-CPCQ-.
ولا ننسى أن نذكر أن «زرادشت» نصر المرأة وأعطاها الحق في إختيار الزوج والتملك وإدارة شؤونها، ولكن بعد موته عادت أحوال المرأة كما كانت، وسلبت كل حقوقها مرة أخرى-OQ
OP-11-CPCQ-.
عند اليونان: من المعروف أن بلاد اليونان كانت في القديم من أكثر الأمم حضارة ومدنية وعلى الرغم من ذلك فقد كان اليونانيون ينظرون إلى المرأة وكأنها مجرد رجس من عمل الشيطان، وكانت عندهم من سقط المتاع، تباع وتشترى في الأسواق، وهي لا ترث زوجها أو أباها.
أما فلاسفتهم فلم يكونوا أحسن حالاً بالنسبة إلى المرأة فـ «أفلاطون» كان يقول: (أن الرجل هو رأس الأسرة، لأن الطبيعة حبته العقل الكامل. أما المرأة فأقل عقلاً-CQ
OQOP-12]).
في مدينته الفاضلة كان يرى أن المرأة رجس من الشيطان بعيدة عن رحمة الله لحملها خطيئة أمها العليا حواء-OQ
OP-13-CPCQ-.
و«أرسطو» يقول: " المرأة رجل غير كامل وقد تركتها الطبيعة بالدرك الأسفل من سلم الخلقة"، ويقول أيضاً: " إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي"، وكان يعيب على أهل إسبارطة أنهم يتساهلون مع نساء عشيرتهم، ويعزو سقوط إسبارطة إلى هذه الحرية وهذا الإسراف في الحقوق-OQ
OP-14-CPCQ-.
عند الرومان: كان الرومان يعدون المرأة أداة إغواء يستخدمها الشيطان لإفساد القلوب، ومن أجل ذلك كانت تنزل بها العقوبات البدنية القاسية ويكفينا أن نشير إلى قوانين الرومان المسماة بالألواح الإثني عشر، والتي وضعت الأنوثة كإحدى أسباب عدم الأهلية، فقد وضعوا ثلاثة أسباب إذا تحقق واحد منها على الأقل فإن صاحبه لا يحق له ممارسة حقوقه. وهذه الأسباب هي:
1 السن، كأن يكون غير بالغ.
2- الحالة العقلية كأن يكون مجنوناً أو ما شابه.
3- الجنس كأن يكون أنثى.
إذن فمجرد كون الإنسان أنثى عندهم تسقط فوراً حقوقه.
وكان للزوج أن يطلق زوجته أو يعاقبها أو يبيعها فهي في نظرهم سلعة رخيصة يملكها الرجل ويتصرف بها كما يشاء. وفي أحد الفترات عُقد مجمع علمي للبحث في شؤون المرأة فانتهوا إلى النتيجة التالية: «إن المرأة هي كائن لا نفس له ولن ترث الحياة الأخروية فأنها رجس»-OQ
OP-15-CPCQ-.
خامساً: المرأة عند اليهود وعند النصارى
عند اليهود: كان لليهود نظرة خاصة للمرأة فهي الأداة التي يتخذها الشيطان وسيلة لإيقاع الإنسان في الشر، بالتالي فهي أشد من الموت. وهي نجسة في المحيض، ويجب أن تحبس في البيت، لان كل ما تلمسه من طعام أو كساء أو إنسان أو حيوان يتنجس.
وكذلك كل ما يفعله الرجل من أعمال لا أخلاقية فإثمه على المرأة، وبالتالي فهي ملعونة لتسببها في إغواء أدم - عليه السلام- وإخراجه من الجنة-OQ
OP-16-CPCQ-.
وجاء في سفر التكوين: أن ذنب خطيئة أدم قد تحملته المرأة وحكم عليها أن تتحمله إلى الابد؛ حيث جاء في الإصحاح الثالث من هذا السفر: " فقال أدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت "وقال للمرأة: "تكفيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاد. والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك"-OQ
OP-17-CPCQ-.
وتفنن كتاب التوراة على تصوير المرأة على إنها الغانية أو المومس التي تنشر الفاحشة بين الناس، وهي عندهم أيضا ليس لها حق بالميراث لو كان لها أخ وفقط أخاها ينفق عليها، وسبب هذه المهانة والدونية أنهم يحملونها سبب خطيئة آدم، وأنهم بسببها خرجت البشرية من الجنة. وليس لها الحق في طلب الطلاق حتى لو ثبت على زوجها الزنا، بل للزوج الحق في تطليقها متى شاء ودون أي أسباب جاء في سفر التثنية الإصحاح (1: 24) العدد الأول: " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فان لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر".
عند المسيحيين-OQ
OP-18-CPCQ-: وضع المرأة في المسيحية ليس بأفضل حالاً من اليهودية، فكلاهما طبق قوانين وضعية من وضع البشر، نسبت زوراً وبهتاناً إلى الله القدوس.
للمرأة في الإنجيل صورتان متعاكستان صورة تمثل الخير وأسمها مريم، وصورة تمثل الشر وهي صورة المرأة الخاطئة.
والمرأة المسيحية إن طلقت تكون زانية، ومن يتزوجها بعد ذلك يكون كمن يزني بها لذا لا طلاق عندهم على الحقيقة.
يقول القديس «ترنوليان» عن المرأة أنها مدخل للشيطان إلى نفس الإنسان، وهي ناقضة لنواميس الله. وعقد الفرنسيون مؤتمرا عاماً سنة 586 قرروا فيه " أن المرأة إنسان خلق لخدمة الرجل فقط".
سادساً: المرأة في العصر الجاهلي -OQ
OP-19-CPCQ-
كانت المرأة في الجاهلية عند بعض العرب جزءا من الثروة، فكانت تعد ميراثاً لابن الموروث.
حيث كان الرجل يرث أرملة أبيه بعد وفاته، فإذا اراد أن يتزوجها تزوجها بدون مهر، أو يزوجها لغيره، ويتسلم مهرها ممن يتزوجها، أو يحرم عليها الزواج كي يرثها بعد موتها.
وللرجل الحق في أن يطلق زوجته، وله الحق أيضا في منعها من الزواج بعده، فهي متاع من الأمتعة يتصرف فيها الزوج كما يشاء وله الحق في أن يتنازل عنها لغيره، بمقابل أو بلا مقابل سواء قبلت أم لم تقبل.
وكانت النظرة الجاهلية للبنات تقوم على التشاؤم، ولذلك ظهرت عادتهم القبيحة في وأد البنات، أي قتلهن وهن على قيد الحياة، خوفا من العار أو الفقر.
قال - تعالى -: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ-CQ
OQOP-20]).
سابعاً: المرأة في الإسلام
لقد أنصف الإسلام المرأة، وأعطاها حقوقها كاملة، وحافظ على كرامتها وأنزلها المنزلة الكريمة اللائقة بها، ووقف بجانبها ودافع عنها، وأزال كل ما لحقها من ظلم وقسوة.
لقد منحها الإسلام حقوقاً لم تمنحها من قبل في أي دين من الديانات، أو أي دولة من الدول. وكان ما ينادي به الإسلام هو أن تحافظ على نفسها، ولا تتبرج في ملابسها حتى تكون معززة ووقورة ومصونة.
ولقد قرر الإسلام المساواة في أمور أصلية بين الرجل والمرأة. وإليك بيان تقرير الإسلام هذه المساواة في النقاط الآتية:
1- المساواة في الإنسانية:
على حين كان الرومان يقررون في القرن السادس قرن ولادة رسول الله أن المرأة روح شريرة، جاء الإسلام ليقرر المساواة الكاملة في الإنسانية بين الرجل والمرأة. قال الله - تعالى -: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا -CQ
OQOP-21])، وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (( إنما النساء شقائق الرجال)) رواه أبو داود والترمذي.
2- المساواة في الخلقة:
على حين كان الأسبان يقولون: " احذر المرأة الفاسدة ولا تركن إلى المرأة الفاضلة"، وتقول التوراة ـ المبدلة -: " المرأة أمرّ من الموت، وأن الصالح أمام الله ينجو منها، رجلاً واحداً بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد.
جاء الإسلام ليقرر أن نفس الرجل والمرأة سواء، قال - تعالى -: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا -CQ
OQOP-22]).
3- المساواة في الكرامة الإنسانية:
على حين كان قانون حمورابي يقرر: " أن من قتل بنتاً لرجل كان عليه أن يسلم ابنته إليه ليقتلها أو يمتلكها"، جاء الإسلام ليقرر المساواة في الكرامة الإنسانية بين الرجل والمرأة فحرم وأد البنت خوفاً من العار أو الفقر قال - تعالى -: ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ -CQ
OQOP-23]). وقال - تعالى -: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ -CQ
OQOP-24]). وقرر الفقهاء أن الرجل يقتل بقتل المرأة عمداً دون شبهة، كما يقتل بقتل الرجل على مثل ذلك.
وذكر القرآن الكريم أن العدوان على عرض المرأة بتهمتها بالزنا دون دليل شرعي يعرض المتهم لها ـ كالرجال سواء ـ لعقوبة لا تستطيع أن تقررها قوانين الأرض، ولو كان واضعها النساء، قال - تعالى -: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ -CQ
OQOP-25]).
4- المساواة في الإيمان بالله - تعالى -والتكاليف الشرعية:
على حين اجتمع مجمع ماكون في القرن السادس بالبحث في موضوع هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه أو هي جسم وروح؟ وقرر أخيراً أن المرأة خالية من الروح الناجية من عذاب جهنم، ما عدا أم المسيح - عليهما السلام -؟
جاء الإسلام ليقرر المساواة بين الرجل والمرأة في الإيمان والعمل والجزاء على ذلك، قال - تعالى -: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا-CQ
OQOP-26]).
وقوله - تعالى -: ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ -CQ
OQOP-27]).
5- المساواة في التربية:
على حين كانت المرأة من سقط المتاع عند العرب، جاء الإسلام يحض على تربية البنات وتهذيبهن، قال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ-CQ
OQOP-28]). وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (( ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة)) رواه ابن ماجه، وقال أيضا: (( من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن، فله الجنة)) رواه الترمذي.
6- المساواة في طلب العلم العيني والكفائي:
على حين كان الألمان يقولون: إن خزانة الملابس هي مكتبة المرأة، جاء الإسلام وحض على تعليم المرأة وتعليم الرجل سواء بسواء.
فالمرأة مكلفة بالإيمان بالله - تعالى -وما جاء من عنده، ومكلفة بطاعة الله - تعالى -في فعل أمره واجتناب نهيه ولا يكون ذلك إلا بالعلم.
فلقد جاءت امرأة إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك انفردوا به فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتي إليك فيه، تعلمنا مما علمك الله، فقال: (( اجتمعن يوم كذا وكذا))، فاجتمعن فجاء الرسول-صلى الله عليه وسلم- فعلمهن مما علمه الله - تعالى -. رواه مسلم.
ولقد أقبلت المرأة المسلمة على العلم منذ أكرمها الله - تعالى -بالإسلام، ولقد وجد على مر القرون نساء تجاوزت علوم فرض العين إلى فروض الكفاية فكانت منهن المحدثات العظيمات، والراويات الثقات وذكر ابن عساكر أن عدد شيوخ من النساء كانوا بضعاً وثمانين امرأة.
7- المساواة في الأخلاق:
على حين كان اليونان يقولون في كل جريمة: فتش على المرأة، ويقولون: إن المرأة روح خبيثة، جاء الإسلام يحض المرأة على كمال الأخلاق كما يحض الرجل سواء بسواء، لأن المجتمع يبنى بعنصرين المرأة والرجل، قال - تعالى -: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا -CQ
OQOP-29]).
8- المساواة في العقوبات:
لما كانت المرأة مثل الرجل من حيث التكاليف الشرعية، فقد أصبحت في الإسلام مثل الرجل في تحمل مسؤولية نفسها في العقيدة والقول والفعل. فالعقوبة واحدة على الرجل والمرأة عند ارتكاب الجرائم قال - تعالى -: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ -CQ
OQOP-30]).
9- المساواة في الميراث:
على حين كان العرب يحرمون المرأة من الميراث، بل يرثون زوجات آبائهم، جاء الإسلام ليقرر حق المرأة في الميراث، قال - تعالى -: ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا -CQ
OQOP-31]).
10- المساواة في العقود والتصرفات:
جاء الإسلام ليقرر المساواة بين الرجل والمرأة في التصرفات القولية والمالية من التبرع، والصدقة، والبيع والشراء، وما إلى ذلك...
ولا يتوقف شيء من تصرفاتها على موافقة الأب أو الزوج طالما أنها راشدة بالغة، في حين كانت المرأة ـ كما رأينا عند اليهود وغيرهم ـ في ولاية الأب الكاملة، ثم الزوج، ولا يحق لها التصرف بمالها، حتى أن المرأة في فرنسا كانت في وقت قريب موضوعة تحت وصاية زوجها فلا تنفرد بالتصرف في أموالها.
افتراءات وردود
وأما ما يقال عن أن بعض أحكام الإسلام فيها مساس بالمرأة كالميراث؛ حيث يكون نصيبها نصف نصيب الرجل، وكالشهادة؛ فشهادتها تعدل نصف شهادة الرجل، وكالطلاق، وتعدد الزوجات، فهذه الأمور هي في جوهرها تكريم للمرأة وصون لكرامتها، فالفرق في هذه الأمور جاء حفاظاً على كرامة المرأة، واحتراماً لطبيعة تكوينها.
فأما عن الميراث وكونه نصف ميراث الرجل في بعض الحالات، فقد قابل الإسلام هذا الأمر بما يعادله في حق الرجل، فقد ألزم الشرع الكريم الرجل بالإنفاق على المراة، في كل طور من أطوار حياتها، فالبنت في مسؤولية أبيها أو مقامه يقوم، والزوجة نفقتها على زوجها، ولا نفقة عليها، وقد قرر الله - تعالى -ذلك بقوله: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ -CQ
OQOP-32]). وفي بعض الحالات قد يفوق ميراث المرأة ميراث الرجل بحسب القرابة، فليس الأمر دائماً أن يكون ميراثها نصف ميراث الرجل.
وأما بالنسبة للشهادة: فقد راعى الشارع الكريم في ذلك الخصائص النفسية للمرأة، فالمرأة عاطفية بحكم تكوينها النفسي، وقد تغلب عاطفتها؛ ولذا قال - تعالى -: ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى -CQ
OQOP-33]).
كما أن المرأة بطبيعة حركتها الاجتماعية لا تشاهد ما يشاهده الرجل، ولا تشترك فيما يكسبها الخبرة وما يؤهلها لعدم الخديعة ببعض المظاهر الكاذبة، وقد يوقعها ذلك في المحظور من حيث لا تشعر، ومع ذلك فقد أعطى الشرع الحنيف للمرأة حق الشهادة فيما تختص هي بممارسته، كالشهادة في الاطلاع على المولود عند الولادة، وفي الرضاع، وذلك لأن الشهادة تتفاوت بحسب موضوعاتها، وقد تقبل شهادة المرأة منفردة، كما قدم شهادة المرأة فيما يخص أمور النساء كالولادة وغيرها.
وأما عن الطلاق: فعاطفة المرأة غلابة، وغضبها قريب، ولذا أعطى الله للرجل سلطة التطليق المباشر لما يميزه من تريث وتحكيم للعقل قبل العاطفة، وفي الوقت نفسه لم يحرم الإسلام المرأة من طلب الطلاق، إذا وقع عليها من الضرر مالا تحتمله، وأصبح من المستحيل استمرار الحياة، وفي كلتا الحالتين يأخذ كل من الزوج والزوجة حقه.
أما بالنسبة لتعدد الزوجات: فهو علاج لكثير من المشكلات الاجتماعية، مثل العاقر التي لا تنجب ويرغب زوجها في الولد ولا يريد فراقها، وكذلك زيادة عدد النساء عن الرجال في بعض الظروف مثل الحرب. والمرأة هي وعاء النسل ومحضنه، ولا يعقل أن حق تعدد الأزواج تختلط الأنساب وتضيع الأعراض، والإسلام اشترط عند التعدد العدالة والقسمة العادلة بين الزوجات.
إذن فالإسلام أنصف المرأة وأعطاها حقوقها كاملة، وعمل على صيانة شرفها والمحافظة على كرامتها، وتقديراً لمكانتها كلف الرجل أن ينفق عليها ويقوم بمطالبها، قال - تعالى -: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ -CQ
OQOP-34])، إذن فللنساء من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات، ولكن للرجال درجة زائدة على النساء، هي قوامتهم عليهن؛ لأن الرجال مطالبون بالإنفاق على الأسرة والعمل بكل وسيلة لإسعادها والتكفل بمطالبها.
وأختم كلامي بقول رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (( إنما النساء شقائق الرجال)).
المراجع
islamselect.net/mat/94424"المختار الاسلامي
التصانيف
عقيدة