زحام شديد أمام الكوة والموظف يرد على المراجعين بضجر بالغ فيما جميعنا يتسابق ليصل بأطراف أصابعه إلى النافذة وسط إختلاط مقرف من روائح العرق والأنفاس والحرارة والرطوبة .
لم يكن الأمر مقصودا بكل تأكيد وسط هذا التزاحم ، إلا أنه لا راد لقضاء الله .. فقد وقعت قدمه العملاقة على قدمي النحيلة مسببة لي ألما مبرحا جعلني أصرخ بلا شعور قبل أن أعرف من فعلها :
- يا حمار
|
لم أتبينه جيدا ، فقد سبقتني كلماته المهذبة تلهج بالإعتذار عن خطأ غير مقصود ، قبل أن أجد ناظري يصطدمان ببطن إنسان أصله في الأرض وفرعه في السماء :
- سيدي كلي أسف ، لم أقصد أن أدعس قدمك ، لكنك ستقدر الأمر وسط هذا الزحام الشديد .
قاتل الله المكابرة ، صوت الرجل المتهدج الأقرب إلى البكاء أغراني بأن أتمادى ربما إرضاءا لضعفي وسط العيون التي هدأت وبدأت ترقب المشهد
- يا غبي ، مثلك زحام بحد ذاته ، كان عليك أن تقدر أن " بلدوزر " مثلك ما كان عليه أن يزاحم من هم أطفال أمامه ، أيها ال..
- سيدي ، والله لم أقصد ، إنما موجة بشرية دفعتني من الخلف وأخلت بتوازني ولم أستطع أن أتحاشا رجل .
- أيها الطود ، ومن ذا الذي يستطيع أن يخل بتوازن بعير مثلك ؟ |
شيطاني الأحمق تملكني وأنا أنظر لوجهه العريض والوديع ، وأغراني أن أصفعه غير آبه بالفرق الأسطوري بين جسده المفرط بالضخامة وبين جسدي الذي لا يساوي وزن إليته .
الملاك الذي اصطحب روحي في رحلتها الأخيرة إلى مستقرها أسر لي أن فريق الهلال الأحمر وجد كليتي اليمنى على بعد نصف كيلو متر من مسرح الحدث ، وأن رجال الشرطة إستطاعوا بالكاد نزع إحدى عيناي من تحت أظافره قبل أن يودعوه السجن ... ولا يزال البحث جاريا عن ما تبقى من رأسي .
في السماء ، إجتمع الملأ الأعلى لينظر بقضية العبد الذي وصلت روحه حديثا إلى حيث لا ظلم ولا ظلمات ، وبعد مداولات مستفيضة وتحقيق مضنٍ أقر الملأ أن يحبسني ثانيتين بحساب السماء ريثما تصل روح القاتل لإستكمال التحقيق وذلك لأن حسناتي وازت سيئاتي وكان لا بد من اتخاذ قرار نهائي على ضوء ما ستسفر عنه مواجهتي مع القاتل بين يدي الإله.
لوهلة ، فقد أسعدني الحكم كثيرا ، فهاهي حسناتي الناقصة ستكتمل بعد أن آخذ حقي العادل من حسنات العبد الذي أزهق روحي ، وسأدخل الجنة بلا ريب فيما سأتشفى به وهو يلقى أشد صنوف العذاب على يد الزبانية .
في هذا الأثناء ، كان القاتل يقف في المحكمة أمام القاضي الأرضي للنظر في قضيته بعد أن كان قد ألقي عليه القبض وأدين لتوافر أركان الجريمة ، وقد استطعت بمكري الإنساني الذي لا تعرفه الملائكة أن أستعطف أحد الملائكة الموكلين بحراسة روحي وأن أعود بها إلى قاعة المحكمة لكي أطمئن على مصير من حرمني الحياة .
القاضي الذي لم تقنعه توسلات الرجل وحججه التي ساقها وشهد عليها الشهود بأنني كنت البادئ بالإعتداء ، وجه كلاما قاسيا للرجل الذي لم يراعي فارق الحجم ولم يستطع ضبط أعصابه قبل أن يزهق روحا بريئة ، وأحال أوراقه إلى المفتي وسط بكاء الرجل ، وفرح روحي بأن الرجل نال ما يستحقه ، وبأن روحي سيفرج عنها قريبا وستذهب إلى حيث تستحق ، إلى الجنة .
أيام قليلة مما تعدون أعدم الرجل وجلبت الملائكة روحه وحاكمتها انفراديا قبل أن يتم النظر في قضيتي معه ..
الإله جمع ملائكته وروحينا ونظر بالقضية مليا ثم أصدر القرار الذي لم أكن أتوقعه ، فقد أمر الملائكة بأخذ كل ما لدي من حسنات وتجييرها إلى حساب رصيد القاتل :
- لماذا يا إلهي يا من لا تظلم عنده الأنفس ، أنا المقتول وهو القائل .
وقرأ أحد الملائكة مسوغات الحكم الذي أدانني بالآتي قبل إرسال روحي إلى الجحيم:
يا عبدي ، لم تقدر نفسك حق قدرها ولم تضعها حيث هي وأوردتها مهلكها، يا عبدي ، تصرفت بحماقة مع من ليس لك قبل به ، يا عبدي .. تسببت في إزهاق روح لم تكن لتخرج لولا أن تصادف في ذاك اليوم المشهود من هو بحماقتك ورعونتك وقصر نظرك ، لذا فقد استحق هو الخلود المريح ، واستحقت روحك الحمقاء العذاب .
رفعت الجلسة .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتب, د. ناظم الرفاعي-الكويت ذاكرة لما يأي من وقت -هما
-
الكاتبة, كُليزار أنور-العراق نوافذ للذكرى
-
الكاتب, محمد رمضان الجبور - زوبعة في جامعة "ص"
-
الكاتب, عدنان علي نزهة-الإمارات العربية المتحدة الفراخ الخمسة
-
الكاتبة, د. لمى نور الدين محمد-أميركا أسرار جنسيّة, السر الثامن (الغبيّة!!)
-
الكاتب, محمد صباح الحواصلي-أميركا الباب الشرقي
-
الكاتب, عبد الكريم المقداد-الكويت فحيح الوحشة
-
الكاتب, محمد صباح الحواصلي-أميركا الدنيا بخير
-
الكاتب, أدهم مطر-السعودية سالي
-
الكاتبة, د. سناء كامل أحمد شعلان-الأردن أحزان هندسية
|