ان اكثر قضية تؤرق الانسان في معاناته هي الاسعار اي ان الغالبية العظمى من الناس يلتقون على مشكلة واحدة تمثل معاناة حقيقية لهم فكما يقال الجوع كافر وسبب الجوع ارتفاع الاسعار وعدم قدرة الانسان على مجاراتها، خاصة اذا كان المجتمع في غالبيته من الطبقة الفقيرة ومن ذوي الدخل المحدود فالدخل المحدود الآن ليس كما كان في السابق حيث كان هؤلاء يمثلون الطبقة الوسطى.

هذه الطبقة كانت في السابق تكتفي بما لديها من دخل وكان الدخل يكفيها وفقاً للاسعار في زمن سابق ليس كزمننا الحالي وقد تآكلت هذه الطبقة في العقدين او الثلاثة عقود الماضية وزادت معاناتها بشكل كبير ولافت خلال عشر السنوات الماضية نتيجة تغول اصحاب المصالح على مقدرات الوطن خاصة وان هذه المقدرات التي كانت تمثل حماية حقيقية لهذه الطبقة ولبقائها باعتبارها المكون الاساس للدولة.

ان تآكل الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل القاعدة العريقة في المجتمع لحساب طبقة من الاغنياء القدامى حيث زاد غناهم ولحساب طبقة جديدة عملت على اللحاق بالطبقة السابقة احدث خللا كبيراً وعميقاً في المجتمع غاب عن استراتيجيات المخططين او غيبه المخططون لان غالبية هؤلاء الذين اوكل اليهم التخطيط والقيادة هم من المنتفعين.

الصالح والمصالح الفردية للكثير من اصحاب القرار والمسؤولين عن الشأن العام أعمتهم مصالحهم عن الدور او المهام الموكلة لهم في رعاية القاعدة العريضة من الناس فبدل اهتمامهم بالشعب اهتموا بحالهم وتركوا المواطن يكتوى بنار الغلاء والأسعار وبالمقابل نجدهم ان كانوا موظفين يسعون لزيادة دخولهم مع الابقاء على دخول مرؤوسيهم كما هي فالزمن يتغير لهم ولا يتغير لمرؤوسيهم.

كان هناك خطط عشرية وخمسية ليتم من خلالها توزيع مكاسب التنمية واقامة المشاريع المختلفة ولكن ما شاهدناه ان المشاريع التي كانت تمثل الضمانة للمجتمع تم التعدي عليها وبيعها دون ان يلمس المواطن اي نوع من الاستفادة من هذه الافكار العبقرية نعم، كانت افكارا عبقرية لاصحابها لينهبوا المقدرات والاساءة لابناء الوطن فصاحبَ البيع حرمان الناس من الوظائف فيها فغيب التخطيط وحل محله تدمير البناء السابق والغائه.

المواطن يئن ولم يبق له شيء بل على العكس الاسعار تكويه بنارها ولا قدرة له على مجاراتها وزيادة على ذلك فالضرائب تأكل معظم مقدراته وتذهب هذه الضرائب ليس لخدمته بل لخدمة بعض الذين يلاحقونه على النزر اليسير من حقوقه فالضرائب وجدت كما نفهم لتحسين حالة الوطن وليس لتحسين اوضاع قلة ممن يفترض انهم ان يرعون شؤون الوطن فالضرائب تذهب في غالبيتها لجيوبهم او لزيادة تحسين اوضاعهم المحسنة اصلا فحالهم كحال رب الاسرة الذي يأكل ما لذ وطاب واسرته تتضور جوعا وتعيش حسرة.

ان اصلاح الحال ليس بالمحال ولكن مع بقاء الحال على ما هو عليه يصبح من المحال وليس هناك شعب يرضى بان يكون حاله محالا ففي الشعب الحياة وله الحياة والحياة ليست حكراً على فئة قدر لها ان تكون هي من يرعى شؤونه والاخطاء قد تحصل ولكن لا تدوم وخاصة اذا كانت اخطاء مقصودة.

لاحظنا خلال الاسبوع الماضي نشاطاً في المحافظات للجنة الحوار التي شكلتها الحكومة وكان دور اللجنة في محاورة الناس حول قانوني الانتخاب والاحزاب ولكن الناس في المحافظات الذين التقاهم اعضاء هذه اللجنة لم يعيروا موضوع الانتخاب والاحزاب أي اهتمام بل تركز حديثهم على قضايا الفساد وهذا الموضوع مرتبط ارتباطا وثيقا بالحاجات الاساسية للناس فالاصلاح الذي ينشده الناس هو في الآلية التي ترعى الدولة شؤونهم المعيشية به وان كانت قضايا الانتخابات والاحزاب مؤشر على انها بدايات الاصلاح لمرحلة قادمة وليس لاصلاح المخرب.

اعتقد ان الرؤيا لدى لجنة الاصلاح الوطني يجب ان تتحدد وفق اولويات تختلف عما هو موجود على اجندتها فحاجات الناس الاساسية هي الارضية التي يجب ان تنطلق بها لجنة الاصلاح لوضع تصوراتها فلا اصلاح والمواطن يرزح تحت سيف الاسعار وبقاء من يرعون مصالحه وكانهم سيوف آخر مسلطة عليهم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   نايف المحيسن   جريدة الدستور