نستعيد ثقتنا بموقع مصر المؤثر في الوطن العربي ، ونثق الآن بأن الشعب بأطيافه المتعددة يعبر عن الحيوية الفكرية ، سواء أكانوا من المناهضين لحالة الأخونة أو الداعمين لها ، فهم كلهم يملكون الحق في الرأي ، لأنهم يتحدثون عن مصر ، التي اعتادت أن تقود العرب ، والتي اعتدنا على قيادات رموزها الفكرية والقومية ، وهي « أم الدنيا « التي تربت الأجيال الحاضرة على اعتبارها حاضرة الثقافة والكتاب والنمط الإعلامي المميز ، هي مصر التي انبثق منها نور الحضارة ، والتي أعادتنا بما يجري على أرضها اليوم ، إلى الثقة بأنها لا يمكن أن تفقد بوصلة الحضارة ، ولا يمكن عزل ما يجري في ميادين مصر والقاهرة عن الميراث الفكري الذي عرفته مصر الحديثة منذ حقبة محمد علي باشا وحتى اليوم .
من درس تاريخ مصر عبر العصور يعرف أنها تملك ذخيرة وجذوة الحضارة ، وما يحدث اليوم يعيدنا إلى عهد النهضة الفكرية التي شهدتها مصر منذ أيام محمد علي باشا ، ووقوفا عند الشخصيات التنويرية التي توقفت عند منعطف طريق صعب مع قدوم الغربيين إلى مصر ، حيث بدأ الصراع بين التراثي والتجديد ، وهذا أمر طبيعي في بلد يملك ميراث الفكر المتراكم منذ أخناتون ومرورا بالبطالمة وحضارتهم الهلينية ، ثم الرومان والبيزنطيين ، حتى جاء العرب ونشروا الدين الإسلامي والحضارة العربية في بلد يملك مخزونا من حضارات الفراعنة والأقباط ، أصحاب البلاد ، إلى الخليط الجميل من الثقافات اليونانية والرومانية ، كلها تعايشت معا وشكلت مع الصبغة العربية حالة خاصة لا يعرفها إلاَ من درس تاريخ هذا القطر الذي لا يمكن فيه نفي الآخر وصبغه بلون واحد ، وتقف الإسكندرية العظيمة التي تنفتح على عالم البحر المتوسط شاهدا جميلا على هذا التنوع ما بين « الجريك « والإيطاليين والأقباط والسكندريين من الأهالي ، كلهم يمثلون التنوع الذي لم يرفضه المصري عبر تاريخه ، فكيف يمكن قبول بشاعة الانغلاق والنفي والتكفير ..؟ هذه ليست مصر ، ليست مصر الحقيقية ، ولا يمكن لأي جهة تحاول جر مصر إلى الانغلاق أن تدوم ، هذا منطق تاريخ مصر الحضارة منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد .
ما يحدث في مصر اليوم نفهمه تماما ونحن نقرأ فكر رفاعة الطهطاوي و الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد رضا وقاسم أمين .. ما يحدث اليوم تختزنه الصحافة المصرية العريقة منذ منتصف القرن التاسع عشر والتي شهدت مناظرات واسعة جميلة تدل على حالة التفكير والنقاش والانفتاح .. مصر اليوم تقول بأنها استعادت عافية العودة إلى قبول الآخر ورفض الانغلاق ، صحيح أن البوصلة لم تستقر تماما ، لكن مصر لا تفقد بوصلة الحضارة ولا يمكن أن تشير بوصلة الحضارة إلى جهة واحدة وتقود إلى اصطدام الحافلة .
نستعيد ثقتنا بحيوية مصر وننحاز إلى مصر قبل كل شيء ...ما يحدث اليوم يقول بأن مصر تحاول استعادة صوتها الحي الذي قاد الوطن العربي بفكره وفعالياته المبدعة ، نطمئن إلى أن جذوة الحضارة أقوى من كل التيارات السياسية وأنها ستحرك الزمن المصري القادم ، وأن العربة المصرية عادت إلى القضبان المتينة ، عربة مصر أم الدنيا التي لا يمكن لها أن تكون بلون واحد ، ولا تقبل لبوصلة أن تجرها إلى اتجاه واحد .. لأنها بالتأكيد ستكون معطلة وقاتلة...
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة هند ابو الشعر جريدة الدستور
login |