لم يعد لدي شك في أن العربي مسكون بتاريخه ولا يغادره ، ولا أدري إن كانت شعوب الأرض تشاركنا بهذه الحالة ، ولا أدرى إن كان « اعتقال « التاريخ لعقولنا سيظل جزءا من مكوناتنا ويحركنا كيفما اتجهنا ..لكنه حالة تحتاج الآن إلى « بعض العقلنة « وإعادة النظر ، صحيح أن التاريخ من الجوامع المهمة في بناء الشخصية المعنوية ، لكن علينا أن نفصل بين الحدث الماضي وبيننا اليوم بصورة عقلانية ولا نسمح له بتسييرنا .
أسمع هتافات في الشارع المصري تصرخ ضد « العسكر « وكأنهم « أورطه « من الجيش الانكشاري.
وقد استوقفتني بعض التحليلات العجيبة « للعسكر» في هذا القطر العربي الذي حارب بجيشه من أجل فلسطين ومات زهرة شبابه لأجل العرب ..ولا أدري كيف يسمح البعض بالخلط المؤسف بين « الجيش الوطني « والصورة التقليدية البشعة التي ورثناها عن الحكم العثماني للجيش الغريب الذي ابتدعه السلاطين من بني عثمان لبناء دولتهم ، وسخروهم لفتح العالم وبناء « إمبراطورية آل عثمان « وللتذكير فقط ، فإن الجيش الانكشاري الذي تم تأسيسه عام 1324 م تشكل بمصادرة أطفال البلقان بدلا من دفع الأهالي للجزية ، وكانوا يؤخذون ويعزلون في ثكنات عسكرية منفصلة ويتم تدريبهم الصارم على اعتبار السلطان هو الأب والأم والعائلة والوطن ..واجبهم الحرب والقتل ويمنعون من الزواج أو الاختلاط بالشعب .. هؤلاء هم الذين فتحوا بلاد الشام ومصر ، وهم الذين تسلطوا على الشعوب وتجاوزوا من بعد على السلاطين والصدور العظام .. إنهم ليسوا جيشا وطنيا ، وهم صورة للرعب والخوف والترويع في تاريخ المرحلة التي بنت الدولة العثمانية .. هؤلاء الذين روعوا أجدادنا ، فكيف تكون صورة « العسكر» في ذاكرة الأجداد..؟
العسكر ليسوا جيشا وطنيا من دم ولحم الوطن ، ولا يمكن الخلط بين صورة العسكر في الجيش الانكشاري وصورة الجندي المصري القابض منذ التأميم والعبور على أمن مصر العظيمة والتي إن بقيت عظيمة بجيشها ، ووقف جيشها في خنادق الدفاع عن أمن مصر العربية ، كنا كلنا بمأمن ، لأنها اليوم الأمل الأخير بعد تدمير جيش العراق العظيم الذي بناه في زمن العز فيصل بن الحسين ، وجيش سوريا الذي بناه أيضا فيصل بن الحسين نواة لحلمه العربي..وواجه الجنرال الفرنسي غورو برايات الشهيد يوسف العظمة على ثرى ميسلون .. |
جيش مصر الوطني ليس الجيش الانكشاري .. أذكروا دماء الجيش المصري والتي سالت من أجل العرب ، وتذكروا أن الجيش الانكشاري الذي تحاول بعض القوى التي لا تعرف التاريخ أن تعظمه وتعظم سطوته ، إنه ليس جيش العرب ولا جيش الإسلام ..إنه جيش دولة إمبراطورية حكمتنا أربعة قرون ، وتذكروا أن مصر تحاول اليوم استعادة قيادتها وتذكير العالم كله بأن لمصر جيش يحميها ، جيش الوطن ، وليس « عسكر « انكشاري .. | ومن أراد أن يستقوي بتركيا اليوم ويستعيد « ذاكرة « التاريخ العثماني ، نقول له لا يمكن للجيش الانكشاري أن يعود من جديد، لدينا جيش وطني من لحم الوطن ومن دم الوطن ، جيش يقول « تحيا مصر « ولا يستقوي بالغرباء، هؤلاء ليسوا « عسكر « هم مؤسسة الوطن ، و» تحيا مصر « .. |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة هند ابو الشعر جريدة الدستور
login |