يبدو أن للمعدة عند البشر طقوس تمنحها الخصوصية ، بحيث يمكن أن نربط بين المعدة والثقافة ، وربما استطعنا أن نميز جنسيات معدات البشر ، فهناك معدة عربية وأخرى أمريكية وثالثة انجليزية أو روسية أو صينية أو هندية أو تركية ، وهناك معدة مهاجرة خليط بين العربية والأمريكية أو العربية والنرويجية مثلا .. وكلها تصب في ثقافات الشعوب ، وتؤشر على مجمل العلاقات والمزاج السياسي إن جاز لنا التعبير .
في تراثنا العربي العديد من المخطوطات والمطبوعات التي تتحدث عن الطعام ، وتكشف عن مزاج أجدادنا الذين عرفوا المطبخ الفارسي والتركي والهندي وربما الصيني بفعل التجارة التي تضرب في أغوار التاريخ العربي لدى عرب الجنوب البحارة بامتياز ، واليوم يميل المزاج العربي الذي غرق في نعمة السلع التركية وأغرقته المسلسلات التركية التي تبث من الفضائيات العربية على مدار الساعة ، يميل نحو المطبخ التركي ، لتكتمل الحلقة ، ونعود إلى زمن الإمبراطورية العلية ..
ما علينا ، فمناسبة هذه المقالة لا علاقة لها بالمطبخ وعالمه الذي يمثل فنا له أهله ، لكنها للتعبير عن الدهشة والاستياء من جنون المعدة العربية المترفة ، بعد أن شاهدت فيديو حي عن جنون المعدة العربية المغرمة بتجاوز كل الغرائب وتحقيق السبق بانجاز المبنى الأطول في العالم ، إذ تفتقت الذهنية العربية السباقة إلى أكبر طبق للطعام يطعم مدينة بحالها ، ويجلس على أطرافه الممتدة حتى آخر الكون ثلاثة من العرب .. | يأكلون ، ويتركون تلال الطعام بعدهم للنفايات ، فلا يصدق المشاهد أن المعدة العربية المترفة نجحت في تحقيق السبق على العالم كله باتساعها وجشعها الذي لا حدود له .. |
مع اتساع نطاق العولمة ، ومع تخصيص فضائيات خاصة بالطبخ وشؤون المعدة ، هل تتغير ثقافتنا ..؟ لا خوف علينا ، فإن هويتنا الأردنية التي ترتبط بالمنسف لن تغيرها كل رياح العولمة ، وهو من ثوابتنا التي تؤكد بأن اجتماعنا حول المنسف يشدنا إلى الوطن حتى لو كنا في غربة تأخذنا إلى سيبيريا .. لا خوف علينا من العولمة طالما ظل المنسف يجمعنا .. لا خوف علينا من اختلاف الأحزاب والمشارب السياسية والخلافات العشائرية ، فبمجرد أن يحمل المنسف ويصبح السيد المطاع ، حتى يتناسى الكل خلافاتهم .. |
المهم ألا يصيبنا جنون السباق على « الأكبر « ودخول موسوعة جينيس ، فالتخمة ليست من صفات الثقافة المحمودة ، إنها الباب الأوسع نحو المرض أبعدنا الله عن شره ، وصدق العرب الحكماء حين قالوا « المعدة بيت الداء « أليس كذلك ..؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة هند ابو الشعر جريدة الدستور
login |