وأخيرا أصدر الطبيب المتميز( إبراهيم صبيح ) حكمه علي بالإقامة الجبرية .. كانت ملامح وجهه غاضبة وهو يتفحص صور الأشعة بدقة ، وقال بلهجة صارمة :

- الأمر جدي .. عليك الالتزام بالسرير لإسبوعين بلا أي حراك ..

- ....؟

- تفاقم الانزلاق الغضروفي وأنت بحاجة إلى جراحة ، ولكني سأعطيك هذه الفرصة ..لا تغادري سريرك وممنوع الجلوس واستخدام اللاب توب ..وعلى ضوء النتائج عند المراجعة سنقرر أمر الجراحة .

كان أمام الطبيب مجسم للفقرات ، شرح لي بطريقة سلسة وذكية كل ما علي أن أعرفه ، تقبلت الأمر بلا انفعال ، وأنا أركز النظر على المجسم الكبير الملون أمام الدكتور إبراهيم للدماغ البشري ، كان منظر الدماغ مثير ومدهش ، وأنا أعرف شغف الطبيب بجراحة الأعصاب ومتابعة كل جديد في المؤتمرات الدولية ، شربنا القهوة ، وودعني الطبيب بكل ما عرف عنه من دماثة وإنسانية ، وأوصاني بالالتزام الصارم حتى موعد المراجعة .. القيادة ممنوعة ، الجلوس ممنوع .. اللاب توب ممنوع ..وإلا ..

أنا الآن معتقلة ، وهذا يجعلني أستذكر كل ما قرأته عن أنواع الاعتقالات .. صحيح أن التجربة مريرة عندما يسقط المرء بلا مقدمات في الفراش، ويعرف عندها قيمة ما يفقده .. العودة ليلا من العمل ، قيادة السيارة في كل مكان تصله معرفتك .. المشي بسرعة البرق ومطاردة الوقت لأصل في الدقيقة المحددة للمحاضرة .. الالتزام بأوقات الاجتماعات في كل المرافق .. الانشغال طوال اليوم والنوم ساعات قليلة .. لا بد وأن تدفع فاتورة كل هذا .. لا بد .

حسنا ، هذا اليوم الذي تم فيه اعتقالي ، خرجت منه بتجارب مذهلة ، فقد عرفت أن الوطن يملك طاقات طبية متميزة يقصدها المرضى من كل أنحاء الوطن العربي ، ووجدت أن لدينا صروحا طبية متكاملة فنيا وتقنيا ، جربت التصوير بالرنين المغناطسى وكأنني سافرت بكبسولة إلى الفضاء الخارجي ،ـ وجربت الطب النووي ، ورأيت عشرات العيادات المتخصصة في بناء متكامل ، وقرأت أسماء أطباء يبعثون الثقة بإمكانات الوطن .. وعندما خرجت إلى الشارع وجدت الأمن والأمان ، ومع أنني معتقلة ويتهددني الرعب من الجراحة ، لكنني أغفو بأمن في وطن فيه قامات طبية تستحق التقدير ، وإمكانات طبية تبعث على الاطمئنان ، وها أنا أخالف أمر الطبيب الإنسان الذي يحب القراءة والأدب ويكتب مقالات جميلة ، أقرأ الآن مجموعة مقالاته التي تؤكد لي صدق مقولتي الدائمة بأن المعلم والطبيب حالات مميزة ، فإذا نجح المعلم والطبيب تقدم الوطن وازدهر.

طيب.. ممكن دكتور إبراهيم تخفيف العقوبة يومين أو ثلاثة أيام ..؟ ما في وساطات أو جاهات ..؟ نحن في الأردن ومتعودين عليها ..؟ متى ينتهي اعتقالي ..؟ أريد أن أقود سيارتي في فضاء البادية الفسيح ، وأسير بسرعة في الممرات حيث يركض طلبتي معي مسرعين ليلحقوا بي..وأعود مع الليل إلى البيت وأشم رائحة زهور اللوز المر تعبق في الشارع.. لو تعرف كم من مناسبة ثقافية اعتذرت عنها بسبب اعتقالي ..اعتذر من كل من أخلفت مواعيدي معهم فأنا رهن الاعتقال ..


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   هند ابو الشعر   جريدة الدستور