تقول الأخبار بأن الشرطة المصرية ألقت القبض على سائق ميكروباص عمومي مبتور اليدين ويستخدم طرفا صناعيا . وهو مصاب بشلل الأطفال ولا يملك رخصة قيادة ولا رخصة (تسيير) ، وذلك خلال قيادته للحافلة الحبلى بالركاب في شارع الهرم.
لا أعرف بالضبط لماذا تعاطفت مع هذا السائق ، مع انه قد يعرض أرواح الركاب والمارة للخطر - ربما - أكثر من غيره من السائقين. لكنه لم يكن قد اقترف حوادث سابقا والا لكان تم اكتشافه من قبل .. انه بالفعل (مناضل) حقيقي يفترس اللقمة ، له ولأسرته ، من فم المستحيل ، بدل ان يستثمر عاهته شحاذا على الأرصفة ، يستجدي عطف المارة ...هذا السائق فضّل الشوارع على الأرصفة ، وفضل افتراس اللقمة بدل استجدائها من الآخرين ، وينبغي ان يُمنح وسام شرف بدل اعتقاله.
في ذات الحملة التفتيشية ، القت الشرطة القبض على 65 سيارة تسير عكس الإتجاه ، 35و سيارة بدون لوحات ، 35و سائقا بلا رخصة قيادة.. لاحظوا معي ان الأمور كانت سالكة : حوادث السير ضمن النسب المعقولة ، كذلك نسبة الوفيات والإصابات وما شابه ذلك من قضايا احصائية. ولن تنخفض هذه النسب بعد مخالفة هؤلاء وزج بعضهم في السجون.
الخبر تناقلته وسائل الإعلام ووكالات الأنباء على قائمة الأخبار الطريفة والمشوقة للقارئ ، لكن نظرة اكثر شمولية للأمور سوف توصلنا الى نتيجة الى ان هذا الخبر ليس طريفا ولا مشوقا ، ؟ بل هو ممارسة يومية في العالم العربي المحشور بين محيطين وقارتين وإسفين اسرائيل يعبث في الخاصرة ، لا بل في القلب.
هناك قيادات سياسية واقتصادية وثقافية تتولى قيادة باصات التنمية والتحديث والولوج الى القرن ال21 ، وهي مبتورة العقول والضمائر ، ولا احد يشكو ولا احد يحتج ، وتؤدي لهم شرطة السير: التحية والإحترام صباح مساء. قيادات بلا رخصة وتسير عكس السير ، ولا تأبه للإشارات المرورية ، ولا تأبه لقواعد السير على الإطلاق.
لكني اعترف ان هذه القيادات بأيد غير مبتورة ، لا بل هي طويلة اكثر من اللازم وتصول وتجول في خزائن الحكومات بلا حسيب ولا رقيب ، واعترف ايضا انها غير مصابة بشلل الأطفال ، لكنها متكرسحة على مقاعدها ومناصبها منذ الولادة حتى حشو المؤخرة بالقطن غير المعقم.
واعترف بأن هذه القيادات تتحكم بالركاب كما تشاء وترمي من تشاء من الشباك وتدهس من تشاء ، ولا حسيب ولا رقيب سير.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور