في البدء كانت المقاومة ، وكان أجداد هؤلاء - أعضاء عصابة الكرتونجية - هم أوائل المقاومين. وكانوا هم بالذات الذين رفعوا الانسان درجة من مجرد قرد عار يتنطنط بين الأشجار الى كائن يمتلك الوعي والطموح والحلم.

أجداد هؤلاء كانوا في البداية يختبئون مرعوبين في الكهوف مع الجماعات البشرية الأولى ، خوفا من الحيوانات المفترسة والعملاقة ، لكنهم حملوا الصخور الطباشيرية وصاروا يرسمون الحيوانات المفترسة بشكل بدائي وساخر ، ثم رسموا انفسهم وهم يقتلونها.. وكانت هذه الشعلة الأولى للمقاومة والشرارة الأولى للحياة.

وكانت رسماتهم الأولى هي البداية لقتل مخاوفهم وتدجينها واستيلادها.

هؤلاء هم احفاد اولئك ، ونحن اذ نحتفي بهذا الكتاب انما نحتفي بمحرري الأنسان من مخاوفه عبر جميع العصور.

ثلة من حرس الشرف الوطني.. ثلة من حماة الروح ضد الإحباط والقهر والهزيمة.. مدججون بالوعي ، ساخرون بلا حدود ، يعيدون الأشياء الى اشكالها وحجومها الطبيعية ، يمسكون رؤوسنا رغما عنا ويجعلوننا نحملق - رغما عنا - في مرآة الحقيقة لنرى خطأ وخلل وتفاهة بعض ممارساتنا ، لعلنا نخجل من انفسنا نسعى الى تغيرها.

لا تنخدعوا بأقلامهم متقنة الصنع ولا بأوراقهم المصقولة ولا بكومبيوتراتهم المهبولة ، فكل ما يرسمونة ما هو الا استمرار لحالة المقاومة الأولى. انهم يؤثثون حياتنا بلون التمرد والسخرية والمحبة. ويغطون سوتنا برسوماتهم.

فيهم ميزات قد لا تتوفر جميعها في رسامي الكريكاتير في اي بلد اخر في العالم فـ: هم عالميون اولا ، لكأنهم مواطنون كونيون يهتمون بقضايا العالم اجمع بلا استثناء ، ويواجهون القبح والألم والسحر الأسود بالسخرية ، فيبطل مفعولها.

هم عروبيون ثانيا ، ووحدويون لا يعترفون بالحدود الدولية بين العرب ولا بمقررات سايكس بيكو ولا جون ترافولتا.. لذلك تبدو ابداعاتهم لكأنها تعيش في عالم مواز في الأمبرطورية العربية الكبرى.. في حلمنا الكبير.

هم فلسطينيون ثالثا ، لأنهم - بلا استثناء - تطحنهم الام فلسطين وشعبها ، ويفرحون لكل جذوة مقاومة ، فيمدونها بالوقود من حطب الروح.

لذلك هم اردنيون أكفياء ، لأنهم فلسطينيون اكفياء ووحدويون أكفياء وعالميون أكفياء.

ومن منكم بلا سخرية ، فليرمهم بحجر،، (تقديم كتاب يضم رسوما كاريكاتيرية للعديد من رسامي الكاريكاتير في الأردن).


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   مهند مبيضين   جريدة الدستور