كنت طفلا بائسا وفقيرا وخجولا وضعيفا ، وكانت هذه المميزات تؤهلني لأكون مواطنا مفرطا في العادية ، أولد جائعا وأموت جائعا فيما يأكل الاخرون من عرق حبيني.
كنت مؤهلا لذلك المصير ، لكن تعرفي على الصحفي البارز في صحيفة (الكوكب اليومي) نبيل فوزي قلب كل المعايير. بالمناسبة نبيل فوزي هو الشخصية السرية لسوبرمان في المجلات المصورة المترجمة التي كنت مدمنا على قراءتها مستغلا كوني بياع جرايد ومجلات متجولا في الحارات والأزقة. وربما من تلك الفترة وانا احلم بان اكون صحفيا.
كم اعجبت بقوة سوبرمان وجبروته واخلاقياته العالية في ذات الوقت ، وكم اهدرت - وما ازال - ساعات طويلة من حياتي وانا اتخيل ذاتي مالكا لقوى سوبرمانية جبارة ، حيث امتلك القدرة على الطيران والرؤية والسمع من مسافات بعيدة جدا ، والعودة الى الماضي او الاندلاق في المستقبل.. ولا يضعفني شيء ، بينما كان سوبرمان يفقد قواه امام مادة الكريبتونيت الأخضر الذي تشكل من انفجار كوكبه الأصلي وسقوط بعض القطع منه على الأرض على شكل نيازك.
حلمى الأول كان تحرير فلسطين وإعادة الفلسطينيين الى بيوتهم ، وبما اني كنت امتلك اخلاقيات سوبرمانية.. لا تسمح لي بقتل أحد ، فقد كنت انوي وضع الصهاينة الذين لا يرغبون في البقاء في فلسطين بعد تحريرها في سفن اصنعها لهم على عجل ليسافروا أنّى شاؤوا.
ولما كبرت قليلا ، تغيرت بعض تكتيكاني ، فصرت لا اميل الى محاربة جيش الدفاع الإسرائيلي وتجريده من اسلحته ، بل قررت ان احفز العرب والفلسطينيين من اجل محاربة اليهود ، واعدا اياهم بأني سأكون موجودا وقت الحاجة لإنقاذهم او مساعدتهم على النصر.
أدمنت على احلام اليقظة ، فصرت اقرأ واحلم ، أحلم وأقرأ ، ولم امارس اي رياضة.. او اي شقاوة او اي مراهقة.
هكذا ظللت احلم حتى ضاعت بقية فلسطين ، وظللت احلم حتى تفتت منظمة التحرير.. وحتى انتهى شعار المقاومة العسكرية وتحول الفدائيون الى مفاوضين مبتدئين غير مهرة على الإطلاق.
لم احصل على قوة سوبرمان ، بل صرت بفعل الزمن افقد قواي الطبيعية ، وتجاوزت الخمسين وانا ما زلت اقرأ واحلم.. أحلم وأقرأ.
للعلم ، حلمي الأخير يدور حول استخدام قواي الجبارة من أجل الوصول الى الحمام في الوقت المناسب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور