منذ سنين بعيدة عاد أبي من إقامة قصيرة في قرية الكافات الواقعة شرقَ مدينة حماة ليروي لنا قصة طريفة عن سوء تفاهم حصل بينه وبين أحد أبناء القرية المذكورة بسبب اختلاف اللهجات. كان أبي قد ذهب بأخي ناجي إلى تلك القرية بعد أن يئس من أطباء الحَضَر في معالجة ساق ابنه من "حيَّة الهَوا" التي أصابته قبل ولادته. يومَ كان بابازْيان، طبيب حلب الأرمني الشهير ومحبوب الجماهير الريفية على ضِفَّتَيْ الفُرات من جَرابْلُس إلى البوكمال، على قيد الحياة لم يجد أبي مشقة في الذهاب إليه، كما فعل قبل سبعة عشر عامًا لإجراء عملية لابنه ذي الثمانية أشهر. أما الآن، فقد مات بابازْيان، ولم يعد أمام أبي سوى "طب العرب."
لم يعرف أبي أيهما أصعب عليه: موت بابازْيان أم معاودة المرض لابنه بعد كل هذه الهدنة الطويلة. فاحتار فيما يفعل. اجتمع أهل قريتنا، ومعظمهم فلاحون وعمال، وأصبح كل واحد منهم فجأةً مختصًا بهذا المرض أو ذاك، لكنهم امتنعوا عن كتابة الدواء المناسب لعلة أخي، لأنهم لا يملكون راشيتات مثل التي يكتب عليها عبد السلام العجيلي الدواء لمرضاه، ولأنهم لا يعرفون الكتابة أصلاً.
أما مَن رَدَعَهُ التواضع عن انتحال صفة استشاري في كذا وكذا من مجالات الطب من أهل قريتنا، ومن بينهم آخرُ زوجةٍ من زوجات جدي لأبي، فقد أحال أبي بحركةٍ واحدةٍ من يده إلى قرية الكافات، حيث "طبيب العرب" إبراهيم حيدر الذي يعالج حَيَّة الهوا وسواها من الأمراض التي تستعصي على أطباء الحَضَر الخايبين. عندما رأى أبي الأيدي المُستنكرة الناصحة، وهي تُقَرِّب مسافة 400 كيلومتر بحركةٍ رشيقةٍ واحدةٍ قائلةً، "هذي الكافات: عند إذني،" هانت عليه مشاق السفر، لكنه لم يتبين الرُّشْدَ إلا ضُحى الغَدِ. وصل أبي إلى الكافات، خائرَ العزم، منهوكَ القوى على نحوٍ لم تُصَوِّرْه حركاتُ الأيدي المستهجنةِ اللائمةِ، كما لم تنبِّهه إلى مشقةِ عودةٍ طولها 400 كيلومتر أخرى. وهناك تبين لأبي أن أخي يعاني من روماتيزم في المفاصل، أي عنده "ريح" بمصطلحنا الفُراتي الدارج. لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مرضٌ يصلح لعلاجه أطباءُ الحَضَر أيضًا، وهم موجودون في مدينة الرقة التي لا تبعد عن قريتنا سوى خمسين كيلومترًا.
أما ما دفع أبي في الحقيقة لقطع مسافة 800 كيلومتر ذهابًا وإيابًا بدلاً من 100 فهو رغبته في الهروب من مواجهةٍ عاصفةٍ لا بد منها مع أطباء الحَضَر: كان جلد أخي لا يزال يحمل قروح العلاج بالعُطبة التي يزعم أتباعُها ومُريدوها أنها تصلح لكل الأمراض، وكأنها پانَسِيّا الإغريق. ويتألف هذا العلاج الأبوغْريبي من وضعِ لُفافةٍ قماشيةٍ أو أكثر على مَظَنِّ الداء من جسد المريض، ثم تُشْعَل من رأسها، وَتُثَبَّت بملقَطٍ من حديد أو ما شابهه، وتظل تحترق ببطءٍ إلى أن ينطفئ عَقِبُها في الجسد العليل. وقد يستغرق احتراق العُطْبة ساعةً أو أكثر، يتحول خلالها أثرُ اللفافة الحارقة إلى حرقٍ من الدرجة الثالثة في بعض الأحيان. وهذه المدة، بالإضافة إلى ضرورة تثبيت أطراف المريض من قِبَل أربعةِ رجالٍ ذوي بأسٍ شديد، كفيلةٌ بأن تجعل المريضَ يدّعي أنه شفي لئلا يخضع لعُطْبَةٍ أخرى في أماكن أخرى من جسده على يَدَيْ مُعَطِّبٍ آخر.
لحسن حظ أخي أن طبيب العرب عالجه بطريقةٍ رحيمةٍ وناجعةٍ قطعت دابر الداء إلى يومنا هذا. ولم يكن شفاءُ أخي المكسبَ الوحيد لأبي من قرية الكافات، إذ جلبت لنا رحلتُه تلك لفظةَ الروماتيزم الإفرنجيةَ، التي اختصرها أبي إلى روماتيز، وحكايةً طريفةً هَوَّنت عليه وَعْثاءَ السفر وَطَوَتْ عنه بُعْدَه. أما اللفظة فصارت تُزاحِمُ مفردةَ "الريح" بل تُقصيها من تَداوُلِنا اليومي. ورحت أنا ألوكُ هذه اللفظة بلساني الطفولي، مُعتدًّا بمكسبي اللغوي-الطبي الجديد. بصراحة، أصبح مرضُ أخي مفخرةً شخصيةً لي لأن له اسمًا طنّانًا، وهو، برأيي الطبي الرافض سِرًّا شرحَ أبي أعلاه، غيرُ "الريح" الذي يصيب عجائز قريتنا وشيوخَها ولا يشفون منه. وكان إذا سألني الأولاد الآخرون ممن ليس في عائلاتهم مريضٌ بالروماتيز عن معنى هذه اللفظة، أشفقتُ عليهم من جهلهم باللغة والطب الحديث.
كان طبيب الكافات قد أوصى أبي بالبقاء عدة أيام لمتابعة حالة مريضه بشكل يومي. وهنا برزت مشكلةُ أين يقيم أبي وأمي وأخي وعمي محمد في هذه القرية. كانت مشكلةً لم يحسبوا لها حسابًا، إذ ظنوا أنهم سيعودون في يومهم إلى قريتهم. فسأل أبي الحائر أولَّ رجلٍ صادفه خارج عيادة الطبيب عن مأوىً يؤويهم بضعة أيام، فإذا به يشير على أبي بالذهاب إلى المَنْزول. وهنا اخترط أبي عِقالَه ليضرب به هذا السفيه الوقح، لولا تدخلُ عمي ومبادرةُ الرجل للاعتذار. أدرك الرجل على الفور أن لكلمة "منزول" (أي، المَضافة) في مفهوم هذا القادم من ريف الفرات معنى قبيحًا أثار حفيظته. وهي بالفعل كذلك، إذ تعني عندنا "بيت الدعارة،" وهي بالأصل من صادرات مدينة حلب إلينا.
لم يكن أبي عالِمًا لغويًّا ولا خبيرًا في اللهجات، لذلك جاءت ردة فعله ملائمةً لما ظن أنه إهانةٌ له. وللأمانة، وقبل هذه الحادثة بسنين، حاول أبي ذات يومٍ أن ينفتح على اللهجات الأخرى، وبالذات على اللهجة الحلبية، إلا أن شرطيًا ردعه شرَّ ردعٍ عن غِيِّه. كان أبي عائدًا إلى الرقة من سفرة إلى حلب دامت يومًا وليلة، تعلَّم في أثنائها لفظة "فَسْط،" وهي، فيما يبدو، تعريبٌ لكلمةٍ تركيةٍ مُحَرَّفةٍ أصلاً عن كلمة "وسط" العربية. وعندما توقفت سيارة التكسي التي يستقلها أبي وغيره من الركاب عند حاجز أبو قبيع الأمني (الذي لا يبعد كثيرًا عن موقع معركة صِفّين التاريخية)، وسأل الشرطي أبي عمّا يحمله في الصُّرَّة التي معه، ردَّ عليه أبي بلسانٍ حَلَبِيٍّ فصيح: "ما فَسْطا شي." فإذا بالشرطي يرد على أبي بلسانٍ فُراتيِّ مُفْحِمٍ مُلْجِم: "بْساعْ صِرْتِ اِحْلِبي؟ يَوَلّ، مو البارح غَرَّبْت مِنْ هين بْهاي التكسي؟"
كان أبي يظن أنه لا يوجد واحدٌ من أبناء العرب الأصلاء يرضى أن يعمل شرطيًا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أراد أن يستخدم اللهجة الحلبية تسهيلاً للتواصل مع من ظنَّ أنه من حلب. وهكذا كانت كلمة الزجر "يَوَلّ" التي سمعها أبي من ذلك الشرطي كافيةً لإحباط جهوده أبي المبكرة في الانفتاح على الآخر وحوار أتباع اللهجات.
مات أبي، رحمه الله، بعد 11 سبتمبر بسنتين تقريبًا وفي نفسه شيءٌ كأثر العُطْبة من ذلك الشرطي الزنيم.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب