ألقيتُ عصا الترحال في عَمَّان لاجئاً اقتصادياً. سحرتني المدينة بعماراتها الجميلة وهوائها العليل وأكداس الفاكهة والخضرة المنضدة في نواصي شوارعها النظيفة. جئت إلى عمان لأتنفس ملء رئتيَّ، لأقبر الفقر، ولأستبدل وجعَ حبٍّ ضاع في بلدي بوجعٍ آخر لا يضيع. عمان مدينةٌ ناعمةُ الحجارة، لكن أهلها يبدون للوهلة الأولى أجلافاً قُساةً ما إن تسأل أحدهم سؤالاً حتى يرد عليك بسؤال "إيش؟" فيقبر فيك رغبةَ تكرار سؤال تعلم علم اليقين أنه قد سمعه وفهمه، لكن "إيش؟" هذه امتياز يمارسه ابن البلد عليك أنتَ الطريدَ من بلادك، لكنه يمارسه بلا عدوانية أو استعلاء يدومان طويلاً. تشكره بانكسار ذليل، فيرد عليك بلطف مفاجئ، "حَيّاك الله."

في اليوم التالي من وصولي إلى عمان، التقيتُه. لم أعرفه في البداية. رأيتُ كتلة من العضلات تتدحرج نحوي بطريقة عدوانية استفزازية، كأنها جُلمود صخر حطَّه السيل من عَلِ. ومما زاد في فزعي هو أن هذه الكتلة المرعبة كانت ترتدي نظارتين سوداوين تذكرني بالمخابرات. ظننتُه ينوي بي الشر، وكدت أن أتراجع إلى الوراء، أو أغيِّر طريقي حين رأيته يرفع نظارتيه، ويسدد نحوي ابتسامة صارمة ماكرة.
-يا رجل، أنت مرعب من دون نظارات، فما حاجتك إليها؟
وعندما تعانقنا أحسستُ ببراكين عضلاته تزمجر من تحت سترته، ولولا اطمئناني إليه، لولَّيت منه فراراً ولَمُلئتُ منه رعبا. كان قد تخلى عن ملابسه المحافظة لصالح بنطال فرزاتشي وسترة ضيقة الخصر والمنكبين، مبتورة الردنين. حتى شعره كان مقصوصاً على موضة فرزاتشي، وكانت ملابسه تكاد تنفجر تحت براكين عضلاته المنفوخة. لم أكن أعلم أن له مثلَ هذه العضلات. تُرى، هل موضة الملابس هي التي أبرزت ما كان خافياً؟ هل يُعقل؟ ماذا جرى له؟ أهذا فعلاً هو لبيب فصيح المترجم واللغوي الذي أعرف؟ لم تتجاوز هذه الأسئلةُ عتبةَ شفتيَّ اللتين أشقاهما طرحُ أسئلة أكثر عبثية.
- نعم أنا هو صاحبك القديم.
- ما الذي أتى بك إلى عمان؟
- الذي أتى بك لاجئ اقتصادي سريلانكي بشهادة
- أُف ظننتُك أصبحت من أصحاب الكراسي في البلاد.
- حاشى لله هذه لا يُؤتّاها إلا ذو حظ عظيم. ما الذي أخَّر انضمامك إلى قافلتنا نحن السريلانكيين؟
- ظروف كثيرة. لكن أخبِرْني: منذ متى وأنت هنا في عمان؟ ما الذي حدث لك؟
- أنا هنا منذ ثلاث سنوات. وما حدث لي كثير، يا صديقي القديم. أنت تعلم أنني قبل آخر لقاء لنا، دُعيت لمقابلة وكيل إحدى الوزارات في حكومتنا الرشيدة كي ينظر في مؤهلاتي في الترجمة. كنت أُمنّي النفس بزوجة متوسطة المهر، وراتبٍ يضمن لي كرامتي وكرامة الخِلفة التي لا بد منها. كنت أكره، من حيث المبدأ، ما تسمّيه حكومتُنا شرف الإعارة إلى البلاد العربستانية الشقيقة، وتعتبر ذلك جزءاً من توجهاتها القومية تجاه هذه البلدان التي تُعاني من تَصَحُّر إيديولوجي شديد.
- أرى بركان العضلات يُخفي بركاناً آخر.
- يا أخي، هل نحن بشرٌ أم أشياء تُعار وتُقرض؟ قل لي، لماذا تتعامل حكوماتنا المتعاقبة وكأن تحسين دخل مواطنيها هو واجب الحكومات الشقيقة، بينما تحسين دخل حكومتنا هو واجبنا نحن؟ مقابل ماذا؟ لماذا لا يُعير وزراؤنا أبناءهم للقضاء على ذلك التصحُّر الإيديولوجي المزعوم لدى بقية الأمة؟
- لقد توقعتُك احتللت مكاناً عليّاً هناك، لكني أرى أنك كبرميل بارود.
- لا لم يحصل هذا. لقد اتصلوا بي في الأول من نيسان لتحديد موعد المقابلة في الخامس من حزيران. كان عليَّ أن أعرف النتيجة سلفاً. كان أحد معارفي قد زكّاني لدى صاحب المقام، فذهبت في الموعد المشؤوم، بينما كانت محطاتنا الفضائية الطالعة على الدنيا حديثاً تلوك بصوت مثقوب وعيداً قديماً، "ويلَك يلّي تعادينا، يا ويلك ويل"
- طبعاً، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
- كما قلت لك، ذهبت في الموعد المشؤوم. تصبب عرقي واضطربْت. تجاهل صاحب المقام تحيتي، وظلَّ يقلِّب أوراقاً أمامه وحين شخص بناظريه الثاقبين نحوي وجدتُ نفسي أتهاوى على المقعد الذي لم يأذن لي صاحب المقام بالقعود عليه. وأعتقد أنه لم يغفر لي تلك الهفوة البروتوكولية.
- وكيف مضت البقية؟
- سألني عن اسمي الرباعي، وعن أعمامي وأخوالي، وعشيرة خالتي، زوجة أبي الأولى رحمة الله عليها.
- لا بد أن صاحب المقام متأثر ببرنامج "من سيربح المليون؟" فجاءت أسئلته على هذا النحو من باب التشجيع والإحماء.
- انتظر يا صاحبي. فصاحب المقام لم يزدني إلا سؤالاً واحداً بعدها. كان سؤالاً نزل عليَّ نزول الصاعقة. سألني: "هل صفحتك السياسية بيضاء من غير سوء أم ماذا؟" حاولتُ أن أبلع ريقي فلم أجده. حاولت الكَرَّة ثانية، فوجدت لساني قد تخشَّب. قلت في نفسي إن هذا ليس سؤالاً، بل مصيدة. هذا مطب، يا لبيب. حار دليلي، وبعد تفكير لا أعلم كم طال، أسعفتني الفطنة وهممت أن أقول: "يا صاحب المقام، إن كنت تظنني من جماعة تروتسكي أو من جماعة بن لادن، فلْيكن بالُك مطمئناً."
- وهل قلت له ذلك؟
- لا، لم أتمكن من ذلك. لم أجد لساني في حلقي. كان قد غادر أخاك اللبيبَ الفصيحَ لسانُه. غادرني كحمارٍ وجد سياج الاسطبل مهتوكاً. أضف إلى ذلك أن سكرتير صاحب المقام دخل ليخبره أن المادِمْوازيل نواعم، مقدمة برنامج "مسؤول ع الهوا،" قد وصلت. قلت في نفسي: "فما مُقامي بأرض نخلةَ إلا كمُقام المسيح بين اليهود." وقفتُ، وظلَّت عشراتُ العبارات المضطربة والأفكار الفجة حبيسةً في قعر حلقي. فُتِح الباب ودخلت المادِمْوازيل نواعم تتقدم فَيْلَقَي صدرها كتيبةٌ من العطور تصمُّ الأنوف. تراجعتُ إلى الوراء، فالبروتوكول يقضي ألا تكون مؤخرتُك، ولا سيما إذا لم تكن من موديل مؤخرة المادِمْوازيل نواعم، آخر ما يراه أصحاب المعالي. وبينما أنا أتراجع بخطوات مرتبكة، دخل المصور يجر حبال الكاميرا وراءه. وعندما قدَّرتُ أنني بلغتُ الباب، هممتُ أن أنتدب يدي عن لساني كي أشكر صاحب المقام. لكن المصور سحب بعنفٍ حبال الكاميرا التي كنتُ قد حططتُ عليها أثناء رحلة عبوري إلى الحرية والفقر، فوقعتُ على مؤخرتي التي استقبلتْها برودةُ المرمر الوردي بشعور لذيذ.
- الحمد لله على سلامتك
- وظلَّت قهقهاتُهم تطنُّ في أذنيَّ أياماً، ولم أُشْفَ مما أنا فيه إلا حين طرحتني جدتي أرضاً، بعد أن جمعت عليَّ عجائز الحي طبعاً، وصبَّت علي طاسة الرعبة.
- سمعت أن هذا علاج ناجع مجرَّب، وكانت تستعمله نانسي ريغَن مع زوجها.
- لا بد أنه كان يرتعب من تعلقها بصديقها المغنّي فرانك سيناترا
- هذا ليس من اختصاصي، ثم إني لا أخوض في أعراض الناس، حتى وإن كانوا من الأمريكان. على أية حال، سُررتُ بمصادفتك بعد كل هذا الغياب. لن تُفلت مني الآن. فأنا أعرفك: تَغُطُّ دفعة واحدة كأهل الكهف.
- لا، لن أغُطَّ بعد اليوم. أما الآن، فأرجوك أن تسمح لي لأنني تأخرت على الجِم، وسنلتقي في المساء.
- مَن هذا الجم؟
- إنه مكانٌ أمارس فيه رفع الأثقال.
- أنت المترجم واللغوي المعروف تمارس رفع الأثقال؟
- وكيف أتت هذه العضلات، إذن؟
- هذه أول مرة أسمع فيها أن مترجماً يمارس رفع الأثقال هذه أشغال شاقة وليست رياضة.
- دعني أصحح لك بعض معلوماتك التي أكل عليها الدهر وشرب. أولاً، أنا لست معروفاً إلا للقلة من أمثالك. وهذه القلة، بلا مؤاخذة، أصبحت كالديناصورات في أواخر العهد الجيوراسي. نحن نعيش في غير عصرنا. نحن ميتون سريرياً. كان المترجمون أيام زمان يأتون إلى الخليفة بما يترجمون، فيعطيهم وزن مترجماتهم ذهباً. لقد أوشكنا على الانقراض يا صاحبي.
- وثانياً؟
- وثانياً، لأن رفعي للأثقال ضرورة لمواكبة نبض الحياة العصرية.
- أنت تتكلم كالتلفزيون.
- يا أخي، أنا أعمل هنا في جامعة أهلية معروفة للقاصي والداني بكثرة الطوشات فيها. وهذه الطوشات كأعيادنا الوطنية التي ما إن ننتهي من الاحتفال بواحد منها حتى يحل علينا عيدٌ ميمون آخر. ولهذه الطوشات نوعان: طوشات بين الطلاب، وعادةً ما تكون بسبب بنتٍ تكلم شاباً من العشيرة المعادية، أو بسبب مباراةٍ في كرة القدم خسرها فريقٌ له بين الطلاب أنصارٌ ذوو حَمَيِّةٍ جاهلية. أما النوع الثاني من الطوشات، فهو بين الطلاب والأساتذة.
- أُف وصَّلت لحد هون؟
- نعم. طبعاً، الأستاذ هو الخاسر لأنه المتحول في حسابات الجامعة، بينما الطالب هو الثابت. والزبون دائماً على حق، كما تنص لائحة حقوق السوق العربية. أنت أستاذ اقتصاد وتفهم هذه المصطلحات. أما الأسباب فهي عديدة تدور معظمها حول علامة متدنية أو موعد امتحان لا يتناسب مع نشاطات الطالب اللاصَفِّية.
- لكن ما علاقة كل هذا بذهابك إلى ... ماذا تسميه؟
- كانت لي بعض التجارب، وتبين لي أنه لم يعد أمامي من خيار سوى قوة ذراعي. إنها كعصا سيدنا موسى. لم أستخدمها حتى الآن، وأتمنى ألا يأتي يومٌ أضطرُّ إلى ذلك.
- خير إن شاء الله.
- في يوم من الأيام، كنت أعطي محاضرةً في حوالي الثالثة عصراً فسمعت أصوات فرقعة أمام باب القاعة المغلق. خرجتُ فوجدت طالبين كل واحد منهما بحجم ثور. كان كل منهما يقف في طرف من الممر ويتقاذفان علبة ببسي فارغة. جُنَّ جنوني، صرخت فيهما، وإذ لا حياءَ لمن تنادي. ظلت علبة الببسي تطير من جانبيَّ ومن فوقي ومن بين رجليَّ. وعندما اصطدمتْ بي، قال لي أحدهم: "وَلَكْ يا زَلَمِة، رَوَّحتْ علينا الجول. فوت على قاعتك ولا تِتْخَوَّتْ على ...نا."
- أنت ترعبني بهذا الكلام. ماذا فعلت؟
- أوقفتُ المحاضرة وصرفتُ الطلاب. وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى الدكتور وكيع، رئيس القسم، لأشكو له سوء حالي، فأرشدني إلى ترك المعاصي قال لي: "استوعِبْ يا عم، استوعب" تكررت المشكلة عدة مرات، فذهبت إلى الدكتور بديع الزمان عجيب، عميد الكلية والمساهم بنصف رأس مال الشركة المالكة للجامعة، وبعد أخذٍ وشَدّ، احْمرَّ واصفرَّ، ثم نطَّ وامتط، وقال: "إيه، إيش تريدني أساوي؟ إنتَ ما بْتِعْرَف إنّو هظول من السلْط؟"
- ما هي السلط؟
- منطقة غرب عمّان يشتهر أهلها بالمشاكسة.
- وهل كان هذان الطالبان فعلاً من السلط؟
- لا أعرف، لكن ما أعلمه علم اليقين هو أن المُرْجِفين يصورون السلطيين وكأنهم فوق القانون، وهم ليسوا بالضرورة كذلك. هؤلاء الجبناء يظنون أن بإمكانهم إرهابَنا بهذا البُعبع الأسطوري.
- وكيف حَلَلْت المشكلة؟
- حُلَّت من تلقاء ذاتها. انتهى العام الدراسي ولم أرهم بعدها. لكنه في العام التالي، حدث ما هو أسوأ من هذا لأحد الزملاء العراقيين الفارّين من بطش صدام وعقوبات كلينتون الذكية.
- وهل هناك ما هو أسوأ من هذا؟
- نعم. قام أحد الطلاب بضرب أستاذه في ساحة باصات الجامعة لأن الطالب رسب عند هذا الأستاذ في الفصل الثاني من العام السابق. لذلك انتقم منه في أول سانحةٍ من العام التالي، ولولا تدخُّل سائقي الباصات، لَكُنّا قرأنا الفاتحة على روح المرحوم منذ فترة.
- وماذا فعلت إدارة الجامعة؟
- فصلت الطالب لكنه في اليوم التالي توجَّه زعماء عشيرة الطالب المفصول إلى مجلس إدارة الشركة المالكة، وخيَّروا المجلس بين أمرين أحلاهما مُرُّ: إما التراجع عن قرار الفصل أو انتقال جميع أبناء العشيرة المسجلين في الجامعة إلى جامعة أهلية أخرى، وما أكثرها.
- يا رجل، أنت تُبالغ. هذا خيال علمي
- بل واقع، ولكنه واقع شبه سحري نعيش تجلياته كل يوم في الجامعات الأهلية بأشكال مختلفة. هذه هي آخر تقليعات العولمة. الحوت الكبير يبلع الحوت الصغير.
- ما الذي حدث؟
- اضطر رئيس الجامعة، بأمرٍ من رئيس إدارة الشركة، إلى بلع قراره القاضي بفصل الطالب. لكنه، والحق يُقال، استبدله بقرار تسريح الأستاذ.
- عفارم عليه أخي، الله يرضى عليك، خذني إلى هذا ... ماذا تسميه؟
- وما حاجتك إلى الجِم وبناء الأجسام؟ لقد وصلتَ لتوِّك.
- لا أعرف حاجتي إلى ذلك بعد. لكنه، كما نقول نحن الاقتصاديين، استثمارٌ في المستقبل.

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب