وفجأة، وهو الذي أقلقته المفاجأة الأولى، تبين له أن صوت المرأة الذي ودّ أن يحس به بعيداً لا يعنيه بشيء، يبلغه، في الحقيقة، من قرب الحفرة التي تمدد فيها مستسلماً يستحضر وهماً بإغماض عينيه. وبذات الفجائية التي حلّت به في البداية، وكما أراد أن يحس بها، تبين له أن الردم الذي ينهال عليه قد توقف أيضاً. لم يرغب في فتح عينيه يستطلع فيما لو كان شعوره بما يحدث من فوقه صحيحاً، وأن مفاجأة أخرى تفرض عليه واقعاً يعزف عنه، بل أصر جاهداً، وهو مغمض العينين، أن يستعيد إحساسه الأول الذي دفعه إلى أن يجهد في حفر حفرة في أرض الدار يفترشها ليحس بـ "رطوبة التراب (التي) بدأت تنفذ إلى جسده".‏
ولما لم يسمع أو يحس، كما لم يستطع استعادة ما بدأ في إحساسه الأوليّ، اضطره صوت، بلغه من خارج ذاته، بتر مجرى تنفيذ خطة لا وعيه من أجل موته. فتح عينيه ففجأت وعيه صورةُ جده يقف على حافة الحفرة يطلُّ عليه بنظرة يشوبها غضب أكثر عتمة من سواد ليلته. ومقابل جده، في الطرف الآخر، تقف نديمة لا تقل تجهماً عن جدّ صابر، زاغ بصره وهو يُنقّله بين الجد ونديمه. لم يتغير قلقه الذي أحكم قبضته على خناقه. وكيلا يذعن لتَحكُّم، أنزَف حاصلَ ذكريات حياته داخل رأسه وفردَ كلّ خلية أمام مخيلته. وربما أراد صابر أن يستوقف بعضها أو يعيد ترتيبها، لكنه استسلم تحت وطأة خدر غير لذيذ قد عشّق داخل حاله مذ عزم على بيع "سيف ودرع" جدّه، جدُّ صابر.‏
اعتقد أنه يفَكّر سراً، وهو ممدد، وحسب ظنه بعيداً عن روحه الأرقة.‏
تكشّفت عن قلقه أسئلةٌ محيّرة:‏
-كيف اتفق وقوف جدي مع غزالتي، نديمة، فوق ذات الحفرة التي عتب عليّ التأخر في حفرها؟‏
-أليس هو القائل عندما عاد بعد خمسين سنة ليراني أحفر أرض الدار:‏
-"حسناً ما تفعله يا صابر وإن تأخرت عليه بعض الوقت؟‏
خاطبه جدّه بصوت (قيئي) متهكم:‏
-أرى وكأن سعيك ما تجاوز أن تحفر لنفسك حفرة تواريك عن شخص أولادك وعتب مَنْ تدعوها غزالتك؟‏
ولم يسمع الجد جواباً على ما افترضه سؤالاً، فأردف وقد هدأت بعض سريرته مما بعث بعض استغراب في نفسه، استبعد تحليل ذلك بسبب الحال أمامه:‏
-هل عقلت لسانك كما ضيّقت أفقك؟‏
نظرت نديمة إلى صابر من عل دون أن تنبث بكلمة وكأنها لا تطمع بأكثر من أن يستجيب لما يقوله الجد. بعثت عيناها (الغزلانية) بريقاً اجترح في عتمة صابر ومضة كاد قلبه يهفو إليها فخشي ألا يدركه بعض أمل وهو المتمدد داخل ما احتفرت يداه يحس ببرودة ترابه تسري إلى جسده‏
خطر في باله لمّا كان في ميعَة الصبا لا يفقه للحب طعماً بل قرأ عنه القصص والحكايات فراح، هو ورفاقه، يطارد حدوده المباحة والممنوعة ينسج منها أقاصيص حب يحكيها لأمثال نديمة في كل لقاء عشق مسائي. وتذكّر كيف، قبل أن يدرك معنى الحب ولذّاته، أحب نديمة. وكيف قبل أن يعي حبها زرع في رحمها همة شبابه أكاليل ربع تغويهم، الآن، هموم يومية، وخطر في باله، وهو ممدد الآن مستسلماً لبرودة تراب حُفْرته، كيف كانت نديمة تضمه إلى صدرها يستأصلُ ضرعُها قرّ نوباته الليلية في معمل غزل. يخطر في باله كلّ ذاك ويحس أن ليالي عشق قديم ورثها مع دار جده التي ورثها عن أبيه تخرّ من فكره المنهك مثل رمل كوته نار تحضير ذبائح ولائم فسق تستقر على جلده دون أن يقوى على القيام بشيء. ويدرك باله أخيراً صدى عتب كانت نديمة توجهه إليه كل يوم منذ أعوام تطلب منه التفتيش عن عمل ما، حتى وإن كان غير معمل الغزل، يرد عنها غيلة الحاجة وهوان كسر الخاطر. وعاوده خجل أنه صدّق صاحب معمل الغزل. وزاد ألمه عندما خطر في باله، أيضاً كان يحس بالتفتت دون أن يعمل شيئاً لأنه صدّق صاحب المعمل ووعده بفتح معمل حديث ليترك الأصيل دون صيانة. وجعلته الندامة يرتجف ذلاً وقد تصدّعت نفسه تنزّ من شروخها صورة أرتال العمال التي ضاعت قراها بعد نزوحها إلى المدينة تشقى في غزل النسيج. وزادت مذلته وهو يسترجع كيف اقتنعوا بكلام تاجر يدعي أن قيمة المنتوجات المصدرة ورأسماله قد ضاع لأن المُشتري من بلد الأباطرة لم يدفع سلفة ولم يوقع عقداً ملزماً. وكثر توافد خواطر ماض غير بعيد وكادت تستحكم به وهو الذي يتمسكن أمام ذاته ملتحفاً وشاح الشفقة على نفسه متعللاً بأن الربع والأولاد "لاذوا بهمومهم اليومية" ونديمة بَعُدت عنه لا يراها إلا ليلاً منهكة لا تقوى على ضمه إلى صدرها مثل أيام الصبا.‏
واستقر إلى قراره الذي تسرب إليه مصحوباً بحذرٍ غير لذيذ يُمرّغُه بدفء عذاب ذاته متعللاً بضغوط وخوف مستبعداً عن إدراكه واقع أن ليس لنديمة شأن بما يحدث بل شاءت نفسه أن يخلص إلى قراره:‏
-"فكّر يا صابر لا شيء يستحق كل هذا العناء والتمزق، ليس ثمة حل إلا.. فكّرْ يا رجل: ماذا تريد من دنيا كهذه؟ ما الذي حصلت عليه منها؟‏
أغمض عينيه ثانية ليعود إلى خواطر ترده تباعاً. وبينما هو في لجّة الخواطر والتداعيات بلغه صوتها رقيقاً على عكس صوت جده:‏
-انهض يا صابر، انهض‏
ولم يستجب ناهضاً، بل فتح عينيه يستطلع إن كان واقعاً ما يسمعه ويراه. وقع بصره على الفأس التي حفر بها أرض الدار. كانت تماماً على حافة القبر تكاد لدى أي حركة تسقط عليه. أراد أن يحذر جدّه من الحركة كيلا تسقط الفأس، إلا أنه رأى ما أنزل هلعاً وذعراً في نفسه.‏
انحنى جده والتقط الفأس من قبضتها، وبالرغم من العتمة تمكن صابر من رؤية تقاسيم وجه جده صارمة وعروق ظاهر راحته اليمنى تكاد تتفجر بدم (فوسفوري). قطع الجد الحفرة بفشخة واحدة متقدماً إلى نديمة. أمسك بكتفها اليمنى بقبضته اليسرى ومال عليها يقبلها من رأسها، بعد ذلك مدّ يده إليها بالفأس وقال:‏
-لن أردم التراب عليه، سأتركه للعراء، للعواصف تهب عليه وتطمره في كل يوم قليلاً. من تغرمه الشفقة والتمسكن فليكن له ما يريد. ما كنتُ يوماً من هذه الطبيعة ولن أرضاها له طوعاً، إن هجع إلى رؤاها فله ما يشاء دوني‏
انفقأت صرخة من صميم صابر:‏
-ولكنك يا جدي كنت قد شرعت في ردم التراب عليّ؟‏
أكمل معروفك، يا جدي‏
لا أريد دارك بعد، يا جدي.‏
اردم تراب حفرة دارك فوقي وقني كدّ النهار وعناء شمسه‏
-أما أني قد بدأتُ في ردم تراب حفرة حفرتها، أنت، في داري، ليس إلا لأتحقق من أمر يخصني وحدي، أنا جدك. ظهرتُ عليك أبعث في حُسبانك خوفاً وقلقاً تحسب ألاّ عهد لك بهما بالرغم من تحذير جدي وجدك. أمّا أنك تدعي اكتشاف وجودي وحسبت أنني عدت لتوي، فحسرة على راهنك‏
وجلجلت في هزع ليل صابر ضحكة سخرية تبعها سرّ الجد:‏
-لقد كنتُ هنا، في الدار خلال الخمسين سنة، كنت أرى ما حولكم دون أن تروني. باع بعض أحفادي ما تركتُ لهم فلم أر سبباً للظهرو. طمأنتُ نفسي، آنذاك، أن العدة هي لدى صابر ونديمة وأولادهم، وهؤلاء لا خوف عليهم، وبالرغم مما أصابك يا صابر، كنت أعلم أنك ناهض من كبوتك حتماً. لا بد أنك مُوجد عملاً آخر تعيل به أسرتك وتحفظ ماء وجه نديمة، أم أولادك، تابعتُك وأنت تتمسكن، تغضّ البصر، وتصمْخ أذنيك فلم أقلق كثيراً. طمأنتُ نفسي ألاّ بد أنك شاعر لمهمة رد الغائلة عن أسرتك وستنهض (ولكل إنسان كبوة)‏
ونادى الجدُ، دون سابق علم، ملوحاً بقبضة فوسفورية وكأنما صبره قد نفذ، فارتعد جسد صابر الممدد في الحفرة واستجاب لردة فعل جعلته ينتصب في حفرته المغطاة بقبة السماء القاتمة:‏
-أما أن تبيع عدّتي وعتادي..‏
بعد أن انتفض جسده وانتصب مرتطماً بقبة السماء وكأنها طبقة قبر، اضطر صابر أن ينظر من حوله رأى في الأفق ضوء صبح يجرع قبة السماء مفجراً نوراً برتقالياً يمرغ الأرض يرسم أفقاً آخر. عاد ليجدد النظر من حوله متأكداً مما يرى، فرأى جده وقد ظاهره يضم إليه نديمة مبتعداً عن الحفرة وأولاد صابر يقبلون من بعيد حيث ارتسم الأفق الآخر.‏
اختلطت المناظرُ والجراحُ والرسومُ والمشاهدُ والراهناتُ قسراً على صابر فاستدار يتحقق: أسوار الدار التي أورثها جده قد زالت تفرج عن سهل واسع يحط النظر على أفقه، وغرف الدار ما تزال تدفع بأطفال يستهويها عبث أشعة الصباح ببصرها فتندفع نحوها تعلم القبض بأيديها عليها لاهية.‏
أحس صابر لرؤيتهم بفرح كاد ينسى طعمه فبان له إحساسه غريباً استحضر عليه صور أولاده يوم كان يعيلهم من كده في نوبات عمله الليلي. جعله الفرح المُفتقد يكاد ينسى أنه بدون عمل وأنه، حقاً، قد حفر لنفسه حفرة يستلقي فيها بقية دهره.‏
وبينما اللاهون يتقدمون إليه وهم يعبثون ورد فكره يوم عاتب نديمه قائلاً:‏
-و"لكنك تغادرين البيت في الصباح ولا ترجعين حتى المساء"؟‏
وتردّد جوابها داخل نفسه:‏
-كان على أحدنا أن يسعى بعد أن أدخلت في روعك أن ما عادت لديك همة وقد "لاذ الأولاد بهمومهم اليومية"‏
فأراد أن يعتب عليها كما فعل يومذاك المساء:‏
-ولكن أسئلتك، يا نديمة وأنت ترددين:‏
"هل استطعت الوصول إلى حل؟ لا تنس كيف غدت حالتنا.." كانت تغرز في كياني (أسافين) صدئة؟‏
واسترجع جواباً آخر من داخله:‏
-"كان عليّ، وأنا في غمرة السعي، أن أذكّرك بأنك مهم في حياتنا كما أجعلك تحس أنك مسؤول عن إيجاد طريقة لتدبير وضعنا ودفع الديوان المتراكمة، ولكنك..‏
وقبل أن يجد بقية جوابها، جرفه الأطفال بأجساد فتية كموج بحر هائج ينقض بعضها على تراب الحفرة يذرّه في الهواء ليحطّ على عيني صابر فتكحلا وبعضها الآخر تردم الحفرة بكفوف طرية قوية. عفر التراب المتناثر وجه صابر إلا أنه تمكن من فتح جفنيه المغبرين فوقع بصره على صورة جده ونديمة وأولاده يمتطون نور الصبح المتوهج نحو الأفق الآخر. تحفّز وخبط بقدميه على قاع الحفرة، والأطفال من حوله منهمكون بردمها، فطار جسده تلفه أشعة الصبح توثبه وثبات واسعة طويلة ليحط في وسطهم.‏
نظرت نديمة إليه وافتر ثغرها عن بسمة شبابهما فغضا الطرف حياء. ربما أرادت أن تقول شيئاً وأراد هو أن يرد عليها، لكن جدّه مدّ يده بالفأس. استعاد صابر الفأس وقد شخص ببصره نحو جده. مدّ الجد يده المتحررة ينفض عن رأس صابر غبار تراب حفرة ليلة معتمة.‏

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب