صر على لقائي، وألح في الطلب. أراد عنوان بيتي ليتشرف بزيارتي، التي يأمل في أن تكون فاتحةً لزيارات متكررة ومتبادلة. استعذت بالله وفوضت أمري إليه.
كنت على شفا حفرة من الانتقال من شقة في بناية متهالكةٍ إلى شقة في بنايةٍ جدرانُها أشد تماسكاً وسكانها أكثر تفاعلاً مع ما يستجد على الساحة الفنية من أغان ومواويل تراثية بأردية حداثية. كانت ابنة جارتنا شهرزاد وأخواتها الصغيرات، في بنايتنا الجديدة، تُشنِّف آذاننا بأغنية "سمرة وانا الحاصودة" من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حتى الثالثة والنصف صباحاً، بينما الكعوب الراقصة تكاد تخترق السقف الإسمنتي الذي يستر عُرينا البدائي ويحول دون التحامنا في طقس تَمّوزيٍّ من النشوة والتمزق. كنت أُطلق كل ليلة شتيمتين أو ثلاثاً بحق جيراني الإرهابيين، وأتذكر أبناء عمومتنا في غوانتانامو. ويظل صُداح علي الديك يُلَعْلِع إلى أن تُسكِته ديوك الصباح، فتسكن البنت اللعوب، وترتخي الأجساد، فتهدأ الكعوب، وتنام شهرزاد.
-ألو، نعم. من؟
-ألم تعرف صوتي؟ أنا الأستاذ أبو النابغة.
-الذُّبياني؟
-أشكرك على هذه المداعبة الظريفة، يا دكتور. أين أنت الآن؟
-لقد خرجنا لتونا من طرطوس.
-إذن ستصل اللاذقية بعد المغرب.
-إن شاء الله.
-أريد أن أتشرف بلقائك. فأنا أتلهَّف للقياك على أحرٍّ من الجمر.
-أعتقد أن زوجتي أحقُّ منك بهذا الشواء. لقد تركتُها منذ الفجر ذاهباً إلى دمشق.
-أعلم ذلك، فقد اتصلت بها عدة مرات لتعطيني رقم جوالك. أين البيت لأزورك وأبارك لك فيه؟
-يا أخي أنا مرهَق. لم أنم سوى ساعة واحدة ليلة أمس. قطعت مسافة سبعمائة كيلومتر ذهاباً وإياباً في هذا القيظ الحارق. وأنت تُصرِّ على لقائي اليوم؟
-نعم. ولا مفرَّ لك من ذلك.
-ليكن ذلك في مقهى السويس، إذن.
-في السويس؟
-في التاسعة تماماً. ستعرفني من قميصي المتسخ.
في مقهى السويس كان ينتظرني كصاحب بقرة تحتاج إلى تلقيح من ثورٍ في القرية المجاورة: أشيبَ الشعر، متهدلَ الشفتين، كالح َالوجه. ظننته خارجاً من تحت الأنقاض، أو مسَّه تسونامي متوسطي. كان المقهى يعج بزبائنه من المثقفين، والمفلسين أدعياء الثراء، وأنبياء الثورة الجدد، والبسطاء الذين يتكلمون الصليباوية على أصولها مع كل نَفَس أركيلة.
-لم أتوقعك بهذه السن، يا دكتور.
-أرجو ألا يكون في ذلك بأس.
- بل على العكس. لقد ازددت بك إعجاباً وتقديراً. لكن الغريب أن الرفيق أمين الفرع لا يعرفك.
-وما وجه الغرابة؟ لم أقف على بابه يوماً لأستجدي منه منصباً أو لأقدم له تقريراً بأحد الزملاء. والله لا أعرف أين مكتبه
-ولكنكما في نفس الجامعة، وهو مُعلِّمُك.
-اسمع، قد يكون معلِّماً لأمثالك لكنه لن يكون أبداً مُعَلِّماً لي.
-لم أقصد الإساءة، يا دكتور. أرجوك، سامحني. فما أنا إلا مثل أخيك الأكبر.
-ليس عندي شك أنك تود لو كنت بمثابة الأخ الأكبر لي.
أخرج ورقة مطوية وملفوفة بشريط أرجواني من حقيبة يدٍ جلدية، ودسَّها بين يديَّ. طلب مني أن أتكرم عليه بقراءتها. أخذت الورقة ورحت أقرؤها بصمت.
-أريد أن أسمعها برنة صوتك الشاعري الجميل الذي حكى لي عنه كثيرون.
-ولكنها من نَظْمِك أنت، وأنا لم أقرأها بعد. أعطني على الأقل فرصةً لقراءتها.
فعل ذلك لما رأى عدم استجابتي لطلباته المُلِحَّة.
-إنها، كما ترى، من شعر المناسبات. لقد كتبُتها بمناسبة زيارة قداسة البابا يوحنا بولص الثاني للقطر، وقد دبَّر لي ابن عمَّي المحافظ لقاء مع قداسته وقد ألقيتها على مسامعه، فنالت إعجابه لإشادتها بمواقفه النبيلة تجاه قضايانا العادلة، كما أنني أبرزت فيها أن بلادنا هي مهد المسيحية والجسر الذي عبرت عليه إلى أوربا.
-ولكنك لم تقل شيئاً لا يعرفه قداسته.
-ولكنني قلت ذلك شعراً.
-نعم، وما أنصفَ القومُ ضبَّة. قل لي: منذ متى ظهرت عليك عِلَّة الشعر؟
-الحقيقة، هذه أول قصيدة لي. لكني أقول لك الحقيقة إن ضيعتنا مليئة بالشعراء. في كل بيت شاعر. لقد أفنيت سنيَّ عمري في تعليم أولاد الضيعة في الصباح والزراعة بعد الدوام. بصراحة أكثر، كتبت القصيدة بناءً على تشجيع من أحد تلامذتي، وهو شاعر موهوب، يعمل في وزارة السياحة. وبالفعل منحني البابا أيقونةً نحاسية ذات قيمة، مكافأةً على يتيمتي تلك. لقد علقتها على مدخل بيتي المتواضع، وستراها إن شاء الله عندما تشرفني بزيارة.
انحنى فوق الطاولة الصغيرة التي بيننا وأشار عليَّ أن أمدَّ رأسي بالمثل كأنه يريد أن يفشي سراً خطيراً: "بالمناسبة، الرفيق أمين الفرع كان واحد من اللي علَّمتُن. بس هالحكي من شي تلاتين سنة." تراجع رأسه إلى الوراء وتراجعت.
-ما المطلوب مني؟
-أريدك أن تترجم القصيدة؟
-هكذا، دفعة واحدة؟ لماذا؟ إنها قصيدة مناسبة، ولا أخوات لها بعد. لقد أدَّت غرضها باعترافك أنت.
-أجل، ولكن معرفة قداسة البابا باللغة العربية لا تصل إلى حد المقدرة على تذوق الجماليات التي تزخر بها هذه اللغة العريقة.
-ألَم تقل أنت، بعظمة لسانك، إنها نالت إعجابه وكافأك عليها؟
-نعم، قلت ذلك.
-إذن، لا حاجة لترجمتها. أليس البابا كاثوليكياً؟
-بلى. لكن لا أفهم ما تقصد.
-ما دامت قصيدتك نالت إعجاب أكبر راعٍ للكنيسة الكاثوليكية في العالم قاطبة، فهذا يعني أنها نالت إعجاب أكثر من مليار شخص من أتباعه بشكل تلقائي. أنت يا رجل، بل يا أبا النابغة، تتربع على عرش الشعر. إن مبيعات أي واحد من دواوين نزار قباني، رحمه الله، لم تبلغ أكثر من ثلاثة آلاف نسخة. أما أنت، فالعالم الكاثوليكي كله وراءك.
-الله يُجبر بخاطرك. والله ما خطر لي هذا على بال.
-يا أستاذ، هل تعلم أن كلمة كاثوليكي في الإنكليزية هي مرادفٌ لكل ما هو عام وشمولي؟
-والله؟
- بيني وبينك ابنُ منظورِهم. أقصد، نوح وِبستَر.
سُرَّ أبو النابغة بما جاد به لسانُ حالي الناطق بالتعب، واقترحت عليه أن أكتب بعض الأبيات أرسلها شخصياً إلى البابا عن طريق سفارة الفاتيكان في دمشق، لكي يعلم قداسته أن ما سمعه من الأستاذ أبي النابغة ليس حالة استثنائية جاءت وليدة لحظتها. أخرجتُ قصاصةً من الورق، وخربشتُ عليها كلماتٍ عجلى قلت له إنها تُشيد بمواقف قداسته النضالية مع الكادحين المتعبين:
أبانا الذي في الفاتيكان،
تقدَّس اسمُك.
ماضٍ فينا حُكمُك،
في الشعر كما في النثر،
يا... يا... يا...
يا مُغيث المتُعبين.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتب, عدنان علي نزهة-الإمارات العربية المتحدة حلم و مدينة
-
الكاتب, د. طارق البكري-لبنان صانع الأحلام
-
الكاتبة, فاطمة عزت محمد البرماوي-الأردن
-
الكاتبة, وفاء عبد الرزاق-العراق بعضٌ من لياليها
-
الكاتب, د. عدي فائز العلوش-السعودية رجل
-
الكاتب, محمد رمضان الجبور-الصورباهري-الأردن الأمر 72
-
الكاتب, ضرغام فاضل-العراق أرنوب والتفاح
-
الكاتب, محمد صباح الحواصلي-أميركا رهان*
-
الكاتب, غمار محي الدين محمود-روسيا الدّرب الموحل
-
الكاتب, د. طارق البكري-لبنان البنت المقدسية
|