ينطلق الرتل البرتقالي من لحظات الفجر الأولى ، عازما على تطهير المدينة من أدران النهار الفائت ....بعضهم يتأبط المكنسة مثل بندقية ... بعضهم يجر عربايته اليدوية مثل كاسحة الغام .. اخرون يمتطون ضاغطة النفايات ، ليرفعوا الى جوفها الحاويات العملاقة.. اخرون يمتطون (الفرامة) التي تحول كل ما يدخل جوفها الى خليط مجنون تتداخل فيه العناصر والمواد لتتحول الى مادة غرائبية غير مفهومة لا تفنى ، لكنها تستحدث كل لحظة.
ينتشرون في كل مكان بلباسهم البرتقالي منتصرين على ثقافة العيب (عيب الثقافة) ليجعلوا وجه الأرض اكثر نظافة ... يتصارعون احيانا مع (النباشين) الذين ينثرون الأكياس بحثا عن العلب الفارغة وما شابهها من اشياء يمكن المتاجرة بها.... احيانا يتصادقون ، فالشقاء والفقر يجمع الناس اكثر مما يفرقهم... المال الكثير هو الذي يفرق الناس.
الناس يفضحون انفسهم بواسطة نفاياتهم ، وكتائب الجيش الأصفر يعرفون نفسيات أصحاب البيوت من دون ان يتعرفوا عليهم ...:هذا بخيل ، وهذا كريم ، هذا فقير وهذا ثري وذاك مهمل.. هؤلاء متمدنون وهذا فلاح وذاك أعرابي .. ....طبعا فإن ما تخفيه المظاهر الاجتماعية تفضحه النفايات.
يسمونه عامل وطن او جامع نفايات او كناس او زبال .. وكل تسمية أو مناداة تفضح ايضا المنادي وقد تجرح المنادى ، اذ ان ثقافة العيب ، حيث ان ثقافة العيب لاتختفي تماما لكنها تترسب في الاعماق ، لكن الانسان يقمعها بحثا عن لقمة العيش الشريف(طبعا).
لو ان كل واحد منا يشتغل عامل وطن لصرنا مجتمعا مثاليا... هذا ينظف دائرته من المرتشين واللصوص وذاك ينظف مؤسسته من الانتهازيين ، وآخر ينظف نفسه على الأقل من شوائب الغش والخداع .. لو كان كل واحد منا كناس نفسه لما تكدست الأوساخ داخل بيتنا الكبير .
وحده عامل الوطن من يقوم بهذه المهمة .
فلنرفع قبعاتنا احتراما اذا مررنا بواحد من افراد الرتل البرتقالي اثناء عمله.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة مهند مبيضين جريدة الدستور